RSS

عوامل نفسية أدت إلى بقاء الديانات الابراهيمية

18 يونيو

عوامل نفسية أدت إلى بقاء الديانات الابراهيمية

لقرون هيمنت ديانات الشرق الأوسط على العالم ولا تزال حتى الآن. وهذه السيطرة هي في الاساس نتيجة لانتشار المسيحية و ظلها الإسلام. كلاهما في توسع و تكاثر عددي ويشكلان إجمالي ضخم من عدد سكان العالم، وكلاهما يملك التأثير الأقوى بين سكان دول العالم الثالث والدول الفقيرة. و يشتد تأثيرهما و ينتشران كالوباء حين تحدث كارثة اقتصادية في هذه الدول، بينما يضمحلان و يتقلصان كلما حدث ازدهار تعليمي واقتصادي. هذه العلاقة صحيحة تاريخيا وليست مجرد رابط مستحدث.
إذا كان الإيمان بهكذا نوع من العقائد ليس حاجة غريزية فلماذا هذه الاعتقادات مستمرة حتى الآن ؟
قبل الحديث عن الأسباب النفسية، في البداية الديانة المسيحية تختلف عن بقية الاديان آنذاك، لأنها ابتكرت أمر عقائدي واضح بالتبشير لكامل العالم، وهذا الأمر العقائدي كان ممكن تطبيقة في بدايات المسيحية بسبب إمكانية التنقل داخل الامبراطورية الرومانية بحرية كاملة. البلاد التي غزتها الدولة الاشورية او المصرية على سبيل المقارنة قد يعبد أهاليها الالهة المصرية أو اللأشورية لكن المؤسسة الدينية لاترسل مبشرين خارج حدود الدولة. الديانة المسيحية هي ديانة امبريالية جذرياً، العالم يجب ان يخضع لنا ويفكر ويكون بالشكل الذي نريده نحن. الإسلام احتذى بالمسيحية في هذا الامر ، الاختلاف هو أن
المسيحية مارست التبشير السلمي لمدة 300 عام، قبل ان يتبنى الامبراطور قسطنطين الديانة ويجعلها الدين الرسمي للامبرطورية ويبدأ نشرها بالسيف، بينما الإسلام ولد والسيف في يده.
لذلك هناك تفسير تاريخي واضح لحقيقة هيمنة الديانات الابراهيمية اليوم، أجيال بعد اجيال تلقنت هذه العقيدة إلى هذا اليوم. ولكن ماذا عن التفسير السايكلوجي لاستمرار هذه الأديان؟ الكائن البشري يملك الميول الغرائزية التي لو لاقت الثقافة المناسبة ستميل بقوة لصالح الديانات الإبراهيمية. من بين هذه الميول الغريزية هي التالية.
  • الميل لنسب جميع النوايا والاحداث إلى كيانات يمكن ملاحظتها
التكهن بأعمال الاخرين و توقع ماذا سيفعلون في الخطوة التالية هو أحد مهارات الإنسان الأساسية. الإنسان يتوقع ماذا ستفعل الحيوانات أيضاً لأنها حاجة تطورية ماسة، التكهن بنوايا الحيوانات التي سيصطادها وكذلك الحيوانات التي تحاول افتراسه، هذه مهارة مهمة جداً وبدونها لن يتمكن الإنسان من النجاة في البرية. الفشل في تكهن غاية كائنات لها نوايا كشريك جنسي محتمل أو أسد أو فريسة يكون أكثر تكلفة من الفشل في توقع نوايا للبرق و العواصف و الزلازل. الإنسان غريزيا يضع النوايا في الأشياء فنحن نغضب من الريموت كنترول ونشتمه حينما يتوقف عن العمل أو عندما يصبح الكرسي غير مريح، لاعبين النرد أيضا يخاطبونه وكأن له نية معينة أو خيار في أي رقم سيتوقف، حتى مع علم الرامي ان النرد لن يتأثر.
هذا الميول العقلي الذي يجعل الإنسان يفترض أن كل شئ له غاية و نية معينة ويمكن تغييرها بمجرد الكلام هو القلب النابض لجميع الديانات، ويعزز التفكير الخيالي والسحري في اي ثقافة ينشأ فيها دين ربوبي. خلق كيان خيالي ثم وهب له نوايا و غايات و أفكار وكأنه موجود. قراءة بسيطة للقرآن والاحاديث أو الكتاب المقدس هي كافية لملاحظة استغلال هذه الغريزة من مؤسسي الديانات الإبراهيمية وممارستها كعقيدة.
  • شهية للتفسيرات السهلة المُرضية والموحدة.
الإنسان يولد مبرمج جينيا ليحاول فهم العالم و يفسر ما يحدث في حياته، لكي ينظم المحيط حوله و يجعله في أنماط مفهومة و ذات مغزى. هذه الشهية تأثيرها قوي في العلم والدين أيضاً، مالذي يجعل من التفسير مُرضي للإنسان ؟ واحد من العوامل المهمة هو أن يكون التفسير يجمع المختلفات ويجعل سببها مشترك. الاكتشاف ان الكثير من الاشياء المختلفة هي في الحقيقة جميعها متشابهة هو تفسير يثلج صدر الإنسان، ويجعل حياته سهلة و منظمة. هناك نزعة في العقل البشري لإنكار التنوع والإصرار على التماثل. في علوم الفيزياء نرى أنه علماء مثل ستيفين هوكينج وأينشتاين حاولو ومازالو يحاولون إيجاد النظرية الموحدة أو النظرية الجامعة لكل قوانين الفيزياء. هذه الرغبة موجودة في الدين لكن بشكل مشوه، فبينما يحاول العلم الجمع بين القوانين بالعلم والتجربة، يحاول الدين الجمع بين الخرافات و توحيدها في خرافة واحدة لها عدة رؤوس بالخيال والجهل.
  • الميل لمعاملة عناصر خيالية كما لو كانت منفصلة عن مخيلة الإنسان.
واقعة كالحلم أو الهلوسة أو احلام اليقظة أو ربما تجربة غريبة .. يميل الإنسان دائما إلى تفسيرها كواقعة حقيقية ومنفصلة عن توهمات العقل. بينما في الحقيقة هي مجرد تجارب متصلة بالعقل وتصوراته وليس لها وجود منفصل عنه. الهلوسة شائعة بشكل كبير حتى بين الناس السليمين خاصة في الاوقات التي تكون بين النوم واليقظة. أغلب الناس في وقت أو آخر سمعو أصوات تناديهم وتحدثهم أو رأو خيالات لأشخاص تمر امامهم. حالات متطورة من الهلوسة ربما أقل شيوعا ولكنها ليست نادرة على الإطلاق. العقل البشري قابل للخداع والإيهام بشكل خطير، من تعاطى مخدرات كالفطر و الاسيد يدركون هذا الشئ تماما. محاولة الإنسان الجاهل لتفسير هذه التجارب والوقائع تقوده لنسبها إلى عالم آخر أو كائنات فوق طبيعية وغيرها من التفسيرات الدينية.
  • ميول لجعل التصورات الخيالية مبنية على هياكل اجتماعية بشرية مألوفة.
عندما تكون المؤسسات الملكية والامبراطورية مألوفة للإنسان سيعتقد أيضا أن المؤسسة “الخيالية الربانية” هي أيضا مشابهة تماما لها. الترتيب الهرمي كما في ممالك الانسان التي تنتهي بملك عظيم يمجد بشكل مطلق، مثل الملك سرجون الفارسي أو نبوخذ نصر ملك الملوك صاحب العرش والكرسي هذه الصور التي بنى عليها اصحاب الديانات الإبراهيمية الهتهم وعروشها. فجميعها تبدأ بملائكة و جبابرة مثل ميكائيل وجبريل و ثم حملة للعرش واناس يحفون به ثم ملك الملوك الله الجالس على الكرسي. وهذا الاخير أيضاً يحتاج التمجيد و الامتنان المستمر ولم يترفع عنه كملوك البشر. والعاصي يعاقب بطريقة حقودة انتقامية.
  • ميول نفسي عظيم لأخذ مواقف متشددة في النقاط المهمة في أي عقيدة دينية.
في بيئة العمل الرسمية لمجتمع بشري. المظهر الخارجي قد يكون مهم جداً. و هذا يدفع الناس للتأنق أكثر لو أحسو ان هذا التأنق قد يزيد فرصهم في النجاح. أحيان يكون التأنق في اللباس زائد عن الحد و ينفر الناس. لكن هنا ماهي العاقبة الاقل خطورة ؟ ان يلاحظ الناس أنك متأنق كثيرا أو أنك لا تبالي بالملبس؟ بالطبع التأنق له عواقب أقل خطورة كذلك يؤثر على الناس بالاندفاع لزيادة تأنقهم للتحدي، بهذه الطريقة يصبح التأنق في بيئة العمل هو المفضل و دافع للجميع لمزيد من التأنق.
نفس العملية تحدث بين الافراد الملتزمين بعقيدة معينة، مجرد القبول أنه هناك نقطة في هذه العقيدة هي مهمة وأساسية كالجهاد أو الحشمة أو التوحيد سيرجح الأفراد الذهاب لأقصى حد على ان يتساهلو فيها،  الافراد لديهم الدافع والمحفز لأن الضرر الذي قد ينتج من التزمت هو بالتأكيد أقل من الضرر الذي قد ينتج من التساهل. وهذا ما يجعل الفكرة “عقيدة” من الأساس، فطالما انه من الآمن ان تطبق الأوامر بحذافيرها إذاً لا مانع من ان تنتقل وتجعلها عقيدة وتبالغ في التطبيق كما في الإسلام أو المسيحية.
بعض النقاط من هذه العقائد قد تشير إلى قدسية شخص وقائد مثل محمد أو يسوع أو موسى. وان له خصائض كافية لتجعله قائد ومؤسس، حينما يسلم الناس بان هذا القائد هو مرجعهم في الأخلاق و العبادة والتعامل سيشعرون بالقلق أنه ربما هذا الشخص ليس كامل كما يدعي. لذلك سينتقلون إلى جعله كأفضل الخلق كحاجة نفسية،  وهذا سيرضي القائد مهما كان بل سيجعلها عقيدة أن تعتقد بأنه الأفضل أو ايمانك ناقص وانت منافق كما فعل محمد.
هذه هي نفس العملية التي أدت بالناس للاعتقاد أن الهتهم يجب أن تكون أعلى من البقية. تبدأ بافتراض ان الهتنا هو الأقوى ثم تنتقل إلى انه أيضاً الأعلم ثم إلى انه الأرحم و الأكثر انتقاما، ويستمرون بالإضافة حتى تتصادم الصفات مع بعضها البعض ويصبح الإله مجرد كيس يملأ بصفات بشرية متناقضة. صفات الالهة الابراهيمية لم تنتج بحوار فلسفي أدى بهم إلى استنتاج هذه الخواص بل هي مجرد تطور تراكمي قام به الناس على الهتهم حتى صارت بهذا الشكل الغريب.
علماء النفس يرفضون بشكل قاطع أن للانسان رغبة في تكوين وعبادة الهة مثل الالهة الابراهيمية لكنهم يثبتون أن هناك رغبات وميول عديدة يمكن ان تؤدي للإيمان بالاله الابراهيمي. وهذه طبعا بسيطة جدا لو ادخلنا العامل التاريخي والتلقين بالوراثة والإجبار وغيرها من العوامل التي أدت لاستمرار هذا الفكر المسخ.
Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في يونيو 18, 2011 in الناقد الديني

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: