RSS

العلمانية والاسلام

22 يونيو

العلمانية والاسلام

تعرف العلمانية secularism على موقع الموسوعة البريطانية Encyclopædia Britannica كالاتي: ” اي حركة في جمعية موجهة بعيدا عن الاخرة (العالم الغيبي) الى الحياة على الارض. لقد كانت هناك في القرون الوسطى نزعة شديدة لرجال الدين لازدراء الشؤون الانسانية والتأمل في الله والحياة الاخرى. وكردة فعل لهذه النزعة القرن اوسطية عرضت العلمانية نفسها في عصر النهضة، في تطور الانسانية. عندما بدأ الناس يرون اهتماما اكبر بالانجازات الحضارية والانسانية واحتماليات تحقيقها في العالم. تطورت حركة العلمانية التقدمية من خلال المسار التام للتاريخ المعاصر وعرض غالبا على انه مضاد للمسيحية و مضاد للاديان. في النصف الثاني من القرن العشرين، ومن ناحية اخرى، بدأ بعض اللاهوتيين دعم علمنة المسيحية. واقترحوا ان لا تفهم النصرانية على انها مقدسات وغيبيات فقط، لكن الناس يجب ان يجدوا في العالم المناسبة لاعلاء القيم المسيحية. حرص هؤلاء اللاهوتيون على ان المعنى الحقيقي لرسالة المسيح يمكن ان يكتشف ويحقق في اي يوم يمر من حياة التمدن العلماني.”(1)

من التعريف اعلاه يتضح لنا ان مصطلح (علمانية) تم ترجمته عربيا بطريقة خاطئة، وقد يكون السبب في ذلك ديني بحت، فالمجتمع العربي وقت اقرار هذه الترجمة، لم يكن يتقبل مصطلحات مثل (دنيوي) او (وضعي) او (لا الهي) الى غيرها من الترجمات التي هي اقرب الى الحقيقة من هذه الترجمة الجائرة.

لا تهمنا الترجمة بقدر ما يهمنا المضمون، فالمعنى ومن خلال التعريف اعلاه، هو الفصل بين الدين وسلطات الدولة، اي الاعتماد على القوانين الوضعية بدل “القوانين الالهية” في التعامل بكل ما يخص ادارة شؤون الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن خلال التعريف اعلاه يتضح لنا بوضوح ان العلمانية هي فكرة تمخضت نتيجة صراع دامي وطويل بين طبقات المجتمع ورجال الدين في اوربا، الى ان تم الانتصار اخيرا للحياة الدنيا على الحياة الآخرة، حياة الذين يريدون ان يعيشون الواقع بما فيه على اولئك الذين يريدون ان يعيشون الخيال والحياة الغامضة.

ولكي لا يكون هناك غموضا وضبابية وعدم وضوح للقوانين البديلة، تم في العاشر من كانون الاول(ديسمبر) 1948 اقرار “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”(2) من قبل الامم المتحدة، فازال الغموض عن بعض الامور التي كان من الممكن استغلالها بطريقة سيئة. فاصبح هذا الاعلان عبارة عن خطوط عريضة تحدد المسلك الذي يجب ان تسير عليه اي قوانين وضعية، والتي يجب ان لا تتعارض معه في اي بند من بنوده.

وبعد اكثر من ستين عاما على هذا الاعلان، اثبتت التجربة نجاحا منقطع النظير في اوربا، فهل تنجح هذه التجربة في الدول الاسلامية؟

هذه التجربة يمكنها النجاح في اي دولة من دول العالم، فهي ليست حكرا لاحد، نجاحها يعتمد فقط على ارادة الشعوب، فلو اعترف الافراد بالبنود الواردة في “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، لامكنهم تطبيق العلمانية بكل سهولة. اما اذا ترك المسلمون امر ذلك للفقهاء ورجال الدين، فلن يحصلوا على اي تاييد، فهل ناخذ برأي رجال الدين ام ناخذ برأي الاغلبية؟

لقد وقعت جميع الدول ومنها الاسلامية على هذا الاعلان، الا ان معظمها لم تطبق بنوده بشكل او بآخر، وبرغم طلب الجمعية العامة من البلدان الأعضاء كافة أن تدعو لنص الإعلان و”أن تعمل على نشره وتوزيعه وقراءته وشرحه، ولاسيما في المدارس والمعاهد التعليمية الأخرى، دون أي تمييز بسبب المركز السياسي للبلدان أو الأقاليم”(2)، الا ان ذلك لم يحدث، فلم ار في حياتي فقرة واحدة من هذا الاعلان قد تم الدعوة والترويج لها لا في مدرسة ولا في جامعة ولا في اي مكان من البلدان العربية او الاسلامية. فالمسألة هي ليست مسالة رفض لقيم العلمانية من قبل شعوب هذه الدول، ولكن المسالة هي مسألة تجهيل متعمد وحجب لكل ثقافة يمكنها ان تنهض بهذه الشعوب لرفض واقعها واخذ مكانها وسط صف الدول المتقدمة التي لا تتميز عنها باي شيء.

الانسان العربي انسان مسلوب الارادة، فرض عليه رجال الدين سيطرتهم، وجعلوه انسان بعقل محدود، ليس له القابلية على التمييز واتخاذ القرارات دون الرجوع الى اليهم، لقد احتكروا كل صغيرة وكبيرة في الدين، واصبح ديننا هو الحياة وحياتنا هي الدين. واصبحت عملية الفصل بينهما شبه مستحيلة لاشتباك عروقهما وتداخلها مع بعضها البعض.

فلو تركنا الامر لرجال الفقه والافتاء لن نصل الى الديمقراطية حتى قيام الساعة. وذلك لان هذا الميثاق يتعارض في معظم بنوده مع الدين وعلى سبيل المثال لا الحصر سوف اختصر تعارض بعض بنود الاعلان العام لحقوق الانسان مع مبادئ الدين الاسلامي:

1. الفقرة الاولى (يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء.)

يقسم الافراد في المجتمع الاسلامي الى ثلاثة اقسام رئيسية الرجل والمرأة والعبد وهم ليسوا متساوين لا في الكرامة ولا في الحقوق والايات كثيرة ولكن اذكر مثلا واحدا (يا ايها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى فمن عفي له من اخيه شيء فاتباع بالمعروف واداء اليه باحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب اليم) الاية 178 سورة البقرة. من خلال هذه الاية يتبين لنا ان القضاء الاسلامي لا يتعامل مع الناس بالتساوي، فحكم الحر غير حكم العبد والانثى والعكس صحيح، اما بالنسبة للاخاء فلا يخفى على احد ان المسلمين متآخون فيما بينهم فقط اما مع الباقين فلا يوجد اي تآخي. نفس الامر ينطبق على الفقرات 2، 3، 4 و7.

2. الفقرة الخامسة ((لايعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة.))، هذه الفقرة تتعارض مع اقامة الحدود في الاسلام، والجلد والرجم وقطع الايدي والرؤوس وغيرها. ولا داعي لذكر الامثلة لانها واضحة للجميع.

3. الفقرة السادسة عشرة اولا (للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين، ولهما حقوق متساوية عند الزواج وأثناء قيامه وعند انحلاله.)

وهذا ما يرفضه الدين الاسلامي فلا يجوز للرجل الزواج الا من مسلمة او يهودية او مسيحية واما المرأة فلا يجوز لها الزواج الا من مسلم.

نفس الفقرة ثانيا (لا يبرم عقد الزواج إلا برضى الطرفين الراغبين في الزواج رضى كاملاً لا إكراه فيه.)

يتدخل الاسلام في الزواج فرضى الطرفين غير كافي ولا يجوز الزواج الا بموافقة ولي الامر، ( ….. فانكحوهن باذن اهلهن …..) سورة النساء الاية 24.

4. الفقرة الثامنة عشرة (لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة.)

هذه الفقرة هي من اكثر الفقرات اشكالا، فحق التفكير والضمير والدين غير مكفول في الاسلام والايات كثيرة على ذلك ومنها:

(ان الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين اوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بايات الله فان الله سريع الحساب ) سورة آل عمران اية 19.

(ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين ) سورة آل عمران الاية 85

(يا ايها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون ) سورة آل عمران الاية 102

لا يكتفي الاسلام بمنع الناس من الاعتقاد باي مذهب اخر غير الاسلام ولكنه يتعداه الى الدعوة لمحاربة وقتل من لا يدينون به في انتهاك صارخ لهذا الاعلان وبنوده، ومثال على ذلك:

(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فان انتهوا فلا عدوان الا على الظالمين) سورة البقرة الاية 193

(هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) سورة التوبة الاية 33 و سورة الصف الاية 9

(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) سورة التوبة الاية 29

هذه الايات هي جزء يسير من كثير ولكننا نكتفي بهذا القدر، اما مسالة تغيير الدين فهذه من المحرمات في العقيدة الاسلامية وحكم المرتد عن دينه في جميع المذاهب الاسلامية هو القتل في مخالفة واضحة وصريحة لهذا الاعلان. ونحن في غنى هنا هن الامثلة لان هذه من المسائل المتفق عليها اسلاميا.

5. الفقرة التاسعة عشرة (لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.)

لا يوجد حرية تعبير في الاسلام، التعبير يجب ان يكون خاضع للرؤى الاسلامية وغير خارج عنها باي حال من الاحوال. واي رأي يخرج عن هذه الرؤى فهو بدعة وكل بدعة ضلال وكل ضلال في النار.

6. الفقرة الحادية والعشرون ثالثا ( إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.)

وهذا من الاشكاليات الكبرى في الاسلام، فالسلطة يجب ان تكون بيد مسلم ذكر، ولا يجوز ان لا يكون مسلما باي حال من الاحوال. والامثلة كثيرة ايضا ولكننا نكتفي بهاتين الايتين:

(يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا الكافرين اولياء من دون المؤمنين اتريدون ان تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا) سورة النساء الاية 144

(يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء بعضهم اولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين) سورة المائدة الاية 51

هذه هي ابرز الفقرات التي تتعارض مباشرة مع مبادئ الاسلام، اما بقية الفقرات التي لم نذكرها فلا يعني بالضرورة انها تتطابق تماما مع الرؤى الاسلامية، ولكن عدم ذكرها قد يعود الى اختلاف وجهات النظر بخصوصها بين مختلف المذاهب الاسلامية من جهة، ولانها ليست بتلك الاهمية الكبرى لما تطرقنا له من فقرات من جهة اخرى.

فقبل طرح مسالة العلمانية من عدمها في استفتاء شعبي، علينا اولا ان نعطي الناس وقتا كافيا للاطلاع على الاعلان العالمي لحقوق الانسان، ويكون له نفس المساحة المتاحة لغيره من التيارات ومنها التيار الاسلامي. وبعد ذلك يطرح للاستفتاء على ان لا يكون لرجال الدين اي تاثير على رغبة الناخبين، ويتم التعامل معهم على انهم مواطنون عاديون لا اكثر.

 

المصادر

1) Encyclopædia Britannica

2) الاعلان العالمي لحقوق الانسان

 

http://alnahry.blogspot.com/2009/06/blog-post_4206.html

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في يونيو 22, 2011 in مقالات منقولة

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: