RSS

تفنيد الإله الإسلامي – تحليل جسماني ونقد نفساني – 3

09 مايو
ذات الله وصفاته بين محنة التفسير وفتاوى التكفير :

تحدثنا فيما مضى عن الأسماء والصفات التي اتصفت بها الذات الإلهية حيث أنَّ الصفات الذاتية هي الصفات التي تدور حول ذات الله ( ضحك , كلام , غضب , سمع  .. ) أما الصفات الفعلية هي الصفات التي تقوم بها تلك الذات ( نزول , اطلاع , مكر , مجيء … ) ولكن احتار المسلمين في تفسير تلك الصفات من حيث امكانية انفصالها عن الذات أو اتحادها معها أو موقف آخر وسطي بين هذا وذاك ..
ولنبدأ بعرض اختصار شديد لأفكار وآراء الفرق الفكرية الاسلامية التي نشبت بينها حرب دينية فكرية تحولت في كثير من الأحيان إلى استخدام القوة السياسية لفرض الآراء على باقي المسلمين وسنبدأ بالمعتزلة ولو أجهدتم نفسكم قليلاً في التمعن في أفكارهم ستجدون وكأنهم ديناً آخر يختلف عن دين باقي المسلمين وكذلك ستجدون الأشاعرة وكأنهم ديناً آخر وكذلك أصحاب الحرف الذين يأخذون بظاهر الآيات دون تأويل

1 – نشأة المعتزلة وأفكارها في الصفات والذات <24> :

* تعريف :

وهي فرقة كلامية من أهل السنة ظهرت في بداية القرن الثاني الهجري، واعتمدت على العقل في تأسيس عقائدها، وتميزت بثرائها الفكري والعلمي واطلقت عليها مسميات متعددة كالعدلية والموحدة والمفوضة والقدرية والمعطلة وغيرها.

* ويرجع سبب تسميتها بالمعتزلة حسب تصور المؤرخين إلى أمرين لأمرين :

الاول : يتعلق بالاعتزال السياسي الذي قام به مجموعة من الصحابة في الخلاف بين الامام علي ومعاوية.
الثاني : يتعلق باعتزال واصل بن عطاء عن شيخه الحسن البصري في مسائل فقهية فكرية .
* من عوامل ظهور المعتزلة :

لما انتشرت افكار المجبّرة الداعية الى تحجيم دور العقل وتغييبه وتبني السلطة الرسمية لفكرة الجبر، برزت المعتزلة كتيّار يدعو الى حرّية اختيار العبد (الانسان) في افعاله واطلاق دور العقل البشري وتأكيدهم على استقلالية الانسان في سلوكه، ساعد هذا العامل على تعاطف الناس معهم.

* سبب الظهور :

ملخص سبب الظهور : بأنّ واصل ابن عطاء ( مؤسس المعتزلة ) اعترض على شيخه الحسن البصري في فتوى اصدرها البصري بأنّ مرتكب الكبيرة كافر فقال واصل معترضاً بأنّه لا كافر ولا مؤمن بل هو في منزلة بين المنزلتين .
* أبرز الشخصيات :
واصل ابن عطاء ( 699 م – 749 م ) , الجاحظ , العلاف , النظام , أبو علي الجبّائي وهو من كبار المعتزلة …. وللتذكير فقط أنّه هناك من الفلاسفة المسلمين ليسوا معتزليين ولكن كانوا يعتمدن على التأويل العقلي منهم :ابن رشد , الفارابي , ابن سينا ….

* أفكار المعتزلة في تأويل الذات والصفات :

كانت نتيجة اعتماد المعتزلة على التأويل العقلي واعتبار العقل مصدر من مصادر المعرفة والتشريع أنْ واجهت المعتزلة مشكلة مع تفسير الذات والصفات الإلهية اختلفت بذلك التفسير عن باقي الفرق الاسلامية خاصة أصحاب الحرف والأشاعرة وقد خلصت إلى الأفكار التالية :
– الله وحده لا شريك ( قل هو الله أحد )
نفي الصفات واعتبارها عين ذاتها – أي للذات – وغير منفصلة عنها وهي متحدة مع الذات .
– رفضوا الجسمية : أي أن يكون لله جسماً محددا مادياً في مكان معين وبالتالي وجدوا أنّ الصفات تجعل من الله جسماً فأكدوا على ضرورة تأويلها بما يتناسب مع التنزيه ورفضوا رؤية الله يوم القيامة لأنّ ذلك يؤدي إلى التجسيم وقد خالفوا بهذا باقي المسلمين الذي يقرون رؤية الله يوم القيامة .
– إنّ تعدد الصفات للذات – الواحدة – هو تعدد للذات ولذلك أكدوا على عدم انفصال الذات عن الصفات لأنّه يؤدي ذلك إلى الشرك
اعتمدوا على تفسير الصفات على التأويل العقلي بما يتوافق مع التنزيه فقالوا : تماشياً مع مبدأ رفض الجسمية رفضوا أن يكون لله عيناً ويداً كما البشر .
– للمعتزلة في تفسير صفات الله شكل خاص ومعنى ذلك كالتالي : الله عالم هو ( هي ) وقادر بقدرة هي ( هو ) فالعلم ليس على هذا الأساس صفة لله بل يعني نفي الجهل عن ذات الله والقدرة نفي العجز عن ذات الله والحياة نفي الموت عن ذات الله
– اذاً لا شيء عند المعتزلة غير الذات والصفات تختلف باختلاف إدراكاتنا نحن لمعاني ذاته المنزهة , لأنّ صفات الله إذا كانت قديمة – أي غير مخلوقة – فقد شاركت الذات في القدم فأصبحت آلهة أخرى .

 * مذهب المعتزلة و الفرق الشاسع بين اعتقادهم واعتقاد باقي المسلمين :

لقد كان للمعتزلة أثراً كبيراً في تحرر العقل الاسلامي إلاّ أنهم حاولوا فرض آرائهم بالقوة السياسية في الفترة حكم المأمون – الخليفة العباسي – وهجومهم المعروف في تعذيب الامام محمد ابن حنبل في مسألة القرآن فقد أصرّ المعتزلة على أنّ القرآن مخلوق وليس كلام الله لأنهم ينفون الصفات عن الله وقد كان يرى أحمد ابن حنبل أن القرآن كلام الله فشنّ المعتزلة ضده حملة سياسية وسجنوه وعذبوه …
وقد كان ذلك عاملاً من عوامل انقراضهم وليس السبب الرئيسي كما يوهمنا المسلمون فقد كان للمسلمين الباقين في تلك الفترات هجوم لا بأس به على المعتزلة ( ولمن يريد معرفة ذلك فكتاب ” اجتماع الجيوش الاسلامية في غزو المعطلة والجهمية ” لابن قيم الجوزية – تلميذ ابن تيمية – أكبر مثال على ذلك )
يقول ابن تيمية في كتابه ” الرسالة التدمرية ” رداً على المعتزلة في ايمانهم بأن الذات هي نفسها الصفات أي ( القول بالصفات كالقول بالذات ) يقول ابن تيمية :
(( إذا قال : كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ؟ قيل له : كيف هو ؟ فاذا قال : لا أعلم كيفيته , قيل له ونحن لا نعلم كيفية نزوله , اذا العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف وهو فرع تابع له فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستواءه ونزوله وأنت لا تعلم ذاته …. ةهذا الكلام لازم لهم في العقليات في تأويل السمعيات : فان من أثبت شيئاً بالعقل – اذاً – ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير فيما يلزم اثباته ولو طولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا : لم يجد بينهما فرقاً ,
ولهذا لا يوجد لنفاة الصفات دون بعض الذين يوجبون فيما نفوه :
اما التفويض  واما التأويل المخالف لمقتضي اللفظ – قانون مستقيم . فاذا قيل لهم لم َ تأولتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيما واحد ؟ لم يكن لهم جاوب صحيح فهذا يتناقض في النفي . وكذلك تناقضهم في الإثبات فان من تأويل النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها فانهم اذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه الى معنى آخر : لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه , فاذا قال قائل – ويقصد بذلك ابن تيمية قائل معتزلي – تأويل محبته ورضاه وغضبه وسخطه : هو ارادته للثواب والعقاب , كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلومه في الحب والمقت والرضا والسخط …. )) <25>
يقول الشيخ عبد الكريم الرفاعي في كتابه ” المعرفة في بيان عقيدة المسلم ” ما يلي : (( يقسم الحكم إلى ثلاثة أقسام : شرعي وعادي فالشرعي : يأتي في فن الأصول – يُعرف فن الأصول بأنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين مثلاً : الاقتضاء , التخيير – والعادي : هو إثبات أمر لأمر أو نفيه بوساطة التكرار كالحكم على الملح الانجليزي بأنه مسهل وعلى الأسبرين بأنه مسكن وعلى النار بأنها محرقة …… ويرى المعتزلة أن الملازمة بين النار والإحراق وغيرها هي ملازمة عادة وهذه التأثيرات الحاصلة من هذه المؤثرات بقوة جعلها الله بها ومعتقد هذا المذهب مبتدع )) <26>
ثم يقول في حاشية الصفحة ذاتها : (( الفرق بين مذهب أهل السنة والمعتزلة أن أهل السنة يقولون : إن الله يخلق هذه التأثيرات – يقصد الرفاعي التأثيرات التي مرّ ذكرها قبل قليل – عند وجود هذه الأسباب أما المعتزلة فإنهم يقولون : إن الله جعل القوة في هذه الأسباب هي التي أثّرت في هذه المسببات )) <27>
لقد كان هناك اختلاف بين المعتزلة وباقي الفرق الاسلامية اختلافاً كبيراً جداً فهم اختلفوا في أمور عقائدية فأين اذاً تلك الأمة التي هي خير أمة اخرجت للناس وأين الوحدة الفكرية للمسلمين طالما أنهم أصبحوا أديان وليس ديناً واحداً ؟؟ ويمكنك مراجعة الهجوم الدائم الذي يشنه أصحاب الحرف ( أو السنة الذين يأخذون بظاهر الكلام دون تأويل ) على المعتزلة بالذات <28> وعلى الأشاعرة أيضاً .
فلكل منهم رأيه ليس في أمور فقهية بل في أمور العقيدة الاسلامية وهنا تكمن المشكلة التي يتستر عليها المسلمون فيقولون ” اختلاف الفقهاء رحمة ” يا سادتي هنا أصبح الكلام أعظم بكثير فهو يتحدث عن اعتقاد وليس عن تيمم أو وضوء أو اسبال اليدين أو غسل وغيرها من الأمور الثانوية الفقهية فهذه الأمور لا تصل إلى حد التكفير أمّا في العقيدة فتصل إلى التكفير أو إلى حرب سياسية بين المسلمين أنفسهم كما حدث في حادثة الصفين ووقعة الجمل …

يتبع …

————————–

<24> راجع الموسوعة الحرة ويكبيديا
<25> الرسالة التدمرية , ابن تيمية , المكتب الاسلامي , بيروت , صفحة 29 – 30
<26> المعرفة في بيان عقيدة المسلم , عبد الكريم الرفاعي , مكتبة الغزالي , صفحة 20 – 22
<27> المرجع السابق , صفحة 22
<28> راجع موقع ( أهل السنة والجماعة )
” ضلالات المعتزلة ” على الرابط :
http://www.sunna.info/Lessons/islam_1080.html

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في مايو 9, 2011 in الناقد الديني

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: