RSS

دور العبيد في صعود وسقوط الاندلس

21 نوفمبر

تنبيه: الموضوع في الاصل للكاتب الالماني Frank Westenfelder مع بعض الاضافات من مصادر اخرى، على الاخص في مجال التفاصيل المعلوماتية.

جرى تجاهل دور العبيد في فتح الاندلس وفي المعارك اللاحقة عليها والتي جرت مابين القرن الثامن الى الحادي عشر، على الرغم من أن استخدام العبيد ( المماليك) للاغراض الحربية، على العموم، لعب على الدوام دورا هاما في فتوحات الجيوش الاسلامية. ذلك يستدعي ان نتساءل: لماذا هذه الظاهرة تقتصر، بشكل رئيسي، على الجيوش الاسلامية؟

تحدث المؤلفين العرب، في العصور الوسطى، عن الفاتحين الذين حققوا نجاحات مهمة في المناطق النائية، ولذلك كان لابد من تجنيد مقاتلين متمرسين من مناطق قريبة، عوضا عن طلب مساعدات بعيدة. بعض المؤرخين المعاصرين يشيرون الى ان السبب قد يكون في ان الكثير من المسلمين يترددون في القتال ضد اخوانهم المسلمين، في الحروب الداخلية، ولذلك يفضل الخليفة القاء عبء هذا الامر على عاتق ” الكفار”. وعلى الرغم من ان كلا النظريتين بهما شئ من الصحة إلا انه لايبدوان انهما مقنعتين.

في هذه الدراسة التي تغطي فترة حكم المسلمين في الاندلس نجد ان عرب الاندلس لم يكن يردعهم ايمانهم ان يقاتلوا بعضهم البعض حرصا على متعة حياتهم الجديدة. بل واكثر من ذلك، كانت الحملات الكبيرة التي تجري ضد المسيحيين في الشمال، هي الاستثناء في حين ان القاعدة هي النزاعات والحروب الداخلية بين الاخوة المسلمين. ان كلا من العرب والبربر (الامازيغ) جاءوا بكامل قبائلهم ليستعمروا شبه الجزيرة الايبرية، الامر الذي عزز هذا الصراع بقوة، إذ انهم نقلوا معهم عصبيتهم وولائتهم القبلية. يذكر شاعر عربي، على سبيل المثال، حرب الاعوام السبعة القبلية التي جرت بين العرب والبربر في منطقة مورسيا، بسبب ان موداري سرق ورق عنب من كرمة عربي يمني.

والى جانب هذا كانت هناك خلافات صغيرة لاتعد ولاتحصى أدت الى الحروب بين العرب والبربر ومن تحول الى الاسلام من السكان المحليين، في الصراع على السلطة.
كان الامير يحكم بفضل أن عائلته وعشيرته ساعدوا بعضهم البعض، ودفعوا ثمن المنصب. ولكن إذا نشأ الصراع على السلطة داخل العشيرة فلن يكون الامير مطمئنا حتى بين افراد عائلته إذ على الدوام هناك من يرغب في قتله والحلول مكانه. في مثل هذه الظروف يكون الجنود العبيد (المماليك) مصدر طمأنينة اكبر للحاكم إذ انه لاتربطهم علاقات وعادات العشيرة وانما مصالحهم الخاصة التي تتلخص في كسب اكثر مايمكن من المكافآت وتامين المستقبل الفردي، خصوصا وان اغلب المماليك يجري جلبهم اطفال سبي وثم يجري تربيتهم على الولاء لسيدهم، معزولين وبدون جذور. كان يحدث نادرا ان يُقتل السيد بسيف عبده، والاكثر رجوحا ان يُقتل بسيف ابنه او اخوه او ابن عمه.

طالما ان جيوش المسلمين تتقدم وتحتل بلدانا جديدة لم يكن هناك مبررات لاعطاء امتيازات للمماليك (العبيد الذين يخدمون في الجيش) إذ ان اخضاع بلدان جديدة يعني وجود فرص نهب مفتوحة وهائلة تكفي لجعل الجميع راضين. المشكلة تنشأ عندما يتوقف قطار الفتح ويصبح من الضروري توزيع الاموال المنهوبة والسبي والاراضي المحتلة.

كان تقدم العرب والبربر قد جرى ايقافه من قبل الفرنج عام 732 امام بواتييه Poitiers. بعد سنوات قليلة نشأت الخلافات على توزيع الاراضي، إذ وعلى الرغم من ان البربر قد قدموا التضحيات الرئيسية حصلوا على الاراضي الاسوء. غير ان تمرد البربر، بتحريض من خليفة بغداد أبا العباس، جرى سحقه بمساعدات امدادات جديدة من الجنود السوريين ( جند الشام) الموالين للامويين، جاءت هربا من بربر شمال افريقيا، ولكن ذلك لم يقدم السلام. الموالي Muladis وهم السكان المحليين الذين لم يعتنقوا الاسلام وبقوا على دينهم، انتفضوا مطالبين بحقوقهم ، والمزارباس، Mozarabs، وهم السكان الاصليين الذين أعتنقوا الاسلام ، ايضا انتفضوا مطالبين بحصتهم من الغنيمة. ولم ينتهي الامر عند هذا الحد، إذ أن العشائر العربية استأنفت تصفية حسابات دموية قديمة. كانت التحالفات تتبدل على الدوام والاندلس اصبحت على شفا السقوط.

في وسط هذه الاضطرابات وصل ، عام 755، الى شبه الجزيرة الابرية ،الامير الاموي عبد الرحمن الداخل. هذا الامير هو الوحيد الباقي من العائلة الاموية، وقد تمكن من الهرب من المجزرة التي اقامها لهم أبا العباس السفاح، حفيد العباس عم النبي محمد، بمساعدة أبو مسلم الخراساني، لانتزاع السلطة بأسم اهل البيت.

قصة هروب عبد الرحمن الداخل
كان سن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ( عاشر الخلفاء الامويين) بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ، العشرين عاما عندما انتصر أبا العباس السفاح على الامويين ، تمكن عبد الرحمن من الهرب مع اخوه الاصغر يحيى واختين وبضعة من خدمه (حسب سيرة اعلام النبلاء) الى شمال سوريا. وقد لاحقه اعوان الخليفة العباسي الجديد الذي اعطى الاوامر بعدم إبقاء احد من الامويين على قيد الحياة حتى لاينازعوه، او ينازعوا احفاده، الحكم، كما نازع هو (حفيد العباس) احفاد معاوية الامويين، وتمكنوا من قتل اخوه واختيه، غير ان عبد الرحمن هرب بعبوره للنهر. بعد ذلك هرب عبد الرحمن الى مصر ومنها الى المغرب والتجأ الى قبيلة نفزة البربرية في موريتانيا، وهي القبيلة التي تنحدر منها أمه. . بمساعدة مولاه بدر اجرى اتصالات مع قبائل المعارضين في الاندلس ومع أفراد القوة السورية ( جند الشام)، بقيادة بلج بن بشر، وكانت قد هربت الى الاندلس حديثا ، من شمال افريقيا، على اثر ثورة البربر في سبتة. في الواقع كانت مقاطعات شمال افريقيا في اضطرابات سياسية كبيرة بعد انتقال السلطة الى العباسيين، والكثير من المقاطعات استغلت الفرصة للمطالبة بالاستقلال .

الانتصار على الامير الموالي للعباسيين، يوسف بن عبد الرحمن الفهري، عام 756 كان سهلا نسبياً. المشاكل الحقيقية بدأت بعد ذلك. أراد ” الداخل” إنشاء قاعدة ثابتة اعتمادا على العنصر العربي، وخلال فترة حكمه التي استمرت 30 عاما، كان على الدوام يعمل على اخماد الانتفاضات الصغيرة والكبيرة، ضده. كانت العشائر اليمنية احدى اقوى التيارات المعارضة له، على الرغم من انهم بدؤا حلفاء له ثم انقلبوا عليه بتحفيز من الخليفة العباسي.. وصل الامر بأن احد قادة العشائر اليمنية ، العلاء بن مغيث الحضرمي، أستقوي بملك الافرنج كارل الاكبر وهو جيش انضوى لاحقا تحت راية جيوش المسيحين في منطقة الباسك Roncesvalles. عندما حقق عبد الرحمن انتصاره على هذه الانتفاضات ارسل رؤوس قادة الانتفاضة الى الخليفة العباسي، الذي انبهر بإنتصارات عبد الرحمن واطلق عليه لقب ” صقر قريش”.. مع كل هذه التناحرات العشائرية من اجل المال والسلطة، اصبحت مسألة تأسيس سلطة مركزية هي المهمة الرئيسية وليس حرب النهب الدينية.

تجربة

التركيبة التقليدية للمجتمع القائمة على الولاء العشائري لم يعد ممكن الوثوق بها لادارة الدولة. لذلك اضطر عبد الرحمن الى تعزيز تعاونه مع البربر، الذين جلبهم من شمال افريقيا كمرتزقة مستغلا كون البربر اخواله. كان القادمون الجدد مثال للشجاعة والاخلاص لعبد الرحمن. والاهم انهم كانوا فقراء مما يسمح لعبد الرحمن شراء ولائهم بالقليل من الهدايا والعطايا ، وإثارة نخوتهم انطلاقا من عامل القرابة. بالاضافة الى البربر انشأ عبد الرحمن حرس شخصي من العبيد. ولهذا الغرض قام بشراء العبيد وقدم لهم التدريب المناسب. على الاغلب كان يجري جلب العبيد من السودان ولكن يمكن الافتراض انه استخدم اسرى حرب من المسيحيين ايضا.

عند وفاة عبد الرحمن ترك مملكة مستقرة، بحيث انه اتاح الفرصة لابنه هشام من القيام بحملات غزو متواترة على الكفار المسيحيين في الشمال. فترة هشام لم تكن طويلة ولكنه كان خليفة محبوب بسبب انه اتاح مجال حرية واسع لطبقة النبلاء. غير ان العواقب الوخيمة لهذه السياسة وقعت على عاتق ابنه الخليفة الحكم الاول (796-822) حيث كانت فترة حكمه ممتلئة بالمؤامرات والشغب، قادمة من العرب وحتى من السكان الاصليين المؤسلمين ومن الموالي.

الخليفة الحكم الاول رد بقبضة من حديد، فأعدم وقتل ونفى آلاف السكان، على الاخص في المدن. في احدى المرات انتفض مواطني مدينة Toledo بسبب انه ارسل حراسه لمصادرة خرفان السكان، لتحضير حفلة في القصر. بسرعة اصبح الخليفة الحكم الاول اكثر الحكام المكروهين في عصره، ولكن ذلك لم يكن يزعجه. كان يملك حرس شخص يقدر بحوالي ثلاثة آلاف فارس والفي جندي، غالبيتهم من العبيد (المماليك) وكان الشعب يسميهم ” الخرس” لانه لم يكن بالامكان التكلم معهم، إذ لم يكونوا ينطقون اللغة العربية او لغة معروفة لهم. المؤرخون ليسوا متفقون على اصل ” الخرس”. لو كانوا من الفرنج لكانت اللغة ذات الاصول اللاتينية اصبحت واسعة الانتشار في الاندلس، لذلك الاعتقاد ان الكثير منهم زنوج افارقة. ويعتقد البعض ان حروب شارل الكبير ضد السكسون والفايكنج في اوروبا الغربية اتاحت له الكثير من الاسرى لبيعهم كعبيد، وهم عبيد يتكلمون لغات بعيدة عن فهم عرب الاندلس.

وحتى عبد الرحمن الثاني ورث عن ابيه الحكم الاول مملكة قوية، تمتعت ، نسبيا، بفترة طويلة من الاستقرار والسلام. ولكن بعد ذلك تدهورت الامور سريعا. بعض الامراء تمردوا محاولين اقامة امارات مستقلة والبعض الاخر تحالف مع الممالك المسيحية المجاورة وجلب قواتهم لدعمه. وحتى بعض الامراء الامويين انتفضوا ضد السلطة المركزية. عام 884 جرى حريق كبير تحول الى انتفاضة في الجنوب بقيادة عمر بن حفظون Umar ibn Hafsun. الامير عبد الله (888-912) الذي كان يسيطر، مؤقتا، على منطقة قرطبة، إنتهى الى القبول بالحكم الذاتي لعمر بن حفظون في غرناطة وأخيرا قبول السيادة الرسمية من الفونسو الثالث، تقديرا لاستورباس الذي قدم له القوات لمساعدته. فقط في نهاية فترة حكمه تمكن من تعزيز سلطته نوعا ما امام أعدائه العديدين.

ترسيخ السلطة المركزية اصبحت، من جديد، المشكلة الرئيسية امام وريثه عبد الرحمن الثالث (912-961) . في فترته عاش اهل الاندلس اطول فترة من الرخاء. بالتأكيد ساعده الحظ بموت بن حفظون ونشوب الحرب الاهلية في ليون، مما خلصه من اخطر خصمين له. ولكنه ايضا كان شجاع وسياسي موهوب وطموح ويعرف متابعة اهدافه. وكأن أهم نقاط استراتيجيته عدم تمكين العشائر العربية او البربرية او الموالي وانما الاعتماد على العبيد (المماليك) وحدهم، الذي سيطروا، تحت قيادته، على جميع المراكز الحساسة في الادارة والجيش.

تجربة

في القصر وفي الدواوين سيطر العبيد من الخصيان الاجانب. لم تكن حراسة الحريم السبب الرئيسي لاستخدام الخصيان ، على الرغم من انها تتدخل في مهامهم، إذ ان الاهم كان ان الخصيان لايستطيعون بناء عائلات خاصة بهم ولذلك فولائهم يبقى على الدوام لسيدهم، وليس لديهم من يقف الى جانبهم غير سيدهم وعائلته. إضافة الى ذلك كان الخصيان على الدوام خارج اطار الاحترام الاجتماعي، غرباء ومنبوذين. كل ذلك يجعل الخصي شخص ضعيف اجتماعيا ومصيره متعلق بمصير سيده، مما يجعل اخلاصه لاحدود له. بالمقابل حصل الخصيان على إمتيازات واراضي. والعديد من العبيد تمكن من تركيز ثروة كبيرة، بل وحتى امتلكوا عبيد.

وجود الخصيان في قرطبة لم يكن غير شائع ولكن في عهد عبد الرحمن الثالث اصبحت ظاهرة ممنهجة وممولة. في احدى المرات جاء مبعوث الملك اوتو الى قرطبة لمناقشة مسألة تجارة العبيد المربحة، بين الطرفين. وقد آشار الى ان سياسة عبد الرحمن تجاه المقاطعات لها عواقب وخيمة على كبرياء النبلاء وتغذي اعمال الشغب.

غير ان ملوك الافرنج لم يكونوا قادرين على إستغلال نقطة الضعف لانه، وبالرغم كل ذلك، كان الغنى الفاحش للاندلس يسمح لها بالصرف على جيش من المرتزقة ناهيك عن العبيد. لم يكن اي ملك من ملوك الافرنج، في اوروبا القرن العاشر ، ملك هذه القدرة التمويلية لهذه المدة الطويلة. كانت تجارة الذهب والفضة والبهارات القادمة من افريقيا، بضاعة رائجة. كما لايجب ان نعتقد ان العبيد لايكلفون الكثير. العبد المقاتل، يكلف تدريبه الكثير إضافة الى كلفة الحوافز والمكافآت وتقاعد مناسب، لضمان ولاءه. بمعنى اخر: على عكس المرتزقة الذي يمكن استئجارهم لحملة معينة، كالعمال الموسمين، كان العبيد العسكريين (المماليك) يخدمون طول الحياة ويحصلون على معاش مناسب. في فترة عبد الرحمن الثالث، غالبية العبيد جرى شرائهم عندما كانوا اطفالا، ولسنوات طويلة يجري تعليمهم الاسلام وفنون القتال وأعدادهم لشغل المهام المستقبلية. لااحد صار يشير اليهم بتعبير ” الاخرس”، وانما على العكس كانوا يحظون بالثناء على لغتهم العربية وثقافتهم وشهامتهم.

وفي تلك الفترة كان يشار اليهم بتعبير الصقالبة “Saqaliba” والمقصود اصلهم. العديد من المؤرخين الاوروبيين يشيرون الى ان هذه المصطلح كان يطلق فقط على العبيد الاوائل وفيما بعد اصبح يطلق على جميع العبيد الاوروبيين. مصطلح صقالبة يعود في اصله الى البيزنطية saqlab والتي بدورها كلمة مشتقة عن اليونانية sklavinoi وتعني العبد. المؤرخ الفارسي ابن الفقيه الهمداني اشار الى ان يوجد نوعين من الصقالبة: ذوي البشرة الداكنة والشعر الداكن والذين يعيشون على شاطئ البحر وذوي البشرة الفاتحة والشعر الخفيف والذي يعيشون في المناطق الداخلية. ووصف ابو زيد البلخي ثلاث مراكز رئيسية لجلب الصقالبة: Kuyaba, Slavia, and Artania. ونجد ان المؤرخ ابراهيم بن يعقوب اشار الى ان موطن الصقالبة في المناطق الجبلية من وسط البلقان، غرب البلغار وشرق بقية السلاف (الكروات) في بلاد الصرب، وكانت سمعة الصقالبة انهم الاكثر شجاعة وعنفا.

تجربة

كان هناك العديد من الطرق لجلب اطفال الصقالبة الى العالم الاسلامي: عن طريق اسيا الوسطى، ومن خلال بيزنطة بطريق البحر المتوسط، ومن خلال اوروبا الوسطى مباشرة الى الاندلس. حسب المؤرخ ابراهيم بن يعقوب، كان الخط الاوروبي يسيطر عليه التجار اليهود، في حين ان الخط الاسيوي يسيطر عليه التجار المسلمون. وذكر المؤرخ Theophanes ان الخليفة الاموي معاوية بن ابي سفيان استأجر جيشا مقداره 5000 من المرتزقة الصقالبة (سلاف) عام 660 ميلادي. ابن فضلان ذكر ان ملك بلغار الفولغا (, Almış,) هو “ملك الصقالبة”، لربما بسبب ان بلغاريا كانت تسيطر على صربيا في ذلك الوقت.

وعلى الرغم ذلك كان يوجد العديد من العبيد القادمين من مختلف انحاء اوروبا. بعد عام 1066 وقدوم النورمانديين، صار هناك عبيد انكلو-ساكسون ايضا. في الواقع لايجوز الاعتقاد ان العرب وحدهم اقاموا ممالكهم على أعمدة العبيد. في جميع اللغات الغربية نجد ان اسم العبيد (slave, esclave, esclavo, schiavo) تأتي من اسم شعبي عادي ولاتأتي من الكلمة اللاتينية “servus” or “serf”. بعد سقوط الامبراطورية الرومانية بفضل ضربات القبائل الجرمانية اصبحت اوروبا في غاية الفقر لذلك كانت تجارة العبيد هي الاكثر انتشارا. من هنا ليس من المستغرب عندما نقرأ ان الفايكنج كانوا يتاجرون بالجلود والعسل والنساء الشقراوات. مالذي يمكن نهبه من اوروبا في ذلك الوقت؟ نسمع انه جرى نهب الكنائس بإستمرار، ولكن ذلك فقط لان القسسة كانوا قادرين على الكتابة ، إضافة الى ان الكنائس نفسها لم تكن غنية في ذلك الوقت. كان النهب بالدرجة الاولى هو سبي النساء والاطفال من اجل بيعهم. كان الجميع يشاركون في عملية النهب، بقدر ماتسمح به قوتهم العسكرية، بما فيه لتمويل الجيش.

مع الوقت، جرى تحريم بيع وشراء المسيحيين ومواطنيهم، على الاقل جزئيا. لذلك، مع تنصير المناطق الاوروبية كان لابد من البحث عن مصادر جديدة، في فترة الخليفة عبد الرحمن الثالث، لتلبية الطلب الكبير على العبيد. السكسونيين كانوا في حرب عصابات دائمة ضد قبائل السلاف خلف جبال الالب، والتي وصلت في فترة هنري الاول والد الملك اوتو، إلى ذروة جديدة. قام هنري بعدة حملات ناجحة على السلافيين، وعاد وقد اسر الكثير من العبيد، وبنتيجة ذلك نجد ان المدن Magdeburg and Merseburg ازدهروا بسرعة وتحولوا الى مراكز لتجارة العبيد.

عدا عن الحملات كانت هناك حرب عصابات خاطفة، على طريقة البدو، حيث يغيرون يخطفون وينهبون بسرعة ثم يولون الادبار. لهذه الغاية انشأ الملك هنري فيلق خاص (legione Mesaburiorum) من المجرمين والقتلة، بعد ان أطلق سراحهم من السجون، تماما على نمط مايفعل النظام السوري لأنشاء كتائب الشبيحة السورية اليوم. قاتل الفيلق في تحالف مع عشائر كلاين السلافية ضد منافسهم في النزاعات القبلية، وكان هناك مايكفي من النزاعات. هذه الغارات تجري في اعماق اراضي العدو، فيقتل الرجال وتخطف النساء والاطفال ويترك العجائز لمصيرهم.

لشحن وترويج البضاعة لابد من اخذ رعاية التجار اليهود، الذين كانوا يملكون علاقات طيبة مع الملك هنري وملك قرطبة على السواء. وحتى سفير الامبراطور اوتو كان يسافر برعاية التجار اليهود. في ارشيف الجمارك نجد فقرة تقول:” اليهود دفعوا على كل عبد اربعة دينارو”. في فرنسا كان اليهود يملكون تصريح بالتجارة بالعبيد الاجانب صراحة منذ عهد لودفيغ الورع. Ludwigs des Frommen. كما ان ادلة على وجود شخص يهودي بإسم Abraham aus Zaragoza, تؤكد العلاقة المركبة.
مدينة Verdun كانت مركزا تجاريا كبيرا ومركزا لاستراحة قوافل العبيد ، واليهود يديرون اعمال تسويق الطلبات للسوق الاسبانية، بسبب ان عملية الخصي وبيع الخصيان تدر الكثير من الاموال. ولكن من المحتمل ان فقط الشبان الجميلين كاني يجري التعامل معهم بهذا الشكل لانهم يوضبون ليكونوا بضاعة تباع الى القصر، ومن المحتمل ان من سيكون عسكريين ايضا يجري اخصائهم.

تجربة

من مدينة فيردون تتابع قوافل العبيد سيرها مارة من جنوب ليون الفرنسية الى مدينة Arles. قسم من القافلة يتابع سيره الى برشلونة وقسم يبقى في اسبانيا وقسم يعبر البحر الى تونس او صقلية او القاهرة، إذ ان الطلب على الصقالبة كبير ويأتي من كل الجهات، وعلى الاخص النساء ذوات الشعر الاصفر، الذي جاء ذكرهم حتى في الحديث الشريف. حتى عبد الرحمن الثالث، لربما ان امه كانت سلافية الاصل من الرقيق، إذ انه كان يملك عيونا زرقاء وشعرا فاتحا، وكان يقوم بصبغ شعره ليبدو عربياً. بسبب هذه العلاقات الطيبة مع الغرب لعبت الاندلس دورا مفتاحيا في العلاقة التجارية بين الشرق والغرب، وجلب لها هذا الرواج دخلا كبيرا. أحد المؤرخين العرب يكتب:” اكثر البضائع القادمة من الاندلس شهرة هي الجواري والغلمان الجميلة من بلاد الافرنج والغاليسين والخصيان الصقالبة”.

كانت تجارة مرعبة، غير ان الاوروبيين لم يكونوا يملكون مايغطون فيه اسعار بضائعهم القادمة من الشرق. ولكن بفضل تصدير الجواري والغلمان الى المسلمين ازدهرت مدن اوروبا واصبح الملوك يسعون الى بناء وتعبيد الطرق، إذ انها تجارة تدر ذهبا. ولكن عملية التنصير كانت تتوسع نحو الشرق الاوروبي. عام 1000 اصبحت براغ مركز استراحة وتبادل تجاري حيث يلتقي البائع مع الزبائن العرب. موطن الجواري اصبح ابعد نحو الشرق إذ صارت تأتي من مناطق مدينة كييف وتنقل عبر البحر الاسود. ذلك لايعني ان المسيحيات كانوا آمنات. كان التجار لازالوا قادرين على شراء الاطفال والنساء في العوائل التي تتعرض للجوع. كما ان اليهود، في براغ، جرى تهديدهم بالعقوبات إذا قاموا ببيع التشيكييات الى الخارج ( للتصدير). اما بالنسبة للصقالبة في عهد عبد الرحمن الثالث (912-961) فلابد انها جاءت من حروب هنري الاول اعوام (906, 928, 929) ضد سلاف الالب، وسمحت له بإنشاء خطوط التجارة.

بعد المعايشات الفظيعة مع عصابات الخطف والقتل يصل نساء واطفال الصقالبة الى الاندلس ليشاهدوا مملكة مذهلة، مقارنة ببلادهم من الجبال الباردة والمستنقعات. المباني تثير الاعجاب والملابس زاهية وجميلة. بالتأكيد يشدهم الحنين الى بلادهم المفقودة ولكن الحياة الجديدة لديها الكثير لتقديمه. بعد تدريبهم يتولى الغلمان مراكز رئيسية في الادارة والحرس الشخصي للخليفة. بالتأكيد يسعى المرء الى تشكيل مجموعات ضغط وامان اجتماعي، فالاتراك والبربر والزنوج كل منهم يتكتل مع بعض والناطقين باللغات السلافية لابد انهم ايضا شكلوا مجموعاتهم الخاصة من الصقالبة، كمجموعات ضغط سياسي واجتماعي.

في عهد عبد الرحمن الثالث كانوا الصقالبة اكبر مجموعة على الاطلاق. ولكون الخليفة مطمئن لهم كان يملئ بهم جميع ادارات الدولة. هذا الامر اشعل نار الغيرة والحسد في قلوب النبلاء العرب. هذا الامر تطور الى خيانة العرب للخليفة عبد الرحمن في موقعة Simancas 939 ضد Ramiro II من ليون، على الرغم من ان عبد الرحمن كان يملك جيشا كبيراً. كان عبد الرحمن قد وضع الصقلبي al-Saqlabi Nayda قائد على الجيش، غير ان أشراف العرب شعروا بالاهانة كيف يمكن لنسبهم الشريف ان يتلقى الاوامر من عبد؟ لذلك حفزوا اتباعهم على الهرب وترك ارض المعركة تاركين الصقلبي لمصيره. المسيحين حصلوا على ظفر مجاني ولاحقوا الفارين. حتى الخليفة عبد الرحمن تمكن من الفرار بشق النفس.

من حسن حظ عبد الرحمن الثالث، كان نبلاء المسيحيين لايختلفون عن أشراف العرب المسلمين . بعض كونتات القشتالية تأمروا على الملك راميروا، ودعوه الى حفلة غذاء ليقطعوا رأسه. بسبب ذلك اشتعلت الحرب الاهلية بينهم وأعطت الخليفة عبد الرحمن مايكفي من الوقت لاعادة تنظيم الجيش. غير ان قوات عبد الرحمن دمرت، للمرة الثانية، المناطق الحدودية وإضطر جميع ملوك المسيحيين الاعتراف بسيادته عام 951. كان هو نفسه قد رافق الجيش ولكن وقف على مبعدة اثناء المعارك. ومما تعلمه من تجربته في معركة سيمانكاس عدم أعطاء القيادة للصقالبة فوق العرب. بالمقارنة مع العرب كان مجموع البربر والصقالبة والموالي اقلية، ومع ذلك كانوا على الدوام يحظون بالمواقع الرئيسية فوق العرب. ذلك لم يغفره أشراف العرب ابدا، وكان السبب في مؤامرات لاتنتهي. ولكن، لااحد كان يعتقد، في ذلك الوقت، ان احد منهم سيصل الى السلطة او سيكون له امارته الخاصة.

حاشية اولى:
و يذكر الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه حوار مع صديق أمازيغي ص 25 نقلا عن العديد من المراجع الاسلامية :
(كتب هشام بن عبد الملك الى عامله على أفريقيا: أما بعد، فإن أمير المؤمنين لما رأى ما كان يبعث به موسى بن نصير إلى عبد الملك بن مروان رحمه الله، أراد مثله منك، وعندك من الجواري البربريات المالئات للأعين الآخذات للقلوب، ما هو معوز لنا بالشام وما والاه. فتلطف في الانتقاء، وتوخ أنيق الجمال، عظم الأكفال، وسعة الصدور، ولين الأجساد، ورقة الأنامل، وسبوطة العصب، وجدالة الأسؤق، وجثول الفروع، ونجالة الأعين، وسهولة الخدود، وصغر الأفواه، وحسن الثغور، وشطاط الأجسام، واعتدال القوام، ورخامة الكلام).

الخلفاء و السبايا
فتوح البلدان للبلاذري، فتح برقة و زويلة
تاريخ الخلفاء للسيوطي،
باب عبد الملك بن مروان (وقال ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا أبو سفيان الحميري حدثنا خالد بن محمد القرشي قال: قال عبد الملك بن مروان من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ فليتخذها بربرية ومن أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية )

http://www.alzakera.eu/music/vetenskap/Historia/historia-0252.htm

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في نوفمبر 21, 2012 in مقالات منقولة

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: