RSS

حمّى البحث عن محمد

10 يونيو

الصيغة الفعلية لكلمة “اورينت: شرق” تعني “التوجه إلى مكان أو هدف” سواء بإستخدام البوصلة، أو بالميول والأفكار، وكأن “الشرق” نقطة للإهتداء (والهداية) وفي هذا إعتراف فيللوجي قديم بأثر الشرق وتحكمه في توجه الغرب.
الآن إنعكست الآية فالإستشراق يثير حفيظة الكثيرين منّا وأحيانا مقتهم، مع أننا ندين له بأمور جليلة. أهمها كشفه للنقوش الكتابية وعثوره على المخطوطات السائبة. ونفخ الحياة في أمثال الحلاج والقرامطة وشعراء كان قد طمسهم ركام الأزمنة، وما نعرفه اليوم عن حضارات الشرق القديم (موضع التفاخر والتنافخ والعزة الوطنية) إكتشفه أيضا مستشرقون ؟
لكن الإستشراق يظلّ محاولة إقتحامية هدفها إخضاع صورة العالم لنظام رؤيته.. فما بُذل في ميدان اللسانيات والأديان المقارنة وتأويل اللقى الأركيولوجية ..إلخ لم يخرج عن هموم الغرب في البحث عن ذاته.. وشئنا أم أبينا فإن كراسي الأستاذية في الجامعات لم تنأ عن هيمنة ثقافة يهو مسيحية، وعداء مكبوت للعالم الإسلامي.. عداء تأجج وخمد على إيقاع صدام بدأ مع الحروب الصليبية (1096م) وإستفحل مع الإجتياح العثماني لأوروبا وبلوغه أسوار فيينا..إلا أن الصدام الفكري والعقائدي تراخى نسبيا منذ إنهماك أوروبا بالذهب المتدفق من أمريكا، وبالحداثة ولم يستيقظ فعليا إلا مع تدفق الذهب الأسود في صحراء العرب، فالعالم الإسلامي لم يكن هدفا بعينه، بل كان جزءا من إستشراق كليّ بلغ الهند والصين، وتمدد في أرجاء المعمورة (1)
وعموما فإن الجهود الكبرى للإستشراق نهضت بالدرجة الأولى على ترجمة المدوّنة التاريخية العربية دون تعريضها لمطرقة نقد راديكالي، يهزّ أسسها . فمعظم دارسي الإسلام الكبار قبلوا الخطوط العامة دون تمحيص، فدعوة محمد في مكة والهجرة ودولة الخلافة في يثرب والفتوحات السريعة كانت من المسلمات، وكأن بهم يقولون: أهل مكة أدرى بشعابها، أما

نبيّ الإسلام فلم يستقطب نظرهم تماما وظلت الرؤية إليه مضطربة وضبابية.
ولكم يعجب المرء لعدم وجود وثائق مسيحية غربية مبكرة تتناول الإسلام، الذي يُفترض أنه عبر جبال البيرينيه ووصل جنوب فرنسا حوالي عام 720م، وبغضّ النظر عن بعض الوثائق الهزيلة غير المؤكدة، فأول كلام عن محمد ربما يكون في أغنية رولاند في القرن 10 التي تعكس تصوّرا آخرا يعارض ما نعرفه عنه، فالشاعر زجّ محمدا ضمن ثلاثة آلهة وثنية يعبدها المسلمون، وهذا الأمر يبدو مبررا إذا عرفنا أن أوروبا في ذلك الزمن الحالك كانت تعيش بدون حساب وتراجم وتقويم وفلك وطب، والدليل أن البابا اوربان الثاني دشن أولى الحروب الصليبية دون أن يعلم شيئا أكيدا عن الإسلام (2)
ولعل سقوط طليطلة بيد القشتالي ألفونسو عام 1085م مثّل البداية الحقيقية لمعرفة وترجمة الكتب العربية بما فيها القرآن. وبرغم هيمنة روح الصدام، فقد نظرت أوروبا القروسطية بنوع من الإعجاب لحضارة المسلمين، تجلت ذروتها في ثوب تتويج الإمبراطور فريدريك الثاني عام 1220م، الذي طرزته الحروف العربية. ناهيك عن أن النخب آنذاك كانت تتباهى بمعرفة اللغة العربية بما فيهم الإمبراطور نفسه. إلا أن النظرة لمحمد إقترنت دائما بالسلبية وترواحت بين تجسيده مرادفا لوحش “رؤيا يوحنا” أو منشقا مهرطقا يستحق الشطر من رأسه لأخمص قدميه كما في “جحيم دانتي“.
وبتصوري هذا أمر مفهوم فكل ديانة تعتبر نفسها طريق الحقيقة والخلاص وخاتمة المطاف، واليهود ورغم أنهم يعيشون الآن في كنف عالم مسيحي فما زالوا ينظرون للمسيح كمارق، ويدعون عليه في صلواتهم متمنين له الخلود في غائط مغلي، ناهيك عن أنه حسب التلموذ „إبن الجندي باتيرا“ (تعني: قواد).
وعموما فإن نجاح الأركيولوجيا في تفنيد قصص آباء الكتاب المقدس (قصة الخروج ـ مملكة داوود وسليمان) فتح الباب واسعا للتشكيك بتاريخية الأحداث المؤسسة للأديان، وتدريجيا إستطاع باحثون ولاهوتيون كبار من أمثال يرونو باور وشفايتسر وفرنر وديتيرنغ رفع الحصانة عن تاريخية المسيح
(وحتى بولس) ووضعه في مرمى النقد، وإعتباره جزءا من أدب نسجه الخيال الديني .

ولزمن قريب إكتفى الغرب بنقل سيرة محمد كما وردت في كتب الموروث الإسلامي، ففي عام 1860 و 1864 أقدم فيستنفيلد وفايل على ترجمة سيرته للألمانية من مصادرها العربية، وفي منتصف القرن الماضي أصدرها الإسكتلندي منتغمري واط في كتابه (نبي ورجل دولة) وكان أول من طرح علامة إستفهام حول تاريخية محمد ومصداقية سيرة بن إسحق ؟
معللا ذلك بعدم قبوله للرواية الشفهية كمصدر لتاريخ مؤكد، إضافة لما تتضمنه السيرة من سرد أسطوري وبناء أدبي قصصي، وهنا أود الإشارة إلى كتاب آخر بعنوان : “جمهرة الأنساب” للألماني كاسكل 1966 الذي تضمن دراسة قيّمة وتحليلا وجداول لشجرة الأنساب العربية. وفيه يرى كاسكل أن هذه “الجمهرة” المنسوبة لمحمد بن السائب بن بشر الكلبي (توفي عام 763م) لم تذع إلا على يد محمد إبن حبيب (توفي عام 860م) بعد أن تعرضت إلى تغيرات مهمة بسبب تحوّل القبائل بين حياة الرعي والإستقرار أو إنضمامهم لمعسكرات الجند أو نشوء تحالفات قبلية جديدة إمتدت أحيانا لتشمل شرق الجزيرة والعراق وخوراسان كما في حالة بكر وربيعة إبان العصر الأموي.. هذه التحوّلات الكبرى أدت حسب كاسكل إلى تشويه الحقائق التاريخية، ومن ثم إعادة إسقاط هذه التشوّهات على ماضي شعري مُتخيّل. وكلما إزداد إضطراب الروايات إزدادت الحاجة لإختلاق نصوص شبحية إضافية محمولة على أجنحة فانتازيا الشعراء، الذين لا تهمهم حقائق التاريخ بقدر رغبتهم في تصميم الماضي حسب حاضرهم(3) لذلك ليس من الغريب أن نقرأ في الموروث إلتباسات وسقطات تكشف بسهولة تهافت شجرة الأنساب (4)

السيرة بحسب هانس يانسن:
بداية لابد من إسداء النصيحة للكثيرين وعدم تضييع وقتهم وقراءة كتابه، فخطابه موجه لمن تحرر من أسر الدوغما، وليس لمن يسكن في غياهب الماضي فالدوغمائيون متفقون على معرفة محمد، وكأنهم قابلوه مساء البارحة. فهم يعرفون عنه كل شيئ. ليس فقط عن أنصاره ومهاجريه وآل بيته وحروبه، بل عن طوافه على زوجاته آخر الليل (وعن أم أيمن التي كانت تتبعه بالماء ليغتسل) .
كيف لا؟! وهم يملكون جبالا من المرويّات التي تحكي تفاصيل دعوته وأحاديثه وما سنّه لأمته. لكنهم للأسف يغمضون عيونهم عن بديهية مزلزلة تقول بأن كل ما يعرفونه عنه، وصلهم عن شخص واحد إسمه محمد بن إسحق، وكل ما يلعقونه أتى من مغرفة واحدة إسمها بن إسحق .

إحدى الصحف الألمانية المعروفة نشرت قبل زمن تقريرا بعنوان ذي مغزى: “محمد والإنجيل وليلى والذئب” يقول كاتبه دان دينر (5):
إن بعض مجتزءات سيرة بن إسحق تطرح السؤال التالي: كيف كان ممكننا أن تنطلي هذه المجموعة القصصية على باحثي الغرب ولمدة قرن، ولماذا تعاملوا معها كمصدر للتاريخ. أوليس هناك إجماع أكاديمي حول قصة ليلى والذئب (6) والأوديسة والإنجيل. فالأولى لم تعد مصدرا لمعرفة مكنونات عالم الغابة والحيوان (..) وبواسطة الأوديسه لا يمكننا رسم أية خريطة للبحر المتوسط، كما أن الأناجيل ليست مصدرا تاريخيا لمعرفة حياة وممات يسوع إبن الناصرة”
كلام دينر أعلاه جاء بمناسبة حفل تقديم كتاب ( محمد ) (7) للهولندي هانس يانسن، أستاذ الإسلاميات في جامعة أوترخت الهولندية. يانسن هذا لم يبخل على جمهوره ببعض الدعابة وخفة الدم. فعرضه لسيرة محمد ومقاربتها مع الإنجيل والأوديسه ورفض قبولها كوقائع تاريخية دامغة، كان يمكن أن يمر، إلا أن تشبيهه إياها بقصة ليلى والذئب، قد ترك إبتسامة عريضة على محيا جمهوره من اللادينين..
وبرغم بعض الإنتقادات لهزله، إحتفظ الكاتب بكثير من الجدّية، ولم يبخس الإسلام ويحط من قيمته. فغرضه الرئيسي تمحور حول عرض سيرة محمد بنفس الآلية التي إتبعتها دراسات التنوير الأوروبي في نقدها لعهدي الكتاب المقدس . وهذا أمر واضح جليّ يلمسه القارئ مع أولى سطور كتابه. لهذا سأقتصر هنا على تناول بعض النقاط المهمة الورادة في مقدمته وترجمتها بتصرف تحاشيا للإسراف أو إجترار التفاصيل المعروفة :
إن رواية الإسلام (حسب يانسن) تشبه رواية المسيحية فهي ذات هدف وعظي برداء قصصي. فالأجيال الأولى لم يكن لديها مشكلة مع سرد الحكايا الخيالية. والأجيال اللاحقة لم تعد قادرة على رؤية ذلك الميل الأيماني لأسلافهم، لكنها إمتلكت الرغبة لقبول قصصهم وتصديقها، فالموروث الإسلامي قدم محمد بصورة متناقضة:فهو “الأمين” الذي حاز على ثقة أنصاره وبنفس الوقت الشخص الذي أثار محيطه (المكي) وعرضه وأنصاره للذم والهجرة..وهذا يتشابه مع قصة إبن الناصرة: حيث زحفت الجموع لسماع مواعظه، ثم إستقبلته في اورشليم بحفاوة، وبعد أسبوع تجمعت حول مقر الوالي بيلاطس، وطالبت بصلبه كمثير للشغب؟

وفي نقطة إحترازية ينبّه يانسن إلى أن التشكيك بتاريخية الرموز الدينية لا يُضمر الشر. ولن يغير في الأمر كثيرا، لأن علماء سوسيولوجيا الأديان أثبتوا أن معظم البشر يقتدون دينيا أو ينقادون لمحيطهم وذوويهم وليس للكتب والإصدارات. فحتى لو إفترضنا إمكانية إثبات تاريخية يسوع إبن الناصرة، كشخص عاش في فلسطين وصُلب على يد بيلاطس، فهذا ليس دليلا على أنه “الله” حسب توصيف الكنيسة له، والعكس صحيح أيضا فلو أثبتنا أنه لم يعش قط فهذا لا ينفي القيم الإيجابية لعقيدة كنيسته وأثرها على الناس.. أما الأمر في الإسلام فمختلف لأن المسلمين وفقهاءهم يرفضون هذه الحجج..مع أننا أمام نفس القضية. إذ إن أثبات تاريخية محمد لن يثبت إلهية رسالته. ولو أراد الله إرسال وحيه فبإمكانه أن يُبلغه بطرق شتى، كأن يُوحي لكتّاب السير بوجود نبيّ مُتخيّل (وجود نبيّ غير موجود فعلا) وكل من يتبعه يفوز بالآخرة!.
وهنا وإن بدت أطروحات هاينسن حذرة (وتعكس شعورا ضمنيا بوطأة الوجود الإسلامي في هولندا وربما خشيته من سكين طائشة؟) إلا أنه يؤكد بأن ديانات الوحي في الغرب كالمسيحية واليهودية قد تعرضت لعلمنة طويلة ومستمرة وتطبيع مع الدنيا، مما حدّ من تدخلها في حقائق الحياة، وسهّل الفصل بين الحياة الروحية والدنيوية، لكن الأمر قد تباطأ في العالم الإسلامي لأسباب معقدة إن لم يكن قد بلغ طريقا مسدودا، فالمشكلة الرئيسية للمسلمين كما يراها هاينسن هي عدم قدرتهم على الفصل بين الوحي والتاريخ!

وكما سلف ذكره فإن معرفتنا بمحمد ترتبط جوهريا برواية إبن إسحق الذي صاغ السيرة في بغداد حوالي 750 م، وهو حسب الموروث من مواليد المدينة (يثرب) وحفيد لمولى يدعى “يسار” يقال أنه من سبيّ نصارى عين تمر في العراق.
:يقول يانسن
“إن كلّ ما في الموسوعات وكلّ المعارف الأكاديمية والتوصيفات الشائعة التي تناولت حياة محمد، سواء في الغرب أو الشرق وبدون إستثناء تعود لإبن إسحق، حتى آيات القرآن التي أعتبرت دليلا على أحداث دارت في حياة محمد، هي فقط كذلك، لأن إبن إسحق أوردها وربطها بمحمد، وبعكسه كان يمكن تأويلها بطريقة أخرى”
ومع ذلك فهذه السيرة لم تُحفظ بنسختها الأصلية، فقد تعرضت لتهذيب إبن هشام (توفي عام 830م) الذي حذف بعض مداخلها، ولحسن الحظ فإن بعض الكتاب (مثل الطبري) قد إستشهدوا بها مما حفظها من الضياع، والملاحظ أن ما تم حذفه عند إبن هشام كان بعض الروايات التي تصف معجزات محمد، وحضور الملائكة الدائم، وقد جرى تنظيف تلك الروايات لإسباغ طابع عقلاني على السيرة الأولى. وبالتدريج بدأ الملائكة يغيبون عن حضور المعارك وإختفت معجزات محمد. والسبب وراء ذلك كان رغبة متأخرة لخلع رداء من المصداقية على السيرة، وجعلها تبدو وكأنها تاريخا حقيقيا. إذن فمحمد التاريخي هو محمد الذي رسمته “سيرة إبن إسحق” بعد خصم معجزاته من قائمة الحساب
أيضا فإن هاينسن ينضم إلى إطروحات الماركسي مكسيم رودنسون وباتريسيا كرونا، والتي شككت بوجود مكة كمدينة وعقدة تجارية ومنطلق لتوسع أيديولوجية الإسلام في القرن السابع م، وإعتبرت دورها التجاري المزعوم في ذلك الوقت من مملكة الخيال، ويفتقد لأي دليل تاريخي يؤكده. إذن نحن حسب يانسن أمام أدب ديني إختلقه رواة التاريخ وفي هذا الصدد يقول:
„ لقد إعتمدوا قصصا قصيرة مسرحها مكة والمدينة وبطلها محمد. قصص ذات روابط واهية. بعضها حطام قصصي أو عظات وأمثال، إضافة إلى عديد آخر من الحكايا الغامضة والمبهمة، التي غالبا ما تُفسر على أنها شيئ من المعجزة. أحيانا نعثر على خبر تزيّنه التفاصيل، وبعد أن يبلغ الراوي قصده من الخبر، يفتر إهتمامه بأدوار أبطاله فيختم روايته على شكل برقية سريعة، وأحيانا يقطعها بشكل فج..“
ثم يضيف:
„ كل معرفتنا عن محمد أتت من منابع للموروث الإسلامي وهذا أمر يستفزّ المؤرخ الناقد، تماما كالحالة مع يسوع. فهل كان محمد موجودا فعلا؟ إذا كان موجودا حقا، فلمَ لم نعثر ولو على إشارة واحدة (تدلّ عليه) من مؤرخ عاصره، سوريا كان أو عراقيا أرمنيا يونانيا أثيوبيا فارسيا عبريا آراميا؟
لحد الآن لم نعثر على خبر عنه (…) لكن صمت المراجع غير الإسلامية برأي الباحثين ليس حجة قوية، فلربما كان هناك نقش أو وثيقة أو كتاب ضاع وإختفى أثره، في حين ظلّ محمد في وعي المؤمنين حيا، وفوق الشك مرفوعا. لحد الآن لم تظهر أية نصوص معاصرة له تحكي قصته. كل مانعرفه عنه مجرد روايات منمقة أورثها لنا المسلمون، هذا ما لدينا بدون زيادة أو نقصان. لكن من منا
سيعلم بما تخفيه رمال جزيرة العرب؟”
. بيد أن الكاتب سرعان ما يغيّر فرشاة ألوانه ويؤكد بأن الروايات حتى وإن كانت مخترعة فهي تعكس روح عصرها ووعيه، فإبن إسحق لم يختلق كل شيئ. لابد أنه عاش وسط موروث حيّ شكّل منطلقا لمنتخباته السردية الذاتية المشكوك فيها، لقد كان قريبا من معسكرات الجند والجهاد، وسامعو قصصه لم يكونوا من طلبة علوم الفقه واللاهوت، بل كانوا كما يُعتقد محاربين ضمن الجيوش الإسلامية (في القرن الهجري الثاني) لهذا كان على القصّاص أن يولي إهتماما بالمضمون الحربي، كتوزيع الغنائم والسبايا وما شابه. ولعله من المثير حقا أن نتخيّل، كيف كانت ستبدو حياة محمد لو أن
أخباره وصلتنا عن آخرين غير اولئك الحكواتية من قصّاصي معسكرات الجند .
كلمة أخيرة:
لا شك بأن أطروحات يانسن صادمة ومستفزّة للقارئ، وقد تبدو للبعض غير عقلانية، فكيف لنا أن نصدق بأن “حقائق” تربت عليها الأجيال هي مجرد أدب ديني، فالرموز الدينية أكثر من رواية نتقصى جذورها، إنها جزء من هوية ووجدان جمعي ولا يهم حقيقة وجودها من عدمه، فقد صُممت لتكون نبراسا يقتدي بها الناس. بيد أن الأمر لم يستفز كاتب السطور، فطرح هاينسن أصبح من طبيعة العقل النقدي المعاصر الباحث عن أدلة حسيّة توثق له الأحداث والأشخاص، خصوصا أننا في عصر يُطلب فيه ذكر وإثبات مصدر المعلومة، وإلا يُتهم ناقلها بعدم الأمانة العلمية. فالزعم بأن أشخاصا ثقات عدول نقلوا الرواية شفهيا وبكل أمانة لم يعد يقنع من عرف آلية السرد الأسطوري والبناء القصصي وتكوّن الميثولوجيا وعلم نفس التاريخ، فالتدوين وحده حفظ الذاكرة، وبدونه لما عرفنا شيئا عن سومر وإيبلا، ولأندثرت حكاية مصر القديمة، لقد ثبت بالملموس أن الذاكرة الجمعية كانت عرضة لإنقطاعات بسبب الكوراث والأوبئة والحروب، فإسماعيلو الهند لا يعرفون متى وصلوها وكيف، ولم يملكوا تقويما لتزمين الأحداث وحفظ حكايتهم، والقرآن لم يترك لنا تأريخا وكرونولوجيا بل وعظا قصصيا عن أحداث وشخصيات بدت وكأنها قبيلة حجازية مقدسة متاخمة لعصر محمد..ربما يتحامل بعض النقاد إلا أن أسئلتهم لا تقود إلى المعرفة بل إلى إستعادة التساؤل (وتنفيس الدوغما من غازاتها وإحتقاناتها) فالرموز الكبرى لم تترك مذكرات ويوميات كما فعل تشرشل وجوكوف. لقد إختفى المسيح دون أن يترك كتابا (وتبخرت والدته أيضا وصعدت إلى السماء كما تزعم الدوغما) ما وصلنا عنه كان أناجيل من أزمنة لاحقة كتبها آخرون لم يروه قط. وهذا ما حدث مع محمد فهو لم يخط لنا سطرا واحدا، وما وصلنا عنه أتى من أزمنة أخرى ومن رجال قاموا بتلقيمه ما ناسب زمنهم وأحلامهم وشهوتهم.
في لحظات وداعه الأخيرة يخبرنا الموروث أن عزرائيل إستأذن خجلا عند دخوله حجرة عائشة، وقابله على إنفراد، وخيّره بين حياة أبدية يملك فيها خزائن الآرض، وبين ملاقاة وجه ربه، فإختار الثانية فقبضه.. هذه الروايات الإيمانية لم يكتبها محمد ولم يُملها على أحد، فلماذا على يانسن تصديقها؟!

الهوامش:

في عصر نابليون (1814) كان الغرب يسيطر على حوالي 30% من الكوكب، وبعد الحرب الأولى( 1914) أصبح يهيمن على80% من المعمورة-1

2في خطبة إعلانه الحرب الصليبية، كما نقلها مالمسبري عام 1143م يقول حرفيا “بعد سوريا وأرمينيا وأسيا الصغرى، يبدو أن المسلمين قد احتلوا الآن القدس (المفترض أن البابا يلقي كلمته عام 1096م والمفترض أن المسلمين احتلوا سوريا وبضمنها القدس عام 637م) ومنذ مئتي سنة سيطروا على افريقيا، وهي الجزء الثاني من العالم (أيضا أخطأ قداسته بقرنين، فالعرب وصلوا افريقيا عام 640م) ومنذ ثلاثة قرون سيطروا على اسبانيا والجزر البيلارية، وهم الآن يتطلعون إلى ماتبقى”

3- 3 أحد غرائب دوحة الأنساب ربط نسب محمد بن عبدالله بالجد “فهر” عبر أحد عشر جيلا، بينما أبو عبيدة بن الجراح ( معاصر لمحمد ) فتكفيه سبعة أجيال فقط للوصول لنفس الجد (فهر)؟! هكذا وبسهولة تضيع أربعة أجيال
4- Gamharat Alansab: W. Caskel. BandI P. 19, 31, 35
5- Mohammed, das neue Testament und Rotkäppchen
Dan Diener
Die Welt 30-03-2008
6- Rotkäppchen
ليلى والذئب هي ترجمة عربية لقصة أطفال ألمانية من القرن 18 إسمها
7- Mohammed: Der historische Mohammed. was wir über ihn wissen : Hans Jansen 2008
نشر في الآوان

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في يونيو 10, 2011 in مقالات منقولة

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: