RSS

الانتفاضات العربية وأثرها في الخطاب الديني

18 يوليو
الانتفاضات العربية وأثرها في الخطاب الديني
المرأة

أذهب ـ نتيجة استقراء وبحث ـ إلى أن الخطاب الديني “السني تحديدًا” للحركات الإسلامية المعاصرة أو الخطاب الرسمي هو ـ بشكل عام ـ واحد في النوع ولكنه مختلف ـ ولو بنسبة ضئيلة ـ في الدرجة؛ أي أن ما يلمح من تفاوت ـ مهما اختلفت درجته ـ بين خطابات الحركات الإسلامية المعاصرة من جهة، والخطاب الديني الرسمي من جهة لا يكاد يخرج عن البنية الفكرية التي تجمعها في جذورها العميقة.
لم يكن المشايخ والمفتون والدعاة رسميين وغير رسميين فضلاً عن قادة الحركات الإسلامية ـ حال كونهم مبلغين للخطاب الديني وناشرين له ـ بمعزل عما يجري في البلدان العربية التي شهدت ثورات وتظاهرات وانتفاضات؛ فلقد كانت وسائل الإعلام المختلفة تنقل التصريحات مسموعة ومقروءة كما تنقل المواقف السلوكية، ومن خلال تلك التصريحات والمواقف السلوكية نستطيع أن نستشف ما إذا كان هناك تغير حقيقي في الخطاب الديني أحدثته تلك الثورات الشعبية أم لا.
فهل غيّرت الأحداث المفصلية التي جرت مؤخرًا شيئًا في هذا الواقع؟

إن هذا سؤال يقتضي معالجته من عدة جوانب لا يمكن أن تستوعب في مقالة واحدة بل ولا سلسلة مقالات، إذ هي مادة صالحة لدراسة مستوعبة، غير أنه يكفينا من القلادة ما أحاط بالعنق كما يقال.
سأتناول في هذه المقالة جانبًا واحدًا من تلك الجوانب؛ ألا وهو المرأة وحقها السياسي.
لقد كانت المرأة حاضرة حضورًا قويًا في كل الأحداث الأخيرة، رفعت عقيرتها تشدو بالهتافات، قادت المسيرات، ووقفت تهدر بصوتها الناعم الصاهل المميز معبرة عن ذاتها وسط الحشود الغفيرة، وتعرضت للاضطهاد والقتل في بعض المواطن.
فكيف كان موقف الخطاب الديني تجاه ما يجري؟

لقد خرجت المرأة جنبًا إلى جنب مع الرجل، متناغمًا صوتها مع صوته، تطالب بحقوقها مطالبته، وأمام هذا الخروج و”الاختلاط” تفاوتت الخطابات الدينية تفاوتًا واضحًا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فمن معارض محرّم إلى مشجع ومؤيد.
اختلاط الرجال بالنساء في ساحات التغيير في اليمن كان بارزًا بشكل واضح و”غير مألوف” ومن غير نكير، كما يقول الكاتب سعيد الصوفي في موقع “الصحوة نت” مشيدًا بهذا، مما دفع الرئيس اليمني إلى الحديث عنه والتحذير منه! مما حدا بتظاهرات مقابلة تهاجم تصريحات الرئيس.
وذكر كاتب “الصحوة نت” أن من مشايخ اليمن من كانوا يشاركون بناتهم “الشابات” نضالهن السياسي في ساحات التغيير بلا نكير؛ مما يعد ” نقلة في الوعي الاجتماعي وتفتح عقليات الكثير الرجال الذين لم يجدوا حرجا في تشجيع زوجتهم وقريباتهم على الذهاب إلى تلك الساحات والمشاركة في المظاهرات والمسيرات” على حد تعبير الكاتب.
حتى أن مقالات لكتاب من أنصار النظام اليمني لمزت الشيخ عبد المجيد الزنداني وتناولت السلفيين والإخوان في اليمن: أن خطابهم تجاه المرأة (قد تغير)، وأن خروج المرأة واختلاطها وهتافاتها، كل ذلك أصبح مندرجًا تحت شعار (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) على خلاف ما عرف عنهم في خطابهم الديني وفتاويهم ومطالبهم للرئيس اليمني بإقامة جامعات “غير مختلطة”.
لكن على الرغم من هذا هل نستطيع القول بأن الخطاب الديني في اليمن ـ بشكل عام ـ قد تأثر نوعًا ما جراء هذه الانتفاضة الشعبية؟ هناك ما يمنعني من القطع بهذا، إذ قد تتغير الأمور بتغير المصالح فيما بعد.
ربما لا نجد في دول “اعتادت” مجتمعاتها على الاختلاط كمظهر اجتماعي مألوف أن هناك تغيرًا نوعيًا ما في الخطاب الديني تجاه هذه القضية؛ فعلى الصعيد المصري مثلاً وعلى الرغم مما هو معروف عن الإخوان المسلمين من تجاوز معلوم مسبقًا تجاه قضية الاختلاط وعدم إعطائها أهمية كبيرة ـ على الرغم من تحذير المؤسس حسن البنا منه في إحدى رسائله المشهورة واعتباره إياه خطرًا محققًا بحسب تعبيره ـ، نجد للسلفيين المصريين موقفًا آخر، إذ يمتنع القيادي السلفي المصري أحمد فريد عن حضور ميدان التحرير بسبب بعض المفاسد التي منها “اختلاط الرجال بالنساء”، كذلك نجد أن رئيس جماعة أنصار السنة في مصر الدكتور عبد الله شاكر يؤكد حرمة الاختلاط في ميدان التحرير وأن على المرأة “ألا تشارك في هذا” في الموقع الرسمي لأنصار السنة على شبكة الإنترنت.
وعلى الرغم من تصريح الأستاذ حسن البنا بشكل واضح في إحدى رسائله أن تعليم المرأة ما لا حاجة لها به “عبث لا طائل تحته” كالتبحر في اللغات المختلفة، والدراسات الفنية الخاصة، والتبحر في دراسة الحقوق والقوانين، مؤكدًا أن المرأة “للمنزل أولاً وأخيرًا” مخاطبًا أتباعه بقوله:”علموا المرأة ما هي في حاجة إليه بحكم مهمتها ووظيفتها التي خلقها الله: تدبير المنزل ورعاية الطفل”.
على الرغم من هذا الخطاب الواضح الذي يجعل المرأة للمنزل وتربية الأطفال لا أكثر؛ نجد الإخوان المسلمين اليوم أكثر اتساعًا بشكل ملحوظ تجاه مشاركة المرأة في العمل السياسي؛ وعلى الرغم من أن فكرة تولي المرأة منصب (المرشد العام للإخوان المسلمين) مثلاً تعد ضربًا من الخيال في الفكر الإخواني؛ إلا أن الإخوان قدموا مرشحات للبرلمان المصري بل لا إشكال لديهم في تولية المرأة لمنصب رئاسة الوزراء، إلا أنهم يبدون تحفظًا قاطعًا تجاه تولي المرأة لمنصب رئاسة الجمهورية فموقفهم “الرسمي” منها هو المنع وقد أكد قياداتهم هذا بشكل واضح وما يزالون يؤكدونه حتى بعد الثورة، على الرغم من تصريح علماء ومفكرين إسلاميين كبار من أمثال القرضاوي والدكتور العوّا بل بعض قيادات الإخوان ـ على المستوى الشخصي لا الرسمي ـ بجواز ذلك.
لعل موقف حزب النهضة التونسي متجاوز جدًا تجاه هذه القضية قبل الانتفاضة التونسية فمسألة تولي المرأة للرئاسة مسألة لا تعد إشكالاً لديه، فلا أثر للانتفاضة التونسية في إحداث تأثير يذكر حول هذه المسألة.
ولا مانع لدى الإخوان السوريين أيضًا من تولي المرأة لرئاسة الدولة فضلاً عما هو دونه إلا أن هذا سابق على الانتفاضة السورية فلا يمكن تسجيله حالة من حالات التأثر بالانتفاضات العربية.
أما في اليمن فربما من المبكر الخوض في مثل هذه القضية ولا نلمس على التحقيق تغيرًا نوعيًا وحقيقيًا من علماء اليمن المعتبرين ولا من القيادات الحركية حول هذه المسألة.
ربما لم نعرض هاهنا للفكر السلفي تجاه هذه القضية في أي دولة من تلك الدول؛ إذ لا نجد تغيرًا واضحًا ومعتبرًا يمكن الإشارة إليه ويبقى التحريم والمنع سيد الموقف.
وبعد:
أخلص إلى أنه لا تغيير كبيرًا أحدثته الانتفاضات العربية تجاه الخطاب الديني حول النقطة التي ناقشناها بالتحديد، وإن قلنا إن الصورة الأكثر وضوحًا لتغير نوعي للخطاب الديني تجاه المرأة هو ما يجري في اليمن وهو نقلة نوعية غير مألوفة بحسب أوضاع الشعب اليمني الدينية والقبائلية، وأعتقد إذن أن هذه الحالة هي الأجدر بالملاحظة كمثال يسوغ الاستشهاد به.
ختامًا: هل نستطيع أن نقول إن تأييد بعض علماء الدين السعوديين إقرار مجلس الشورى السعودي حق المرأة أن تكون ناخبة في المجالس البلدية؛ تغيير أسهمت الانتفاضات العربية المجاورة في إحداثه؟

رائد السمهوري
جدة

نشرت في صحيفة البلاد بتاريخ: 4 / 7/ 2011
http://www.humanf.org:8686/vb/showthread.php?t=84636

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في يوليو 18, 2011 in مقالات منقولة

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: