RSS

لماذا لم يخلق الله جهنم؟

13 سبتمبر

طالما كان موضوع وجود الله من عدمه محل نقاش بين رجال الدين ورجال العلم -الحقيقيين بالطبع وليس المزيفيين. يقول رجال الدين أن قوة غير طبيعية هي التي أوجدت هذا الكون وأن تلك القوة الغير طبيعية هي ما نسميها الله أو يسوع أو يهوه أو شيفا أو براهما أو حتى وحش الاسباجتي الطائر. علماء الدين هؤلاء لا يقبلون بنظرية علمية واحدة مبنية على تفسير طبيعي لتطور الكون. والعقلية الدينية برمتها ترفض موضوع التطور هذا بناءًا على التعقيد والنظام والحبكة التصميمية في الكون والتي في النهاية لا بد لها من مصمم محترف حتى يأتي بكل هذا بلا خلل. ويتخذ أصحاب الديانات المختلفة الانسان على أنه دليل لا يقبل الشك في نظرية التصميم الذكي هذه وحاجة الكون لخالق. فالأنسان كائن فاق تعقيد تصميمه كل “المخلوقات” الأخرى. ولا يقبل هذا الرأي بأن الانسان مثله مثل باقي الكائنات قد تطور من أشكال أبسط على مر ملايين من السنين. ومع ذلك لا يقدر أصحاب الأديان على تقديم دليل علمي واحد على وجود الله وملائكته وشياطينه وأبالسته ووحوشه وثعابينه القرع أو حتى أبو رجل مسلوخة أو أي شيء آخر يتم تقديمه على أنه من الغيبيات أو الماورائيات. ويتجاهل أصحاب الأديان السجل الأحفوري بالكامل والذي يثبت بأن أشكال الحياة الموجودة حاليًا على كوكب الأرض قد تطورت من أشكال سابقة عليها وأبسط منها. كما ان الاكتشافات الأحفورية البشرية الحديثة وتحاليل الـ DNA على هذه الأحفوريات قد قدم أدلة لا يمكن تجاهلها على أن الأنسان قد تطور من سلالات ثدية أقل منه رتبة. وأخيرًا فإن المتشكيين في التفسير الديني للكون يقولون بأن المجاعات والأعاصير والزلازل والبراكين وتشوهات المواليد والجفاف وكل الكوارث الأخرى تبين أن الكون لم يخلقه إله واسع القدرة والعلم يحب البشر كما يدعي أصحاب الأديان.

ولكن مسألة وجود الله ليست محل الموضوع هنا، ولكن على العكس تمامًا دعونا نفترض جدلاً أن الله موجود بالفعل. وقد خلق الكون بما فيه من حجارة وغازات وحيوانات وميكروبات وفضلات وانسان وفئران وخلق كل شيء. ولكن الهدف هنا هو ضحد الفكرة القائلة بأن الله قد خلق جهنم والتي يؤمن ملايين البشر حول العالم بأن الله سيعاقب فيها فيها البشر الذين لم يؤمنو به عن طريق حرقهم وتعذيبهم فيها إلى الأبد. فالسؤال هنا إذن ليس هو “هل الله موجود؟” ولكنه “هل يخلق الله نار جهنم؟”؟لو استخدمنا المنطق البسيط سنصل إلى نتيجة مفادها ان الله لم يكن ليخلق جهنم إلا إذا كان عنده سببًا لينزل عقابه بالكافرين به. بمعنى آخر أن الله لم يقرر بشكل اعتباطي أنه سوف يتمتع بعذاب البشر وعلى هذا الأساس قد خلق نار جهنم. إن القبول بذلك يعني القبول بأن الله يتصرف بطريقة سادية وأنه يعاني من مشكلات نفسية تجعله يستمتع بمشاهدة أجساد البشر وهي تحترق ويتلذذ بسماع تأوهاتهم وصرخاتهم المليئة بالألم.

عمومًا ليس لدي دليل على أن الله ليس ساديًا أو انه لا يعاني أية مشكلات نفسية. ولكني أميل بشدة إلى العكس من ذلك تمامًا. فإله بمثل هذه القدرة على الخلق لا بد له من قدر عالي من الذكاء تجعله لا ينحدر إلىمستوى التلذذ بعذاب خلقه الذي خلقه بيديه. وعلى ذلك يبدوا لي أن المنطق يحتم علينا أن نستنتج أن الله لابد له من الأسباب الوجيهة التي تجعله يخلق جهنم ليعاقب فيها من كفر به.

ولكن دعونا مع ذلك نضع كل الاحتمالات على الطاولة :

– الله لديه سببًا وجيهًا لخلق جهنم وعلى هذا خلق الله جهنم

– الله ليس لديه سبب لخلق جهنم ومع ذلك خالق الله جهنم لأنه يتلذذ بمشاهدة البشر وهم يتعذبون

– الله ليس لديه سبب لخلق جهنم ولهذا لم يخلق الله جهنم أصلا

والآن سنحاول أن نميزبين نوعين من العقاب: العقاب بدون سبب، والعقاب لوجود سبب وجيه . وفي سبيل ذلك التمييز، علينا أولاً أن ننقاش عدد من صور العقاب التي اعتدنا عليها في ثقافتنا الحديثة، مع عرض الأسباب التي جعلت المجتمعات البشرية تتبنى تلك العقوبات، وأفعل ذلك ليس لأني أرى أن لذلك علاقة بفقه العقوبات الإلهي الديني ولكن لوضع أساس يمكننا من من خلاله التفريق بين المعقول واللامعقول.

إذن ما هي الأسباب التي تجعل المجتمعات البشرية تعاقب بعض أفرادها؟ لماذا يدخل المجرمون السجن؟ ولما يفصل الطلاب المشاغبون من المدرسة؟ ما هو الهدف من وراء ذلك؟ عمومًا هناك ثلاثة أهداف يطمح المجتمع لتحقيقها من خلال مبدأ العقاب:

– ليكون العقاب رادعًا لبقية أفراد المجتمع يمنعهم من ارتكاب نفس الخروقات في المستقبل – حتى يعزل المجرمون والمخالفون للقانون عن بقية الأفراد الصالحين في المجتمع فلا يتأثرون بهم – لإصلاح المخالفين وتأهيلهم حتى يعودوا مواطنين صالحين مرة أخرى

تعالوا ننقاش قليلا كل نقطة من الثلاثة نقاط السابقين:

الردع – السبب الأول لإنزال العقاب:

كل منا يسعى إلى أن يحيا حياة سعيدة. وفي سعينا هذا نعمل بجهد للحصول على الأشياء التي نعتقد انها مرغوب فيها ونعمل بنفس الجهد لنتخلص من أي شيء نعتبره حملا ثقيلاً على كاهلنا. نظريًَا يقوم كل منا بذلك بطريقة لا تتعدى على حقوق الأفراد الآخرين في المجتمع. ولكن ولسوء الحظ، البعض لايبدي هذا الاحترام لحريات الأخرين وهناك أقلية من البشر تسعى بشتى الطرق لبناء سعادتها عن طريق انتهاك حريات الآخرين في المجتمع.من الممكن مثلاً أن يسرق أحدهم المال من شخص آخر. ولأن فعلاً غير أخلاقياً كهذا  مشجوب بشدة عند الغالبية العظمى، تسن القوانين لحماية المصلحة العامة، وينص قانون معين على أن من يسرق سوف يجلب على نفسه العقاب بصورة ما. إن إيداع الأفراد المتجاوزين للقانون السجون يمثل رادعًا لأولئك الذين يعتزمون انتهاك حقوق الآخرين. وتستفيد المجتمعات من ذلك فتأمل أن يكون الردع سببا في خفض معدلات الجريمة. من منا -ممن تعدوا العشرين على الأقل- لا يتذكر كيف كان يستخدم المدرسون الضرب كعقاب لمن يثيرون الجلبة داخل قاعة الدراسة. بمجرد أن يلوح المدرس بالعصا حتى تجد المشاغبين قد عادوا إلى هدوئهم وبذلك يستطيع جميع التلاميذ بقاعة الدراسة من متابعة الدرس. إن خوف المشاغبين من العقاب قد اعاق عزمهم على الاتيان بالمزيد من الجلبة إلى قاعة الدراسة. وبهذا فإن معاقبة الأقلية القليلة قد أتت نفعها واتاحت قاعة  دراسية يسودها النظام. وبهذا فإن ردع بقية أفراد المجتمع  عن ارتكاب الجرائم أو انتهاك القانون  هو سبب من أسباب انزال العقاب على من يأتي بالجرائم  أو الانتهاكات.

العزل – السبب الثاني للعقاب:

في أي مجتمع، يبقى للأسف لدينا أقلية من الناس الذين اتخذوا الإجرام أسلوبًا لحياتهم. وإن سمح لهذه الفئة من الناس بأن تعيش بحرية وسط المجتمع فإنهم لن يدخروا أي جهد حتى يفسدون على الناس معيشتهم وينشرون الفوضى وحتى الهلع بينهم. هناك سفاح أمريكي شهير اسمه ريتشارد مانسون كان له عدد الأتباع في ستينيات القرن الماضي الذين آمنوا جميعًا بحتمية حدوث حرب دينية تنشأ من جراء التوتر العرقي بين السود والبيض. قرر مانسون وأتباعه انهم لن ينتظروا طويلاً حتى تقوم هذه الحرب. وبناءً على تعليمات مانسون، قاموا بعمليات قتل منظمة راح ضحيتها العديد من الأبرياء. لن يختلف اثنان على أن ريتشارد مانسون قد انتهك الحقوق الانسانية الثابتة لمواطنيه وتعدى بشكل صارخ على امنهم وسلامتهم. وعلى هذا اعتبرت السلطات أن مانسون بالغ الخطورة ويشكل تهديدًا دائمًا على المجتمع، وأن السماح لسفاح مثله بأن يعيش وسط الناس سوف ينتج حتمًا المزيد من ضحايا القتل الأبرياء. ولأن الناس بالطبع لا تريد أن تصبح من ضمن ضحاياه فقد تم “عزل” ريتشارد مانسون عن المجتمع. يمضي ريتشارد مانسون الآن فترة سجن مدى الحياة في أحد السجون الأمريكية.

“العزل” كوسيلة للعقاب تسخدم أيضًا في المدارس. السلوك غير القويم، العبث بممتلكات المدرسة أو التعدي على الزملاء قد يؤدي في النهاية إلى الإيقاف المؤقت أو الطرد النهائي من المدرسة. إدارة المدرسة وهي تأخذ هذا الموقف فإنها تقوم بتقويض فرص المشاغبين من التأثير بالسلب على زملائهم. إذن فإن استخدام “العزل” لمنع الانتهاك المستقبلي لحقوق الأفراد يعتبر سببًا وجيهًا أخر للعقاب.

الإصلاح – السبب الثالث للعقاب

يرسل المحكومون في العادة إلى السجن وراء القضبان. ويأمل المجتمع أن هؤلاء المخالفين، الذين لم يردعهم القانون بما يمثله من وسيلة تهديد بالعقاب، أن يردعهم الوقت الذي قضوه مسلوبين من حريتهم. بالإضافة إلى ذلك تسعى بعض السجون إلى إصلاح نزلائها عن طريق تعليمهم حرفة أو مهنة تثنيه عن طريق الإجرام بعد الخروج من السجن. يأمل المجتمع من هذا أن يغير من منظومة المحكوم الفكرية والسلوكية إلى الأحسن حتى لا يعاود نشاطه الإجرامي بعد أن يفرج عنه، وبهذا يستفيد المجتمع. وعلى هذا  يمثل الإصلاح سببًا وجيهًا خر للعقاب.

والآن لابد لنا من أن نفرق بين العقاب الذي يطبق على المخطيء لسبب معتبر ووجيه وبين ذلك العقاب الذي ليس لديه  أي دافع سوى الانتقام والتمتع بعذاب الآخر. وفي سبيل ذلك دعونا نستعرض هذه القصة:

أفاقت السيدة فتحية من غفوتها ساعة الظهيرة في عصر يوم من أيام الجمعة على طرقات مستمرة على باب شقتها، ورغم الفزع الذي دب في قلبها إثر تلك الطرقات استطاعت أن تحيي جارها الأستاذ شعبان :

السيدة فتحية: خير يا أستاذ شعبان؟ شعبان: وحيجي منين الخير؟ أبنك تامر يا ستي رمى شباك أوضة النوم بطوبه وكسره عن قصد مش بالغلط. انا شفته بعيني محدش قالي؟ السيدة فتحية: يادي الكسوف والخيبة يا أستاذ شعبان. والله مش عارفة أقولك إيه. بس أنا حبعت أخلي الأسطى حنفي يجي يغير لك زجاج أوضة النوم على حسابنا. وانا حاقول لأبوه لما يرجع من الوردية النهاردة علشان يعاقبه.

هل تستطيعون أن تخبروني ما هو الداعي لمعاقبة تامر؟ أي من هاتين الجملتين تمثل السبب أو الداعي المنطقي لمعاقبته:

  1. تامر سيعاقب لأنه كسر زجاج غرفة نوم الاستاذ شعبان
  2. تامر سيعاقب حتى يمتنع في المستقبل عن الإتيان بتصرفات مدمرة كهذه

لا أعرف لماذا أشعر أنكم سوف تختارون رقم 2 كسبب منطقي لمعاقبة تامر. في النهاية نريد لتامر أن يتخلى عن سلوكه العدواني المدمر لمن حوله. رقم 2 قدمت نتيجية إيجابية لإنزال العقاب بتامر. رقم 1 بكل بساطة لا تعبر إلا عن حقيقة أن تامر قد قام بكسر زجاج النافذة ولم تقدم سببًا منطقيًا أو فائدة من معاقبة تامر.

لجعل مجرد النافذة المكسورة سببًا للعقاب كأننا نريد أن نرجع بالزمن إلى الوراء ونمنع حادث التخريب والكسر. أو كأننا نقول أن عقاب تامر سوف يجعل النافذة المكسورة ترجع إلى صورتها السليمة بشكل سحري. وبالطبع فإن معاقبة تامر لن تحقق أي من هذين الهدفين المستحيلين. أليس كذلك؟

وعندما يكون واضحًا أنه من مقدورنا التأثير على مسار الأحداث في المستقبل -العقاب قد يجعل تامر يتخلى عن الإتيان بأعمال تخريبية مشابهة في المستقبل- فإن عقابنا لتامر لن يغير من حقيقة أنه قد قام بكسر زجاج النافذة في الماضي. المهم هنا أن تلقين تامر درسًا لا ينساه يمثل في حقيقة الأمر سببًا وجيهًا للعقاب. أما العقاب بدافع الانتقام والذي يحركه رغبة غير واقعية بتعديل الماضي لا يمكن أن يعتد به كسبب معتبر لتوقيع العقاب، لأنه وببساطة لا يمكن أن ينتج عن هذا أي فائدة تذكر.

تعلمنا الأديان الابراهيمية أن الله لديه من الأسباب التي من أجلها خلق جهنم. الاسلام والمسيحية بالذات قد أتيا على ذكر جهنم وأن العذاب فيها حرقًا بالنار إلى الأبد وبدون نهاية. اليهودية كان موقفها غامضًا بعض الشيء. لكن ليس هذا هو موضوعنا بكل تأكيد. ما نركز عليه هنا أن الدين يعلمنا أن الله قد خلق جهنم ليعذب فيها العصاة والكافرين عقابًا لهم. هيا بنا إذن نكتشف القيم الأخلاقية والمنطقية لهذا الطرح مستخدمين في ذلك ما أسسناه سابقًا.

**** الـردع ****

لأن الفائدة المرجوة من خلق الرادع هو منع الأفراد من الاتيان بأفعال غير مرغوبة أو معادية للمجتمع، لابد وأن تكون تلك الأفعال ضارة لأحد أو كل أفراد لمجتمع حتى يمكننا الزعم بأن لوجود الرادع يمثل قيمة حقيقية. ولهذا سوف أقسم هذا الجزء إلى احتمالين:

  1. جهنم مخلوقة لمصلحة البشرية حتى تردع الناس عن السلوك المعادي للمجتمع. بمعنى آخر حتى تمنع “ظلم الانسان لأخيه الانسان”
  2. خلقت جهنم حتى تكون رادعًا عن الاتيان بالمعاصي، وفي ذلك مصلحة لله

طبقًا للنقطة الأولى، فإن الله قد خلق جهنم لمصلحة البشرية حتى يستخدمها كتهديد بالعقاب ضد أولئك الذين يفسدون في الأرض ويقومون بإيذاء الآخرين وظلمهم. وبهذا يتمكن غالبية البشر من العيش في هناء وسرور. ولكن لكي نتحقق من صحة ههذه الفرضية تعالوا نرى ماذا يقول الاسلام وماذا تقول المسيحية عن النار وجهنم:

يخبرنا انجيل متى عن أن البية البشر ينتهي بهم الحال إلى الهلاك: متى 7:13 و 7:14

أدخلوا من الباب الضيق! فإن الباب المؤدي إلى الهلاك واسع وطريقه رحب، وكثيرون هم من يدخلون منه. ما أضيق الباب وما أعسر الطريق المؤدي إلى الحياة! وقليلون هم الذين يهتدون إليه

تؤمن الكنسية بهذه النبوءة الإلهية التى تعلن عن أن أغلبية البشرية سوف تتبع الطريق الخطأ وينتهي بها الحال في جهنم بدلاً من الجنة (الهلاك والحياة)

ويخبرنا البخاري في صحيحه (6529):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمُ ، فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ ، فَيُقَالُ : هَذَا أَبُوكُمْ آدَمُ . فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، فَيَقُولُ : أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ . فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، كَمْ أُخْرِجُ ؟ فَيَقُولُ : أَخْرِجْ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ . فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذَا أُخِذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا ؟ قَالَ : إِنَّ أُمَّتِي فِي الأُمَمِ كَالشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ

وها يخبرنا  أصح الكتب بعد القرءان بالنسبة للمسلمين السنة أن واحد في المئة فقط من البشرية سوف تدخل الجنة والأغلبية العظمى ستدخل النار. وعلى هذا وما سبقه انجيل متى إليه، لا يمكنا قبول فرضية أن خلق الله لجهنم كان لفائدة للبشرية، لأن الله بعلمه الواسع قد علم مسبقًا بأن أغلبية البشر سوف يقعون ضحايا لغرف التعذيب بالشوي في نار جهنم. وإذا افترضنا أن بث الرعب في قلوب الناس من العذاب في نار جهنم فيه فائدة للبشرية لأن ذلك يقوم بوظيفة الرادع عن القيام بالأفعال الغير مرغوب فيها، فإنه يتعين علينا ان نواجه السؤال التالي والذي يطرح نفسه: هل الفائدة التي تعود من وجود الرادع تفوق الثمن الذي هو خلود أغلبية البشر في نار جهنم؟ الإجابة هي “لا” بكل بساطة ووضوح.

وكوسيلة بسيطة للقياس، دعوني افترض أن شخصُا قد قدم إليك دعوة غير عادية لحضور حفل عشاء فاخر على مستوى غير مسبوق من الأبهة في أحد أكبر وأفخم الفنادق في العالم. وليس ذلك فحسب، بل إنه سوف يبعث إليك بسيارة ليموزين طولها عشرة أمتار بسائق خصوصي  تقلك من محل اقامتك إلى الفندق وتكون الأمسية بالكامل مدفوعة الثمن لا تكلفك مليمًا أو بنسًا واحدًا. ولكنه في المقابل يطلب منك السماح له بإحراق منزلك. أمام كالآن خياران: (أ) إما ان تلبي الدعوة، وكنتيجة لذلك تقبل أن يذهب الرجل إلى منزلك ويصب عله البنزين ويحرقه، أو (ب) ترفض الدعوة حتى تحافظ على بيتك وتنقذه من الدمار.

بالطبع سيختار الجميع رفض الدعوة حتى نتجنب تلك الخسارة الفادحة (التي هي منزلك في المثال). أما إذا لم تستطع حضرتك سوى رؤية العرض المغري ولم تستطع إلا التركيز على حقيقة ان ذلك الشخص قد قدم لك دعوة مجانية لعشاء ولم تستطع أن تنتبه إلى العواقب، فإنه في هذه الحالة سوف تتخيل أن قبولك لهذه لدعوة سوف يعود عليك بالفائدة. ولكن بالنظر إلى الموقف بأكمله سيتحتم عليك أن تستنتج أن قبولك لدعوة العشاء لن يعود عليك بالفائدة في آخرالمطاف، لأن الخسارة (منزلك) تفوق بمراحل عدة ما كنت لتكسبه من هذه الدعوة (مجرد وجبة مجانية).

طبقًا لمثالنا، سيكون من المنطقي أن تفضل البشرية (ب) عدم وجود الرادع عن القيام بالأفعال الغير اجتماعية أو المؤذية للآخرين، سوف تفضل ذك على (أ) وجود الرادع ولكن مع قبول حقيقة أن أغلبية البشر سوف يعذبون إلى الأبد في نار جهنم. فهل حقيقة أن أغلبية البشر سوف يتعذبون في نار جهنم لمدة طويلة جدًا وغير نهائية تمثل خسارة معقوله يمكننا التضحية بها في سبيل أن تنعم البشرية ببعض السلام بعض الوقت خلال مدة حياتهم القصيرة على كوكب الأرض؟ بكل بساطة ، إن الخير الذي تتلقاه البشرية من مجرد وجود جهنم كونها رادع للأشرار يظل صغيرًا جدًا وفي غاية التفاهة عند مقارنته بالنتيجة والثمن الذي سوف تدفعه البشرية من أجل ذلك، وهو أن أغلب البشر سوف يقضون في نار جهنم. الخلاصة ، أن خلق جهنم لم يكن أبدًا لمصلحة البشرية نتيجة للخسارة الفادحة لمجموع البشر.

**** الـعزل ****

إذن هل خلق الله جهنم لكي يعزل فيها المجرمون الكافرون الأشرار عن المؤمنين الصالحين الأبرار، ولكي لا يفسد الفريق الأول الفريق الثاني؟ من الأمور المسلم بها في أي معتقد سماوي وبالذات في المسيحية والاسلام أن أهل النار لا يمكنهم الاختلاط بأهل الجنة. وبغض النظر عن بعض الحوارات الجانبية بين أهل النار وأهل الجنة يخبرنا القرآن ان الله ضرب بين الجنة والنار “سور له باب” (سورة الحدبد 13) وأن “بينهما حجاب..” (سورة الأعراف 46) .. وكما بين القرآن في الاسلام طبيعة الفصل بين المؤمنين الصالحين والكفار الأشرار تخبرنا الكنيسة ان الله بواسع رحمته لم يكن يريد العذاب للأرواح العاصية ولكنه كان مجبرًا على ابقاء جنته طاهرة خالية من المذنبين.

واذا افترضنا وجود الله بالفعل وأنه موجود في جناته وفوق العرض الذي يحمله الثمانية ولم يكن ليسمح أن يدنس الكفار جنته التي اختصها للأبرار من عباده، فنحن أمام احتمالين منطقيين لفرض مبدأ العزل بين المؤمنين والكافرين بدون انزال عذاب البدني:

  1. يقوم الله بإفناء العصاة والكافرين بعد موتهم وبذلك يقصر الوجود الأبدي في النعيم على الصالحين من عباده ولا يضطر إلى بناء جهنم وملئها بالنيران وممارسة ساديته على مخلوقاته الضعيفة
  2. ينقل الله العصاة والكافرين إلى مكان آخر بعيد كل البعد عن الجنة ولكنه لا يحتوي على النيران والخوازيق والتعذيب المستمر بلا معنى
اعتقد وأنا العبد الكافر الضعيف أن أيًا من الخيارين أعلاه كان كفيلاً بتحقيق مبدأ العزل بين المؤمنين والكفار. لا حاجة لله بأن يضيف إلى مكان عزل الكافرين وسائل التعذيب والاحراق الأبدية. هل هناك أدني شك أن الفصل بين الفريقين كان ممكنًا بدون إنزال العذاب؟ لماذا إذن يغفل الله القدير العليم عن هذا و “يضطر” إلى استخدام وسائل غير ضرورية؟
إذن هل من المفترض بعد هذا العرض أن نظل نعتقد أن الله خلق جهنم كوسيلة للفصل بين المؤمنين والكافرين في الحياة الآخرة؟ لا بالطبعن لأن الفصل بينهم كان من الممكن أن يتم بطرق أكثر آدمية وانسانية.

**** الاصلاح ****

هل خلق الله جهنم لكي يصلح فيها عباده العصاة الملحدون الكفار ثم يعطهم فرصة أخرى في حياة أرضية جديدة لكي يعبدوه بصلاح وتقوى ويكونوا أفرادًا صالحين يخدمون مجتعاتهم؟ هذه الفرضية ليس لديها فرصة الثبات ولو لجزء من الثانية. تخبرنا الأديان السماوية ان عذاب جهنم عذابًا أبديًا ولا مكان فيه حتى للإفراج المؤقت. عذاب الناس في جهنم لا يخدم أية قضية اصلاحية ولا أمل للمعذبين فيها في الرجوع إلى حياة أرضية بعد العذاب ولا فائدة اطلاقًا تعود على البشرية أو على الله أو الملائكة من القاء الكفار والمشركين في جهنم ليتم شوائهم إلى أبد الدهر.

الخلاصة

لقد بينا ان انزال العقاب له أهداف اما ليرتدع المذنب فلا يعود إلى ذنبه، أو لنفصل بين المذنبين وغيرهم أو ليعاد تأهيل المذنبون حتى يرجعوا مواطنين صالحين في مجتمعاتهم. وإذا استخدم العقاب بعيدًا عن هذه الأسباب يتحول إلى مجرد انتقام بدائي همجي ليس له أي هدف إلا أن يكون مجرد ممارسة سادية للعذاب. ثم حاولنا أن نجد تفسيرًا لخلق الله جهنم يتسق مع الأهداف التي بيناها للعقاب فلم نجد أية تفسيرًا يتسق وع العقل والمنطق غير أن يكون الله نفيه ساديًا يحب مشاهدة الناس وهم يشوون كالدجاج.

ولكن هل تقدم لنا الأديان السماوية الجهنمية تفسيرًا مقبولاً للعذاب في جهنم؟ كل ما تقوله تلك الأديان ان الكفار يعذبون لأنهم “اقترفوا الخطايا” و”كفروا بالله” أو “كذبوا محمدًا” أو “لم يقبلوا المسيح كمخلصهم”. هل تلاحظ ان الأفعال كلها في الماضي وهذا يخبرنا بصراحة أن العقاب يقع بشكل أساسي على ماض قد ولى وفات وليس لهذا العقاب أية فائدة مرجوة في المستقبل، بل اننا بينا ان العقاب والعذاب والشوي والتحريق كان هدفًا وليس وسيلة ردع أو فصل أو اصلاح. كيف لنا إذا ان نصدق أن الله رحيم بعباده وأنه لم يكن يريد لهم العذاب. إن عقابًا بلا فائدة مستقبلية وبلا عائد نافع لا يترك لنا مجالاً من الشك بأن من اخترع الله اخترعه في صورة بشرية محبًا للدماء ساديًا إلى أقصى درجة ولا توجد في قلبه ذرة من رحمة.

http://anamol7ed.wordpress.com/2010/06/04/hell_creatio/

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في سبتمبر 13, 2011 in الناقد الديني

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: