RSS

حرب صليبية على مادية المادة

30 أبريل
تجربة

العقل الإنساني لن يدخل ملكوت الحرية إلا عندما يُرْفَع التحريم عن السؤال، ويتحرَّر السائل من كل قيد في بحثه عن الجواب، فلا سؤال محرَّم، ولا جواب يُحْكَم على صاحبه بما، وكما، حُكِم على آريستاركوس.

لقد بدأ رجل الدين حواراً عقلانياً مع السائل المتشكِّك، الذي تشجَّع، فسأل رجل الدين: “وماذا كان يفعل الله قَبْلَ خلقه الكون؟”، فاغتاظ رجل الدين، وأجاب مُنْهياً الحوار العقلاني: “كان يُعِدُّ جهنَّم لكل مَنْ تسوِّل له نفسه أن يسأل مثل هذا السؤال”!

مِنْ أين جاء الكون؟ هل مِنْ مُوجِدٍ له؟ وإذا زعمتَ أنْ لا مُوجِد له، فأي عقل يصدِّق أنَّ هذا الكون العظيم لم يُخْلَق، أو أنَّه أوْجَدَ نفسه بنفسه؟! هل مصادفةً وُجِدَ هذا الكون؟! أليس لكل موجود مُوجِد؟! إذا كان هذا الشيء التافه قد صنعه صانع، فكيف هذا الكون العظيم، المنظَّم تنظيماً مُحْكماً مُتْقَناً؟!

أسئلة كثيرة مِنْ هذا النمط، يسألها المؤمن، وغير المؤمن، ولكنْ كلاهما لا يجرؤ على الادعاء بأنَّ لديه مِنَ الأجوبة القاطعة المُقْنِعة المُفْحِمة ما يمنع الآخر مِنَ الاستمرار في السؤال.

لو كُنْتَ غير مؤمن فربَّما تجيب المؤمن، قائلاً: “الفيزياء، وفي أحد أهم قوانينها، تقول إنَّ المادة لا تُخْلَق ولا تفنى، إنَّما تتحوَّل مِنْ شكل إلى آخر”. لو قُلْتَ ذلك لما أقنعته؛ لأنَّه سيردُّ عليكَ قائلاً: “المادة لا تُخْلَق ولا تفنى على أيدي البشر فحسب”. ولو قُلْتَ له إنَّ المادة سرمدية Eternity أزلية أبدية، لما أقنعته؛ لأنَّه يرى بعينيه، أنَّ كل شيء في هذا الوجود ينشأ ثمَّ يزول، يولد ثمَّ يموت، فكيف له أنْ يصدِّق زعمكَ ويكذِّب عينيه؟!

قد تَنْظُر إلى معتقده على أنَّه مِنْ أساطير الأوَّلين؛ ولكنَّه، الآن، سيُشهِر في وجهك سيف العِلْم الذي في أحدث وأهم منتجاته وهو “نظرية الانفجار الكبير” Big Bang يؤكِّد لكل المتشكِّكين أنَّ الكون أبصر النور قَبْلَ نحو 15 (أو 20) مليار سنة، وأنَّه قَبْلَ ذلك لم يكن مِنْ وجود لـ “المادة” Matter أو “الفضاء” Space أو “الزمان” Time فكلُّ ما في الكون مِنْ مادة كان “قَبْلَ” الانفجار العظيم (بداية الخَلْق) مركَّزاً في “نقطة” Singularity لا شيء يشبهها سوى “العدم” Nothingness الذي تحدَّث عنه الدين، ولو في غموض وإبهام، قَبْلَ أنْ “تؤكِّده” بعض التصوُّرات والنظريات الفيزيائية والكوزمولوجية.

هذه “النقطة” Singularity وبقوَّة يجهل طبيعتها أصحاب النظرية ومؤيِّدوها انفجرت انفجاراً لا مثيل له، في الفهم والتجربة البشريتين، فوُلِد الكون. ومع ولادة هذه النظرية الكوزمولوجية الكبرى صار للدين سند قوي في الفيزياء، التي لا تنكر أنَّ الدين أوحى إليها بالفكرة الجوهرية في هذه النظرية.

الخَلْق Creation هو، في الأصل، مفهوم ديني؛ لكن بعض الفيزيائيين والكوزمولوجيين حاولوا إلباسه اللبوس الفيزيائي، متَّخذين بعض الجوانب الجوهرية مِنْ نظرية، أو فرضية، “الانفجار العظيم” Big Bang سبيلاً إلى ذلك. هؤلاء لم يُوَفَّقوا في محاولتهم هذه؛ لفشلهم في توضيح وتحديد مفهومين مهمَّين، هما في منزلة الضلعين مِنْ “مُثلَّث الخَلْق”. وهذان المفهومان، هما: “المادة” Matter و”العدم” Nothingness. فما هي المادة؟ وما هو العدم؟

لا أحسبُ أنَّني أُغالي إذا قلتُ إنَّ الفيزياء والفلسفة لم تتوصَّلا بَعْد، على الرغم مِنْ جهودهما المضنية في هذا الصدد، إلى جلاء الغموض عن مفهوم “المادة”. حتى الماديين الكبار لم يتوصَّلوا، في سعيهم الفلسفي لـ “تعريف” المادة، إلى أكثر مِنْ تعريف هذا الشيء (المادة) عَبْر مقارنته بضده، فاستخلصوا تعريفهم لـ “المادة” مِنَ المقارنة بين الظواهر المادية والظواهر الروحية (أو الفكرية). إنَّني لا أقولُ بخطأ هذا التعريف، وإنَّما بالحاجة إلى استكماله وتوسيعه وتعميقه، عبر مزيدٍ من التعاون بين الفيزياء والفلسفة.

الفيزياء تشوَّش عليها الأمر، فأخْرَجَت “الطاقة” Energy مِنْ مفهوم “المادة” Matter إذ عرَّفت المادة، مِنْ قَبْل، على أنَّها “كل شيء يشغل حيِّزاً وله كتلة”. وبَعْدَ ذلك، عرَّفتها على أنَّها “كل شيء يشغل حيِّزاً وله خاصيَّة الجاذبية Gravity وخاصيَّة القصور الذاتي Inertia”. ثمَّ خلطت مفهوم “المادة” بمفهوم “الكتلة” Mass إذ قالت إنَّ المادة (وكان ينبغي لها أنْ تقول “الكتلة”) تتحوَّل إلى طاقة.

وقد بلغ التشوُّش مبلغه بجَعْل المادة، في “أصلها”، أو “أبجديتها”، مُطابِقة لعنصر مادي ما (الذرَّة Atom ثمَّ جُسيْم Particle مِنْ جسيماتها). وقد ظلَّ بعض الفيزيائيين، وربَّما غالبيتهم العظمى، في بحثٍ مضنٍ، ولكنْ غير مُجدٍ، عن “المادة الأوَّلية”، أو “الجسيم الأوَّلي” Elementary Particle فالفيلسوف الإغريقي القديم ديمقريطس Democritus غرس في عقولهم فكرة الجسيم الأوَّلي Atom التي بموجبها يمكن أنْ ينحل كل جسم مادي ويتفكَّك وينقسم حتى يبلغ، في آخر المطاف، ذلك الجسيم الأوَّلي (البسيط، غير المركَّب) الذي عنده يبلغ الانحلال أو التفكُّك أو الانقسام نهايته.

جسيم ديمقريطس

هذا التصوُّر الفلسفي، الذي جاء به حَدْس ديمقريطس، ما زال مسيطراً على طريقة التفكير لدى فئة واسعة مِنَ الفيزيائيين والكوزمولوجيين، الذين ينتظرون، كمَنْ ينتظر شروق الشمس مِنْ مغربها، أو سقوط السماء، العثور على جسيم ديمقريطس (الخرافي) ليعلنوا، بَعْدَ ذلك، أنَّهم أمسكوا، أخيراً، بـ “الأصل المادي”، الذي منه تركَّبت، أو بُنِيَت، كل الأجسام والجسيمات، والذي لا يتألَّف هو ذاته مِنْ جسيمات، مثله مثل “الحرف” لجهة علاقته بـ “الكلمة”.

هُم، الآن، وبعدما خيَّب انقسام الذرَّة سعيهم وأملهم، يعلِّقون آمالهم على جسيمات يسمُّونها “أوَّلية” كمثل الكوارك Quark أو الإلكترون Electron معتقدين أنَّ كلا الجسيمين غير قابل للانقسام، أي لا يتكوَّن مِنْ جسيمات، ولا يمكن، بالتالي، تصوُّر فراغ Vacuum أو فضاء Space في داخله، كمثل الفراغ أو الفضاء في داخل الذرَّة. وهكذا ظلَّ مفهوم “المادة” هو ذاته مفهوم “الجسيم الأوَّلي البسيط غير المركَّب”، فظلَّ التشوُّش في الفهم والنظر سائداً ومسيطراً في الفيزياء والفلسفة.

وعلى سبيل التشبيه نقول إنَّ البحث عن “المادة”، في هذه الطريقة، أي في “طريقة ديمقريطس”، هو كالبحث عن “الفاكهة”، فأنتَ مهما بحثتَ لن تعثرَ إلا على “البرتقالة”، أو “التفاحة”.. فـ “الفاكهة” إنَّما هي “المُجرَّد” الذي يتجسَّد في نوع بعينه من الفاكهة.

في “العالم المادي”، ليس مِنْ وجود فعلي إلا لـ “الأشياء”، أي لكل ما هو “ملموس”، و”عيني”، و”محدَّد”. لا وجود فيه إلا لـ “الشيء الفرد، المتفرِّد، الذي لا نظير له”، فما يشبه، أو يماثل، “البصمة” هو، وحده، مِنَ الأشياء، الذي يُوْجَد وجوداً فعلياً في “العالم المادي”.

ولمزيدٍ مِنَ التوضيح، أقول ليس في “العالم المادي” مِنْ وجود فعلي لـ “البرتقالة العامة”، فالبرتقالة الموجودة بالفعل إنَّما هي “هذه البرتقالة التي أمسك بها الآن..”. وليس فيه مِنْ وجود فعلي لـ “الإنسان العام”، فهذا الشخص، المدعو “عمر بن.. بن.. بن..”، والذي يجلس إلى جانبي، الآن، هو الموجود وجوداً فعلياً.

والبحث عن “المادة” في “العالم المادي” لا يعني، ويجب ألا يعني، أنْ نبحث عن “شيء بعينه”، فـ “المادة” هي كل شيء فرد، متفرِّد، لا نظير له، ولكنها ليست “شيئاً بعينه”.

والبحث عن “الأصل المادي” للوجود لا يعني، أبداً، أنْ نبحث عن “شيء فرد، متفرِّد، لا نظير له”، مثل “الكوارك”.. عن شيء تتألَّف منه كل الأشياء، ولا يتألَّف هو مِنْ أي شيء. فليس في “العالم المادي” مِنْ شيء، مهما صغر، يمكن أنْ ننظر إليه على أنَّه “الأصل المادي” للوجود، أو أحد أصوله المادية (القليلة). إنَّ “الأصل”، أو “الجوهر” المادي للوجود ليس بشيء محدَّد، ملموس.. ليس بشيء فرد، متفرِّد.

قُلْنا إنَّ “المادة الأوَّلية” هي “جسيم خرافي”، فوجود “الجسيم الأوَّلي” إنَّما هو المستحيل بعينه. وكلُّ القائلين بوجوده، والذين ينظرون إلى “الإلكترون” و”الكوارك” على أنَّهما مِنَ “الجسيمات الأوَّلية”، لم يكلِّفوا أنفسهم عناء البحث في “ماهيَّته”، فإذا كان لجسيم “الإلكترون”، الذي يحسبونه “جسيماً أوَّلياً”، “كتلة”، و”حجم”، فما هو “محتواه”؟ ومِمَّ يتألَّف “باطن”، أو “داخل”، هذا الجسيم؟!

بحسب “المعنى الفيزيائي” لـ “المادة الأوَّلية”، والذي اخترعوه، لا تُعدُّ المادة “أوَّلية” إذا كانت “تتألَّف مِنْ جسيمات”، فـ “باطنها”، أو “داخلها”، يجب أنْ يخلو تماماً مِنَ “الجسيمات”. فهل مِنْ “فضاء”، أو “فراغ”، في داخل “المادة الأوَّلية”؟ لا جواب عندهم عن هذا السؤال.

فلنفترض أنَّ “الباطن” مِنَ “المادة الأوَّلية”، والذي يخلو تماماً مِنَ الجسيمات، على ما يزعمون، يشتمل على “فضاء”، فما هي ماهيَّة وخواص هذا “الفضاء”؟!

هذا “الفضاء” الافتراضي، والذي يخلو تماماً مِنَ الجسيمات إنَّما هو “فضاء ميتافيزيقي”، أو “فضاء خالص”. والقول بمثل هذا الفضاء إنَّما يُناقِض اكتشافاً مِنْ أهم الاكتشافات الفيزيائية والكوزمولوجية وهو أنْ لا وجود في الكون لـ “الفضاء المطلق”، أي للفضاء الذي لا أثر فيه لـ “المادة”!

القول بـ “مادة أوَّلية” تشتمل على “فضاء” يخلو تماماً مِنَ الجسيمات إنَّما يَعْدِل، في معناه، القول بـ “الفضاء الخالص”، وكأنَّ “الجسيم الأوَّلي” هو “المادة” التي في داخلها يقيم “الفضاء الخالص”!

نحن نَعْلَم أنَّ “الإلكترون”، الذي يحسبونه “جسيماً أوَّلياً”، “يؤثِّر” و”يتأثَّر” بغيره مِنَ الجسيمات، وبالأجسام. ونَعْلَم، أيضاً، أنَّ هذا “التفاعُل”، أو “التأثير المتبادل”، يحتاج إلى “قوى”، تحتاج إلى “جسيمات”، تَحْمِل وتَنْقُل، عَبْر “الفضاء”، “التأثير” مِنْ مادة إلى مادة.

هذا يعني أنَّ “الإلكترون” ينبغي له أنْ “يُطْلِق”، وأنْ “يمتص”، تلك “الجسيمات الناقلة (أو الحاملة) لتأثير القوى”.. يعنى أنَّ في داخل الإلكترون مِنَ “المواد” و”العناصر” و”الجسيمات”، ومِنْ “مقاديرها” أيضاً، ما يُفْقِدُ صفة “الأوَّلي” معناها، فـ “المادة الأوَّلية” إنَّما هي “الجسيم عديم القوى”. ويكفي أنْ يقوم “الجسيم الأوَّلي” بإطلاق وامتصاص مادة متناهية في الصِغَر حتى تَفْقِد صفة “الأوَّلي” معناها.

وهكذا يقود مفهوم “المادة الأوَّلية”، أي المادة التي لا تتألَّف مِنْ جسيمات، إلى مفهوم خرافي وميتافيزيقي آخر هو مفهوم “المادة عديمة القوى”. وهذا النوع الخرافي مِنَ “المادة” هو عينه “المادة التي لا تؤثِّر ولا تتأثَّر بغيرها”.

ولو كان “الإلكترون” مِنْ هذا النمط مِنَ “المادة” لاستحال وجود “الذرَّة”، التي ينبغي لنا أنْ ننظر إلى وجودها على أنَّه، في جانب مِنْ جوانبه الأساسية، ثمرة تفاعل بين الإلكترون و”النواة (ومكوِّناتها)”.

“الأوَّلي” مِنَ “المادة”، إذا ما افتَرَضْنا وجوده، لا بدَّ مِنْ أنْ يكون مادة يستحيل انحلالها وتفكُّكها، كما يستحيل اتِّحادها مع غيرها. وغني عن البيان أنَّ وجود مادة كهذه لا يسمح بوجود الكون.

إنَّ العالم المادي لا يعرف مِنَ الجسيمات والأجسام إلا ما هو في تفاعُل دائم مزدوج: تفاعُل في داخله، أي بين مكوِّناته وعناصره، وتفاعُل خارجي، أي بين هذا الجسيم أو الجسم وبين غيره مِنْ مكوِّنات وعناصر العالم المادي. وهذان التفاعُلان متداخلان، يؤثِّر كلاهما، ويتأثَّر، بالآخر، فالجسيم أو الجسم هو، دائماً، متَّحِد في الداخل، أي أنَّ مكوِّناته متَّحدة، ويتَّحد مع الخارج، أي مع مكوِّنات وعناصر العالم المادي.

قد يقولون، في دفاعهم عن “حق المادة الأوَّلية في الوجود”، إنَّ “الجسيم الأوَّلي” ليس له مكوِّنات أو عناصر مادية، أي لا يتألَّف مِنْ جسيمات، ولكنه يتكوَّن ويتألَّف مِنَ “الطاقة”.

نحن نَعْلَم أنَّ لـ “الإلكترون”، مثلاً، “كتلة”، وأنَّ الكتلة هي طاقة مركَّزة أو مكثَّفة أو مجمَّدة. ونَعْلَم، أيضاً أنَّ كتلة هذا الجسيم، “الأوَّلي” على ما يزعمون، تقلُّ في حال السكون عنها في حال الحركة، فـ “حركة الإلكترون” تضيف إليه مزيداً مِنَ “الكتلة”. وفي العالم المادي، نرى “الكتلة”، ونرى “الطاقة”. نرى “المادة” في شكل “الكتلة”، ونراها في شكل “الطاقة”. ولا شكَّ في أنَّ “عالم المادة في شكل الطاقة” ما زال يفتقر، في معارفنا العلمية، إلى كثير مِنَ الحقائق الموضوعية. وهذا الافتقار هو ما يشجِّع على كثير مِنَ الأوهام والأباطيل الإيديولوجية في تصوُّراتنا الفيزيائية والكوزمولوجية.

إنَّ “عالم المادة في شكل الطاقة” لا يختلف، في خواصِّه الجوهرية والعامة، عن “عالم المادة في شكل الكتلة”، فهو له “بنية جسيمية”. وهذه البنية ربَّما لا تقلُّ “تنوُّعاً” عن “البنية الجسيمية” لـ “عالم المادة في شكل الكتلة”، فـ “عالم الطاقة” هو عالم “التنوُّع الجسيمي”. والجسيمات في هذا العالم تتحرَّك في الفضاء، أو الفراغ، كما الجسيمات في “عالم الكتلة”. ولو كان “عالم الطاقة” في حال مِنَ “التماثُل النوعي” لما أنتج مِنْ “جسيمات عالم الكتلة” إلا “المتماثِل نوعاً”. نَعْلَم أنَّ “طاقة خالصة” تَنْتُج مِنَ “الفناء المتبادل” لـ “الإلكترون” وجسيمه المضاد “البوزيترون”. وتَنْتُج، أيضاً، مِنَ “الفناء المتبادل” لـ “البروتون” و”البروتون السالب”. ولكنَّ هذه “الطاقة الخالصة”، أو “الفوتونات المتصادِمة”، تُنْتِج أنواعاً مختلفة مِنَ “الجسيمات المتضادة”. وهذا الاختلاف في منتجاتها إنَّما يدلُّ على أنَّ “عالم الطاقة” ليس في حالٍ مِنَ “التماثُل النوعي”.

يتضح مِنْ ذلك أنَّ قولهم بـ “مادة أوَّلية” تتألَّف مِنَ “الطاقة الخالصة” فحسب لا يحل المشكلة، فحتى هذه المادة ليست بـ “الأوَّلية”؛ لأنَّ للطاقة بنيتها الجسيمية المتنوِّعة. ولسوف يجيء اليوم الذي تكتشف فيه الفيزياء أنَّ “الإلكترون” ليس بالجسيم الأوَّلي، أي ليس بالمادة التي لا تتألَّف مِنْ جسيمات. سيكتشفون في داخله “جسيمات” و”طاقة” و”فراغ” و”حركة”. وسيكتشفون أنَّه يمكن أنْ ينحل ويتفكَّك، فالانحلال أو التفكُّك هو مِنَ الخواص الجوهرية للمادة؛ لأنَّ المادة “مركَّبة”، مهما كان نوعها أو حجمها.

“الجسيم الأوَّلي” إنَّما هو مادة “عديمة التناقض”، أي “عديمة الحياة”، فـ “التناقض الداخلي” للشيء، للجسم أو الجسيم، والذي هو أصل ومصدر كل تطور، لا يبقى له مِنْ وجود في “المادة الأوَّلية”، فالقول بمادة لا تتألَّف مِنْ جسيمات إنَّما يَعْدِل القول بمادة عديمة التناقض.

“المادة المركَّبة”، وكل مادة يجب أنْ تكون “مركَّبة”، هي وحدها المادة “المتناقضة داخلياً”، أي المادة التي في تطوُّر مستمر لا نهاية له، فإذا كانت “أوَّلية” فهذا يعني أنَّها لا تنحل ولا تتفكَّك. والذي لا ينحل ولا يتفكَّك لا يمكنه أنْ يكون “لبنة” في بناء “مركَّبات مادية”، فـ “الجسيم الأوَّلي” يجب أنْ يكون “غير أوَّلي” حتى يَدْخُلَ في تكوين “المركَّبات المادية”.

“الخواص المادية”، أي خواص الشيء، ليست كلها “ظاهرة”، وليست كلها “كامنة”، فبعضها “ظاهر”، وبعضها “كامن”. وتطور الشيء إنَّما يعني أنَّ “الظاهر” من خواصِّه يكمن، و”الكامن” منها يَظهر. وهذا التطور في خواصِّه هو العاقبة الحتمية لـ “التفاعُل الدائم” بينه وبين بيئته، فالشيء، في خواصِّه المختلفة، هو ابن بيئته. هو ثمرة التفاعُل الدائم بينه وبين بيئته المتغيِّرة في استمرار، فـ “النيوترون”، على سبيل المثال، تختلف خواصه باختلاف بيئته، فخواص “النيوترون الحر” تختلف عن خواص النيوترون في داخل نواة الذرَّة. لقد اختلفت البيئة، فاختلف تفاعُله معها، فاختلفت خواصه، أي كمن الظاهر منها، وظهر الكامن. ونحن لو أمعنا النظر في أسباب هذا الاختلاف في خواص الشيء لرأينا أنَّ “الاختلاف في مكوِّناته”، كمَّاً ونوعاً، كان مِنْ أهم تلك الأسباب.

الكون Universe الآن في حالة تمدُّد Expansion. فإذا حلَّت به “الكارثة”، أي إذا “انهار على ذاته”، فإنَّ انحلال، أو تفكُّك، المادة سيتمخَّض، في نهايته، وُفْق تصوُّرِهم، عن جسيمات أوَّلية، هي: الإلكترون والنيوترين Neutrino والفوتون Photon.

وَهُم يفترضون أنَّ الكون عَرَفَ، بَعْدَ 10 ثوانٍ مِنَ “الانفجار العظيم”، أنواعاً مِنَ “الجسيمات الضخمة” Massive Particles التي انحلت، أخيراً، بسبب تزايد برودة الكون، في أثناء (وبسبب) تمدُّده، فنَتَجَ مِنْ انحلالها جسيمات أوَّلية، هي الكواركات والليبتونات Leptons.

يفترضون، أو يعتقدون، ذلك على الرغم مِنْ أنَّ برودة الكون الناتجة مِنْ تمدُّده أو مِنْ مرحلة انتفاخه Inflation تجعل ميل المادة إلى الاندماج والاتِّحاد أقوى من ميلها إلى الانحلال والتفكُّك، فـ “البرودة الكونية” هي، في تطوُّر “تركيب المادة”، قوَّة “دمج وتوحيد”، فكيف يُنْظَر إليها، ضمن فرضية “انحلال الجسيمات الضخمة”، على أنَّها قوَّة “انحلال وتفكُّك”؟!

طَرْح هذا السؤال التعجُّبي، أو الإنكاري، قد يكشف عن “تناقض منطقي” في افتراضهم أو اعتقادهم. ولكن ذلك لا يعني نفي وجود “تناقض واقعي”، ينطوي عليه فِعْل وتأثير “البرودة الكونية”، فهذه البرودة قد تؤدِّي، مع اختلاف الظروف والأحوال الفيزيائية الكونية، إلى “نتيجتين متناقضتين” واقعياً وليس منطقياً، أي أنَّها تؤدِّي، تارةً، إلى “الانحلال والتفكُّك”، وتؤدِّي، طوراً، إلى “الاتِّحاد والاندماج”.

وبحسب الافتراض ذاته، ارتبط وجود “الجسيمات الضخمة” بوجود “قوَّة واحدة لا غير” تفرَّعت منها، مع انحلال هذه الجسيمات، القوى الأربع في الطبيعة. وهذه القوَّة الأُم إنَّما كانت تعمل وتمارس التأثير ضمن هذا “الوسط الجسيمي البدائي”. وقد اشتملت، أو انطوت، على الخواص الفردية لكل قوَّة مِنْ تلك القوى الأربع، أي أنَّ ما يشبه “التمايُز” أو “التغايُر” في تركيب وعمل القوَّة الكونية الأولى، العامة والشاملة، هو الذي أفضى إلى ظهور القوى الأساسية الأربع في الطبيعة. وهكذا اقترن، بحسب افتراضهم، “الانحلال الجسيمي البدائي” بـ “انحلال القوَّة الأُم”.

الفراغ

فلننظر، الآن، في مفهوم “الفراغ” Vacuum إذ ثمَّة مَنْ يقول بـ “الفراغ المطلق”، الذي يَعْدِل “العدم”، وهو “الحالة” التي فيها لا يبقى مِنْ أثر لـ “المادة”!

في الأرض، ليس ثمَّة شيء يمكن تسميته “الفراغ الكامل” أو “المثالي” Perfect Vacuum. إنَّ الفضاء Space هو، وحده، الذي يشبه حالة “الفراغ الكامل”. نقول “يشبه”؛ لأنْ لا وجود لمثل هذه الحالة في أيِّ جزء مِنْ أجزاء الفضاء الكوني غير المحدود.

الفراغ الكامل، أي الحالة التي لا وجود فيها للمادة، إنَّما هو هراء (فلسفي أو فيزيائي أو كوزمولوجي) يماثل هراء أنَّ المادة يمكن أنْ تُوجَد مِنْ دون فضاء. فالفضاء ليس فيه هذا الفراغ الكامل؛ لأنَّ فيه، دائماً، وفرة مِنَ الطاقة، التي لا تمتُّ بصلة إلى مفهوم الطاقة الخالصة (أو المثالية) الذي اخترعوه ليتَّخذوه، أو ليتَّخذه غيرهم، سلاحاً (فيزيائياً) في محاربة “المادة”.

والفضاء ممتلئ بغاز رقيق، منتشر بين النجوم. وهو (مع “الغبار الكوني”) أشدَّ كثافة في جوار المجرَّات. ويلفُّ كلَّ مجرَّة ضباب، يتألَّف معظمه مِنْ ذرَّات هيدروجين، تُوْجَد في شكل أيونات Ions بسبب الإشعاع المنبعث مِنَ النجوم. وكان هارتمان هو أوَّل مَنْ اكتشف وجود هذا الغاز سنة 1904. حتى الحامض الأميني، الذي هو الجزيئات الأساسية للحياة، ثَبُت وجوده في الفضاء.

و”الفضاء”، في فَهْمٍ أدقَّ وأعمق، هو “جزء لا يتجزأ” مِنْ تكوين “المادة”، فليس مِنْ شيء في “العالم المادي”، غير المحدود، أكان هذا الشيء جسماً أم جسيماً، كتلة أم طاقة، لا يَدْخُل “الفضاء” في تكوينه.

لو أنَّكَ أفرغتَ “العالم المادي”، بكل أجسامه وجسيماته، مِنَ “الفضاء” فلن يبقى مِنْ وجود لا لـ “القوى”، ولا لـ “الحقول”. و”العالم المادي” الذي يخلو مِنَ “القوى” و”الحقول” لن يبقى فيه لا أجسام ولا جسيمات.. لن يبقى فيه “مادة”.

إنَّكَ تستطيع، مِنَ الوجهة النظرية، أنْ تُركَّز الكتلة أو الطاقة في حيِّزٍ متناهٍ في الصغر، ولكنَّكَ لن تستطيع، أبداً، استنفاد الفضاء، أو الفراغ، في هذه الكتلة أو الطاقة المُركَّزة.

يُقال إنَّ الفراغ هو الوسط المثالي بالنسبة إلى الضوء في سفراته الطويلة، ولكنْ لو كان الفضاء (بين النجوم والمجرَّات) فراغاً مطلقاً (لا أثر فيه للمادة) لما استطاع حتى الضوء السير والانتقال فيه.

هذا الفضاء، المظلم، البارد، الذي تنتشر فيه “نقط مضيئة”، تسمَّى النجوم والمجرَّات، إنَّما هو “وسط مادي شفَّاف”. هو مكان تغمره الطاقة والجزيئات والذرَّات ونوى الذرَّات والجسيمات دون الذرِّية والمادة دون الجسيمية ومقادير هائلة مِنْ أنواع أخرى مِنَ المادة المتناهية في الصغر والدقَّة.

الفراغ المطلق لا وجود له في الكون؛ ذلك لأنَّه ليس بالوسط الذي يسمح للأجسام والجسيمات بأنْ تتفاعل وتتبادل التأثير (وبأن تتطور بالتالي).

إنَّه وسط لو افترضنا أنَّ له وجوداً لكان، مِنْ حيث علاقته بـ “تفاعُل المادة”، كمثل “الحاجز المانع”، فتفاعُل الأجسام والجسيمات وتبادلها التأثير لا يمكن فهمهما إلا على أنَّهما جريان لمقادير هائلة مِنَ المواد المتناهية في الصغر والدقَّة في مجاري الفراغ. وليس مِنْ جسمين، أو جسيمين، يمكن أنْ يتفاعلا، وأنْ يؤثِّر أحدهما في الآخر، إلا إذا كان الفضاء (أو الفراغ) الفاصل بينهما (والواصل بينهما في الوقت نفسه) مجرى تجري فيه المواد المتناهية في الصغر والدقَّة مِنْ منبعها (في هذا الجسم أو الجسيم) إلى مصبِّها (في ذاك الجسم أو الجسيم).

وهذا المجرى لا يكون، قَبْل تفاعُل هذين الجسمين أو الجسيمين، خالياً بالكامل مِنَ المادة، فهو، دائماً، ممتلئ بها، ولكن منسوب “المادة” فيه، يعلو أو يهبط، ويختلف في محتواه وتكوينه النوعي، فالجسم أو الجسيم إنَّما يشبه حشرة العنكبوت، التي مِنْ لعابها تنسج خيوطاً، ولكنَّه ينسج هذه “الخيوط” (المادة المتدفقة منه دائماً) ليرتبط بها (عبر الفضاء أو الفراغ) بغيره مِنَ العناصر المادية، القريبة والبعيدة، التي هي، جميعاً، تنطوي على ميلين متناقضين متلازمين: ميل إلى التجاذب، وميل إلى التنابذ. وكلا الميلين يتجسَّد بما تتبادله هذه العناصر من مادة.

بعض الكوزمولوجيين يتشبَّثون (تشبُّثاً فلسفياً مثالياً مغلَّفاً بعبارات فيزيائية) بفكرة الفراغ الكامل الذي يَلِد جسيمات (مادة) حتى يتمكَّنوا من الادِّعاء بأنَّ المادة، وخلافاً لقانون “حفظ المادة”، تنبثق مِنَ العدم. ولكنْ ليس بالفيزياء، وإنَّما بطريقة واحدة لا غير يمكن الحصول على “شيء” مِنْ “لا شيء”، هي “الخَلْق”، الذي لا يحدث إلا إذا أراد “الخالق”، فمِنْ “لا شيء” يمكنكَ، فحسب، أنْ تَخْلِق “لا شيء”!

وكان البابا قد صرح، في مؤتمر ضمَّ فيزيائيين وكوزمولوجيين، قائلا: “لكم الحق في أنْ تبحثوا تطوُّر الكون بَعْدَ الانفجار العظيم Big Bang ولكن لا يجوز، لا لنا ولا لكم، البحث في هذا الانفجار ذاته؛ لأنَّه لحظة خَلْق، وعمل قام به الخالق”.

البابا في قوله هذا، كان يردُّ على أحد المشاركين في المؤتمر، والذي أعرب عن اعتقاده بأنَّ الكون ليس له بداية أو نهاية في الزمان، وإنْ كان “محدوداً” أو “متناهياً” في المكان، كما لم يعرف “لحظة الخَلْق”!

هذا المشِارك، استفزَّ مشاعر البابا، ولكنَّه لم يكن مُوفَّقاً في دفاعه عن وجهة نظره، إذ ليس مِنَ المنطق في شيء القول بكوْنٍ “محدود” Finite في المكان، ولكنْ ليس له مِنْ “بداية” أو “نهاية” في الزمان!

ونُذَكِّر، في هذا السياق، بأنَّ الكنيسة الكاثوليكية أعلنت رسمياً سنة 1951 أنَّ نموذج “الانفجار العظيم” Big Bang يتَّفق مع ما ورد في “الإنجيل” في شأن طريقة خَلْق الكون.

وكان رجال دين يهود، في القرون الوسطى، قد قرَّروا، أنَّ خَلْق الكون حدث سنة 3760 قَبْلَ الميلاد. أمَّا الأسقف اشِر فأوضح أنَّ خَلْق الكون كان سنة 4004 قَبْلَ الميلاد. وطوال القرن الثامن عشر، كان الاعتقاد السائد هو أنَّ عُمْر الكون لا يزيد عن ستة أو سبعة آلاف سنة!

“العدم”.. في “ميكانيكا الكم”!

استناداً إلى “ميكانيكا الكم” Quantum Mechanics يعتقد بعض الفيزيائيين والكوزمولوجيين أنَّ حيِّزاً متناهياً في الصِغَر مِنَ الفراغ Vacuum الذي كان يُعتقد، مِنْ قَبْل، أنَّه “فضاء فارغ” يمكن أنْ تظهر فيه “كمِّية ضئيلة مِنَ الطاقة” لتختفي فوراً، فثَّمة جسيمات (والجسيم مؤلَّف مِنْ طاقة) يُسمُّونها Virtual Particles”” تأتي إلى الوجود مِنْ “فضاء فارغ مِنَ المادة”، أي أنَّها تأتي مِنَ العدم، لتختفي فوراً.. إنَّها ما أنْ تأتي مِنَ “العدم” حتى تعود إليه، في زمنٍ متناهٍ في الضآلة، حتى أنَّ قانون “حفظ المادة”، ولضآلة هذا الزمن، لا “يحسُّ” بوجود تلك الجسيمات، فهي تظهر وتختفي في “غفلةٍ” منه!

هذا الجمهور مِن الفيزيائيين والكوزمولوجيين، المتسلَّحين بـ “ميكانيكا الكم”، ينفون، أوَّلاً، وجود مثل هذا “الفضاء الفارغ”، ولكنَّهم سرعان ما يقولون بجسيمات تأتي إلى الوجود مِنْ حيِّزٍ متناهٍ في الصغر مِنْ “فضاء فارغ مِنَ المادة”، وكأنَّهم ينفون، فحسب، أنْ يكون “الفضاء الفارغ” غير قادرٍ على أنْ يَلِد تلك الجسيمات، فـ “الفضاء الفارغ” الذي ينفون وجوده في الكون إنَّما هو، في رأيهم، ذاك “الفضاء الفارغ الذي لا يملك خاصيَّة الخَلْق المستمر للمادة مِنَ العدم”!

لقد أصرُّوا على أنَّ “الكتلة” و”الطاقة” يمكن أنْ تظهرا إلى الوجود (في الفضاء) مِنْ حيث لا وجود للمادة، ولكن ظهورهما المباغت مشروط بأنْ تختفيا مِنَ الوجود فوراً، فـ “الجسيم” و”الجسيم المضاد” ينبثقان فجأة مِنْ “لا شيء”، ثمَّ يفني كل منهما الآخر (Annihilation) فوراً مِنْ دون أنْ تتولَّد عن فنائهما طاقة، أي مِنْ دون أنْ تترتب على فنائهما زيادة في مقدار المادة الكونية.

ويقولون إنَّ هذا الظهور المباغت للجسيمات ينطوي على خرقٍ لقانون “حفظ المادة”، ولكنَّهم يعتبرونه “خرقاً مؤقتاً”، فهذه “الزيادة” في كتلة الكون وطاقته تزول مع الزوال الفوري للجسيمين المتضادين. إنَّها تزول قَبْلَ أنْ “يحسَّ” بها قانون “حفظ المادة”!

هذا القول، الذي ينسبونه إلى “فيزياء رصينة”، لا معنى واضحاً له سوى المعنى الآتي: إنَّ مقداراً مِنَ المادة، أي مِنَ الكتلة أو الطاقة، يمكن أنْ يظهر، فجأة، في الفضاء (أو الفراغ) مِنْ “لا شيء”، أي مِنَ “العدم”، ولكن شرط ظهوره المفاجئ هذا، هو “أنْ يزول فوراً”، أي أنْ يعود، ثانيةً، إلى “العدم”!

نحن نعتقد معهم بضرورة وجود هذه الظاهرة مِنَ النشوء والزوال الماديين، في الفضاء، على أنْ يُفْهَم الفضاء، أو الفراغ، على أنَّه وسط مادي، فلا يَحْدُث هذا “النشوء” أو “الزوال” إلا إذا كان تحوُّلاً مادياً لا ينطوي على أقلِّ خرق أو انتهاك لقانون “حفظ الكتلة والطاقة”.

الظاهرة”.. في جوار “الثقب الأسود”

يقولون إنَّ جسيمين متضادين (إلكترون وبوزيترون مثلاً) يمكن أنْ يظهرا، بغتةً، مِنْ حيث لا وجود لـ “المادة”، عند الحدِّ الخارجي لـ “ثقب أسود”Black Hole أي على مقربة مِنْ جزئه المسمَّى “أفق الحدث” Event Horizon.

في هذه الحال، يمكن أنْ يجتاز أحدهما (قَبْلَ أنْ يفني كل منهما الآخر) هذا الحد، ليسقط في عمق “الثقب الأسود”. وفي هذه الحال، أيضاً، يهرب الجسيم الآخر في الفضاء، حاملاً طاقة استمدَّها مِنَ “الثقب الأسود”، فيبدو “الثقب” للمراقب الخارجي مُطْلِقاً للطاقة في استمرار.

مِنْ ذلك، نفهم، أو يريدون إفهامنا، أنَّ “العدم” يتخلَّل “الفضاء”، وأنَّ مِنْ هذا “العدم” تنبثق مادة، أو جسيمات (Virtual Particles) متضادة، مثل “الإلكترون” و”البوزيترون”. غير أنَّ انبثاقهما لا يؤدِّي إلى أي زيادة في “كتلة” أو “طاقة” الكون؛ لأنَّ كلاهما يفني الآخر “فوراً”، أي أنَّهما يفنيان قَبْلَ أنْ “يحسَّ” بوجودهما قانون “حفظ المادة”.

إنَّهم يقولون بذلك على الرغم مِنْ أنَّهم لا يستطيعون إثباته، فـ “الظاهرة ذاتها”، وهي نشوء تلك الجسيمات مِنْ “لا شيء”، أو مِنَ “العدم”، غير مثبتة. فإذا هُم أثبتوا هذا الانبثاق للجسيمات المتضادة، فإنَّهم لا يملكون أي دليل على أنَّ “العدم” هو الحالة التي منها انبثقت تلك الجسيمات، فما هو دليلهم على أنَّ “الموضع الفضائي” الذي منه انبثقت كان موضعاً “تنعدم” فيه “المادة” بكل أشكالها وصورها؟!

ومِنْ هذه الظاهرة، التي تحتاج إلى إثبات، لم ولن يتوصَّلوا إليه، بنوا “نظرية” يشرحون فيها “كيفية تبخُّر الثقب الأسود”، فقالوا إنَّ انبثاق جسيمات متضادة مِنْ “مواضع العدم” عند تخوم “ثقب أسود” هو ما يجعل هذا “الثقب” يتبخَّر، أي يفقد، بالتدريج، مخزونه مِنَ “الكتلة” و”الطاقة”.

وهذا “الفَقْد المتدرِّج” لا بدَّ له مِنْ أنْ يؤدِّي، في آخر المطاف، إلى تلاشي “الثقب الأسود”، ولكنَّ هذا “التلاشي” لا يعني أنَّ “كتلة (أو “طاقة”)” الكون قد نقصت، فكل ما حدث هو أنَّ الكتلة قد انتقلت مِنْ مكانها في “الثقب الأسود” إلى مكان آخر في الكون. أمَّا “الكيفية” فهي على النحو الآتي: “الثقب الأسود” يلتهم أحد هذين الجسيمين المتضادين اللذين انبثقا مِنَ “العدم” في جواره. يلتهمه “قَبْلَ” أنْ يفني كلا الجسيمين الآخر. يَنْتُج مِنْ هذا الالتهام أنَّ “الجسيم الآخر” يأخذ مِنَ “الثقب الأسود” طاقة، ثمَّ يهرب بها بعيداً في الفضاء. يترتَّب على هذه العملية أنَّ شيئاً مِنَ “التبخُّر” لمادة (كتلة وطاقة) هذا “الثقب” قد حدث، وأنَّ هذا “المفقود” مِنْ مادة “الثقب الأسود” يذهب إلى مكان آخر في الكون، فلا يحدث، بالتالي، أي خرق “دائم” لقانون “حفظ المادة”. وهكذا لا يؤدِّي التهام “الثقب الأسود” لأحد “الجسيمين المتضادين” إلى زيادة كتلته، وإنَّما إلى نقصها.

هذا التصوُّر قد يكون صحيحاً، كلِّياً أو جزئيَّاً، ولكن “الخلل الأعظم” الذي ينطوي عليه هو “مقدِّمته الافتراضية”، أي افتراضهم أنَّ كل تلك العملية (عملية تبخُّر أو تلاشي “الثقوب السوداء”) تبدأ مِنْ ذلك الخرق “المؤقَّت” لقانون “حفظ المادة”، أي مِن انبثاق جسيمات (Virtual Particles) مِنَ “العدم”. جواد

التموُّجات (أو التقلُّبات) الكمِّية

أنصار هذه النظرية، أو هذا التصُّور، فضَّلوا أنْ يسمُّوا هذا العدم، الذي قالوا به، بعد انتهاكهم لأهم قانون فيزيائي، هو قانون”حفظ المادة”، أي قانون “حفظ الكتلة والطاقة”، تسمية فيزيائية، هي “التموُّجات (أو التقلُّبات، أو التذبذبات، أو الترددات) الكمِّية” Quantum Fluctuations للفراغ!

وهكذا قادهم الاعتقاد بوجود فضاء أو جزء مِنَ الفضاء (ولو كان متناهياً في الصِغَر) يخلو خلوَّاً مطلقاً مِنَ المادة إلى القول بخلق هذا النوع مِنَ الجسيمات مِنْ “عدم” عبَّروا عنه بلغة فيزيائية ليس إلاَّ.

وكان إدوارد ترايون اقترح، سنة 1970، فكرة أنَّ الكون يمكن أنْ يكون قد نشأ مِنْ “لا شيء”، أي مِمَّا يسمَّى “تقلُّبات الفراغ” Vacuum Fluctuation بحسب “النظرية الكمِّية”، معتقداً أنَّ الكون، بانبثاقه مِنْ “لا شيء”، كان مشتملاً على ما يسميه “الطاقة الصفرية (المعدومة)”.

وتجيز “النظرية الكمِّية”، كما لاحظنا، القول بالخلق “المؤقَّت” لما تدعوه “فقاقيع مِنَ الطاقة”، أو أزواج مِنَ الجسيمات مثل زوج الإلكترون والبوزيترون، مِنْ “لا شيء”، على أنْ تزول وتختفي في وقت قصير. إنَّ هذه الأزواج مِنَ الجسيمات تنبثق مِنَ العدم لتعود إليه فوراً!

ونحن لو سلَّمنا بفكرة انبثاق، أو نشوء الكون، مِنْ هذا الـ “لا شيء”، المسمَّى، فيزيائياً، “تقلُّبات الفراغ”، لوَجَبَ علينا تمييز ظاهرة “تقلُّبات الفراغ” مِنَ “الفضاء”، فالـ “Big Bang” الذي، بحسب هذا التصوُّر الكوزمولوجي، خَلَق “الفضاء”، إنَّما جاء هو نفسه مِنْ “تقلُّبات الفراغ” Vacuum Fluctuation. معنى ذلك، في مزيدٍ مِنَ التوضيح، هو أنَّ “الفراغ مع تقلُّباته” كان قَبْلَ أنْ يكون “الفضاء” الذي هو مِنْ مخلوقات الـ Big Bang.

لقد تحدَّثوا عن إمكان خَلْق كتلة وطاقة (لا تدومان طويلاً) مِنَ الفضاء “الفارغ”، فإذا هُم سُئلوا عن سرِّ، أو علَّة، هذه الظاهرة قالوا إنَّ هذا ممكن الحدوث، ويحدث فعلاً؛ لأنْ “لا وجود لشيء مِنْ قبيل الفضاء الفارغ”!

فما معنى هذا التعليل “الفارغ”؟! معناه أنَّ هذه “الفقاقيع مِنَ الطاقة” يمكن، ويجب، أنْ تنشأ مِنْ “لا شيء”، ولكنَّها لا يمكن أنْ تنشأ مِنْ “فضاء فارغ”؛ لأنَّ مثل هذا الفضاء لا وجود له حتى باعترافهم هُم أنفسهم، فافْهَم إذا كنتَ قادراً على الفهم!

هذا هو تفسيرهم، فهل مِنْ تفسير آخر؟ نعرف أنَّ الكون، في تمدُّده، تزداد وتتسارع برودته، فيتكثَّف بعض مِنْ طاقته، متحوِّلاً إلى “جسيمات ذات كتلة”. كما نعرف أنَّ “الكتلة” و”الطاقة” هما وجهان لعملة واحدة، هي “المادة”، فإذا كانت “الطاقة” تشبه حروفاً أبجدية متناثرة مبعثرة فإنَّ “الكتلة” (في الأجسام والجسيمات) هي “الكلمة” و”الجملة”..

وإذا كانت البرودة المتزايدة المتسارعة في ناحية مِنَ “الفضاء الكوني” تسمح لمقدار مِنَ “الطاقة” هناك بأنْ يتكثَّف، متحوِّلاً إلى “جسيمات ذات كتلة”، فلِمَ نفترض أنَّ جسيمات (في الفضاء) تنبثق، مِنَ “العدم”، متلاشيةً، فوراً، فيه؟!

إله “فيزيائي”!

مِنْ قَبْل، ساد اعتقاد بأنَّ الفضاء الكوني يخلو، تماماً، مِنَ “المادة”، التي نُظِرَ إليها على أنَّها “كائن” يعيش ويتحرَّك ضمن هذا “الفضاء غير المادي”. ثمَّ جاءوا إلينا، مِنْ مدرسة “ميكانيكا الكم”، ليقولوا إنَّ “التموُّجات الكمِّية” للفضاء “الفارغ تماماً مِنَ المادة” هي “الخالق الجديد” للمادة مِنَ العدم. وبناءً على هذا التصور “اللاهوتي القلب، الفيزيائي القالب” ليس ثمَّة ما يمنع مِنَ القول، أيضاً، إنَّ “البيضة الكونية”، التي انبثق منها الكون عبر “الانفجار العظيم”، قد جاءت مِنْ هذا النوع الفيزيائي مِنَ “العدم”، أو مِنْ نوع مشابه!

لو هُم نظروا إلى الفضاء نظرة مادية موضوعية لفسَّروا ظاهرة “الظهور المباغت، فالاختفاء الفوري لجسيمات” مِنْ دون اللجوء إلى انتهاك قانون “حفظ المادة”، فالفضاء إنَّما هو وسط مادي، وجزء لا يتجزأ مِنَ المادة، ولا يمكن، بالتالي، إلا أنْ يكون حقلاً تنمو فيه، وبه، كل “بذور المادة”. وهذه الجسيمات التي يقولون بظهورها مِنْ “لا شيء”، بفعل تلك “القوَّة السحريَّة” المسمَّاة “التموُّجات الكمِّية” للفراغ، ليست سوى ثمرة “تحوُّلات مادية صرف” جرت في الفضاء، وبه.

حتى فرضية أنْ يظلَّ الكون يتمدَّد إلى الأبد كانت تكمن فيها فكرة أنْ تختفي المادة في ليلة ليلاء مِنَ “العدم”، فمع استمرار التمدُّد الكوني، ترقُّ المادة أكثر فأكثر حتى تختفي وتتلاشى، فلا مهرب، في تصوُّراتهم الكوزمولوجية المختلفة، مِنَ “العدم”، مبتدأ ومنتهى!

و”النظرية المضادة”، أي نظرية “الحالة الثابتة (للكون)” Steady State Theory تقدِّس هي، أيضاً، “العدم”، فالمادة، وفق معتقد أنصار هذه النظرية، تُخلَق في استمرار (في الفضاء) مِنَ “العدم”!

العدم في “الانسحاق العظيم”

مِنَ العدم.. وإلى العدم! هذا هو المسار “الحتمي” للكون، بحسب القائلين بنظرية “الانسحاق العظيم” Big Crunch والمدافعين عنها. ففي “اللحظات الأخيرة” مِنْ عُمْر الكون، تسود قوَّة الجاذبية الكونية سيادة مطلقة، فلا يبقى مِنْ وجود لقوَّة أخرى تعارضها وتقاومها، فتتمكَّن، بالتالي، مِنْ “سحق” المادة والفضاء، جاعلةً “الزمان ـ المكان” Space -Time يزداد انحناءً وتقوُّساً، فمناطق أوسع فأوسع مِنَ “الفضاء” تُضغط في حجوم أصغر فأصغر.

هذا الكون، الذي ركَّزت الجاذبية مادته في حيِّز متناهٍ في الصِغَر، لا مهرب له مِنْ أنْ ينفجر انفجاراً لا مثيل له في قوَّته وشدَّته. وهذا الانفجار الذي يتَّجه “نحو الداخل” Implosion يسحق المادة سحقاً يُخرجها مِنَ الوجود، فيزول كل شيء فيزيائي، حتى “الفضاء (المكان)” و”الزمان” ذاتهما. كل شيء فيزيائي ينعدم، ولكن أين؟ في داخل “الزمان ـ المكان” الخاص بما يسمَّى “المفرد” Singularity. وهكذا تكون “النهاية”!

ولجعل الأمر أكثر تشوُّشاً، يدَّعون أنَّ هذه “النهاية” لا تعني “نهاية المادة”، وإنَّما تعني، فحسب، “نهاية كل شيء”!

وهكذا يزول البرتقال والتفاح، وكل أنواع الفاكهة الأخرى، ولكن يبقى هذا “الشيء المجرَّد”، المسمَّى “فاكهة”!

أمَّا إذا سألْتَهم: “وماذا بعد ذلك؟”، فيشهرون عليكَ “سيف المنطق” الذي شهره، مِنْ قَبْل، رفاقهم في حزب الـ “Big Bang” فلا يجوز أنْ تسأل عن ظرفي الزمان “قَبْل” و”بَعْد”؛ لأنْ لا وجود للزمان نفسه، فهذا “الانسحاق الكبير” سحق الزمان، ودفنه في “مقبرة العدم”!

وكما كانت “البداية” تكون “النهاية”.. فالكون جاء مِنْ “لا شيء” ليذهب، أخيراً، إلى “لا شيء”، وهكذا ينتصر “المنطق” بأنْ “يوافق الفكر ذاته”!

إنَّهم يجعلون ما يسمُّونه “الزمان ـ المكان” الخاص بـ “المفرد” Singularity مقبرة يدفن فيها “كل شيء فيزيائي”، فلا يبقى بَعْدَ هذا الموت الحتمي لكل الأشياء المادية في الكون، بما فيها “الزمان” و”الفضاء” الكونيين، سوى “المادة” ذات الخواص “الصوفية”. فهذه “المادة” الحبيسة بين أسوار “الزمان ـ المكان”، الخاص بهذا “المفرد” Singularity الصوفي الخواص هو أيضاً، هي التي ستنفجر “لاحقا” (مع أنَّ كلمة “لاحقاً” عديمة المعنى ما دام “الزمان الجديد” لم يُخْلَق بَعْد) بفضل قوَّة سحريَّة غامضة مجهولة لا تعليل لها هي قوَّة الانفجار العظيم التالي، فيُخْلَق مِنْ “انفجارها”، ثانيةً، “كل شيء فيزيائي”، بما في ذلك “الزمان” و”المكان” و”الكتلة” و”الجسيمات المادية” و”الجاذبية الكونية”..

في هذا المفرد Singularity حيث تنعدم “الكتلة” و”الجاذبية”، يدَّعون، مع ذلك، بوجود “زمان ـ مكان” خاص به، ويبلغ عنده الانحناء منتهاه!

المادة المظلمة أو الداكنة

في العلاقة بين “الجاذبية” و “السرعة”، التي تتحرَّك أو تدور بها الأجسام الفضائية، نرى أنَّ التزايد في هذه السرعة ينشأ عن التزايد في “قوَّة الجذب المتبادل” بين الأجسام، وأنَّ تزايد مقدار “الكتلة” في هذه الأجسام (أو بينها) يزيد “قوَّة جذبها المتبادل”، فإذا كانت الأجسام الفضائية تتحرَّك (أو تدور) في سرعة معيَّنة فلا بدَّ مِنْ أنْ تتناسب هذه السرعة مع مقدار معيَّن مِنَ “الكتلة”، يوافقه مقدار معيَّن مِنْ “قوَّة الجذب المتبادل” بين هذه الأجسام، التي إنْ رأينا سرعتها أعلى مِمَّا يسمح به مقدار “الكتلة المرئية الظاهرة” وجب علينا البحث عن “كتلة مفقودة (أو خفية وغير مرئية)”، نفسِّر بها “فائض السرعة”، و”الفائض في قوَّة الجذب المتبادل”.

علماء الفلك يحسبون كتلة المجرَّة مِنْ خلال السرعة التي تتحرَّك فيها النجوم والغازات حول مركز المجرَّة، فالسرعة الأعلى “مِمَّا يجب” تدلُّ على أنَّ لدى المجرَّة (في مركزها) مِنْ “قوَّة الجاذبية” ما يبقي هذه النجوم والغازات في مداراتها. والجاذبية لا تكون قوية إلا إذا كانت الكتلة كبيرة.

المجرَّات تعيش معاً، وتتحرَّك معاً، ويشدُّ بعضها بعضاً. ويشتمل هذا التجمُّع من المجرَّات على مقدار معيَّن مِنَ “الكتلة المادية”، هو حاصل جَمْع “الكتلة المادية للمجرَّات” و”الكتلة المادية المنتشرة أو المبعثرة بين المجرَّات”.

لو أضفنا مقداراً مِنَ الكتلة المادية إلى داخل هذا “التجمُّع المجري” Cluster لطرأ تغييران مترابطان مهمَّان، هما: تزايد “قوَّة الجذب المتبادل” بين كل أجزاء “التجمُّع المجري”، وتزايد السرعة التي تتحرَّك فيها المجرَّات حول “مركز مجموعتها”.

إنَّ للمجرَّة “سرعة هروب (أو إفلات)” مِنْ مجموعتها يختلف مقدارها باختلاف كتلة المجموعة المجرية، فهذا المقدار يكون أقل في المجموعة المجرية ذات الكتلة الأقل، فإذا تخطَّت مجرَّة معيَّنة، في سرعتها، “سرعة الهروب”، فلسوف تتحرَّر مِنْ قبضة الجاذبية في المجموعة التي تنتمي إليها.

ونحن نرى أنَّ المجرَّات في الكون تدور في سرعة أعلى مِنْ “سرعة الهروب”، التي تتناسب مع مقدار “الكتلة المرئية” في “المجموعة”، مِنْ دون أنْ تفلت مِنْ قبضة الجاذبية في مجموعتها. هذه الظاهرة إنَّما لها تفسير واحد فقط، هو وجود مقدار مِنَ “الكتلة غير المرئية” في “المجموعة” ذاتها.

ومِنْ مراقبتهم للمجرَّات والعناقيد أو المجموعات المجرية، توصَّل علماء الفلك إلى أنَّ المجرَّات ومجموعاتها يمكن ويجب أنْ تكون “أثقل” ممَّا تبدو لنا، فالجاذبية في المجرَّة، مثلاً، لا تتناسب مع كتلتها الظاهرة أو المرئية، أي أنَّها أكبر. ولمَّا كان حجم الجاذبية مِنْ حجم الكتلة استنتجوا أنَّ المجرَّة تحتوي، أيضاً، على “كتلة إضافية غير مرئية”.

علماء الفلك حسبوا “الكتلة الظاهرة (أو المرئية)” لـ “المجموعة المجرية” فوجدوا أنَّ مقدارها أقل مِنْ أنْ يسمح ببقاء المجرَّات في مداراتها حول “المركز”، فضآلة مقدار الكتلة هذه نسبة إلى السرعة العالية التي تدور فيها المجرَّات يجب أنْ تؤدِّي إلى هروب وفرار المجرَّات مِنْ مداراتها، ومِنَ المجموعة التي تعيش وتتحرَّك ضمنها، ولكن هذا لا يحدث!

ومِنْ قياسهم لكتلة مجرَّة أو مجموعة مِنَ المجرَّات انتقل علماء الفلك إلى قياس “كتلة الكون” بأسره!

حساب كتلة الكون

ولكن، كيف يقيسون “كتلة الكون”؟ إنَّهم يقيسونها في طريقة مشابهة لطريقة قياس “الرأي العام”، فيُقدِّرون مقدار “الكتلة” في “جزء نموذجي” مِنَ الكون. ثمَّ يفترضون أنَّ كل جزء مِنَ الأجزاء الأخرى للكون يشتمل على المقدار ذاته مِنَ الكتلة. ثمَّ، وبناءً على “حجم افتراضي معيَّن” للكون، يحسبون أو يقدِّرون مقدار كتلة الكون بأسره!

إنَّ حساب “الكتلة” هو ذاته حساب “الجاذبية”، فإذا كانت كتلة “المجموعة المجرية” ضئيلة نسبياً، أي نسبة إلى السرعة العالية التي تتحرَّك فيها المجرَّات حول “مركز مجموعتها”، فإنَّ المجرَّات، في سرعة حركتها هذه، لن تجد قوَّة جذب في “المجموعة” تكفي لمنعها مِنَ الإفلات والهروب في الفضاء.

أمَّا هذه الكتلة التي حسبها علماء الفلك فهي “الكتلة المضيئة”.. كتلة النجوم والأجسام التي ينبعث منها ضوء. وهذه الكتلة لا تزيد، وفق تقديرهم، عن 5 في المئة مِنَ الكتلة التي تستطيع بجاذبيتها أنْ تمنع هروب المجرَّات، والإبقاء عليها، بالتالي، في مداراتها حول “مركز المجموعة”، فأين يكون، وما هو، هذا الجزء الأعظم (95 في المئة) مِنَ الكتلة؟

هذا السؤال دفع علماء الفلك إلى افتراض أنْ يكون هذا الجزء “المفقود” في داخل عنقود المجرَّات مادة غير مرئية (لا نستطيع، وربَّما لن نستطيع، أبداً، رؤيتها). وقد سمَّى علماء الفلك هذه المادة أو الكتلة، التي لا ينبعث منها ضوء، “المادة المظلمة (أو الداكنة)” Dark Matter.

ثمَّ افترضوا أنَّ هذه “المادة المظلمة” تؤلِّف ما يزيد عن 90 في المئة مِنْ كتلة الكون، فالمضيء مِنْ هذه الكتلة ليس سوى “القشرة الخارجية” للكون.

إنَّ “القوَّة” (أو “الصمغ”) التي تُْمسِك بمجرَّات العنقود، وتشدُّ بعضها إلى بعض، هي “الجاذبية”. ويمتلئ الفضاء بين المجرَّات في المجموعة، أو العنقود، بغاز حار جدَّاً، تجعله سخونته يشعُّ “أشعَّة سينية” بدلاً مِنَ الضوء المرئي.

في نظامنا الشمسي، تدور الكواكب الأبعد حول المركز (الشمس) في سرعة أبطأ، مقارنةً بالكواكب الأقرب؛ ذلك لأنَّ الكتلة العظمى لهذا النظام تتركَّز في الشمس، فالأرض، مثلاً، تدور حول الشمس في سرعة تبلغ 30 كم في الثانية الواحدة. أمَّا كوكب زحل (الأبعد) فيدور حول الشمس في سرعة أقل ( ثلث سرعة الأرض).

ويكفي أنْ نعرف سرعة دوران الأرض حول الشمس حتى نتمكَّن مِنْ حساب وقياس كتلة الشمس. وإذا تصوَّرنا أنَّ كتلة الشمس قد زادت لتصبح أكبر بأربع مرَّات فإنَّ الأرض لن تبقى في مدارها الحالي حول الشمس إلا إذا زادت سرعة دورانها لتبلغ 60 كم في الثانية الواحدة. ولو أردنا زيادة سرعة دوران زحل حول الشمس لوجب علينا إدخال مزيدٍ مِنَ “الكتلة” بين الكواكب في “النظام الشمسي”.

قياساً على “الكتلة المرئية”، ينبغي للنجوم الأبعد أنْ تدور حول نواة مجرَّتها في سرعة أبطأ، كما ينبغي للمجرَّات الأبعد أنْ تدور حول نواة عنقودها أو مجموعتها في سرعة أبطأ. ينبغي لها ذلك؛ لأنَّ الكتلة الظاهرة (والجاذبية بالتالي) أقل كثيراً مِنْ أنْ تسمح لها بهذا الدوران السريع جدَّاً، الذي لاحظه علماء الفلك، والذي كان يجب أنْ تكون عاقبته إفلات تلك النجوم مِنْ مجرَّتها، وتلك المجرَّات مِنْ مجموعتها، وضياعها، بالتالي، في الفضاء البعيد.

هذا الاستنتاج توصَّل إليه زويكلي سنة 1930 إذ استخدم تاكنيك دوبلر لقياس سرعة المجرَّات في مجموعة “كوما”. وقد أظهرت دراسة الطريقة التي تتحرَّك فيها النجوم والمجرَّات في الفضاء أنَّ هذه الأجسام مشدودة بقوَّة إلى مقادير هائلة مِنَ “المادة غير المرئية”.

كان يكفي أنْ يلاحظ الفلكيون أنَّ نجماً في مجرَّة يدور في سرعة عالية جدَّاً حتى يستنتجوا أنَّ ثمَّة “قبضة خفية” تُمْسِك به فتمنعه مِنَ الهروب والإفلات نتيجة سرعته العالية هذه. وبحسابات معيَّنة توصَّلوا إلى أنَّ هذه “القبضة الخفية” يجب أنْ تكون “ثقباً أسود” هائلاً يُوجَد في مركز المجرَّة.

إنَّ كل كتلة مادية في الكون يمكن أنْ نَسْتَدِل على وجودها مِنْ خلال تأثير جاذبيتها بالأجسام والمواد الموجودة في جوارها، أو على مقربة منها، ولكن بعض الكتل المادية يكون مضيئاً (ينبعث منه ضوء) وبعضها (أي معظمها) يكون مظلماً لا ينبعث منه أي ضوء.

في الأنظمة الكونية المختلفة، نرى الظاهرة الآتية: النظام الكوني (مجرَّة أو المجموعة الشمسية مثلا) له “مركز”، أو نواة، تشتمل على القسم الأعظم مِنْ كتلته، وله، أيضاً، “مدارات” تدور فيها نجوم أو كواكب أو غازات..

وهذا الذي يدور حول “المركز” في مدار خاص به إنَّما يدور في سرعة محدَّدة، أي في سرعة تتحدَّد بعاملين، هما: مقدار الكتلة في مركز هذا النظام الكوني، وبُعْد المادة الدائرة (النجم أو الكوكب..) عن هذا المركز.

ولو افترضنا أنَّ للدوران “غاية” فإنَّ هذا الذي يدور إنَّما يدور في سرعة هدفها أنْ يبقى دائراً في المدار ذاته. إنَّ كوكب الأرض، مثلاً، “يُقاوِم”، في استمرار، مِنْ أجل أنْ يظلَّ في مداره ذاته، أي مِنْ أجل أنْ يظلَّ محافِظاً على السرعة ذاتها التي بها يدور حول “المركز”، وهو الشمس. وهذه السرعة إنَّما تتحدَّد بـ “كتلة الشمس” و”بُعْد الأرض عن الشمس”. الأرض تدور حول الشمس في سرعة مقدارها 30 كم في الثانية الواحدة. وهذه السرعة تكفي لبقاء الأرض في مدارها ذاته، فإذا زادت كتلة الشمس فلا بدَّ للأرض مِنْ أنْ تزيد سرعتها في الدوران حتى تظل تدور في المدار ذاته.

إنَّنا، ومِنْ خلال “سرعة الدوران”، نستطيع تقدير مقدار الكتلة في “المركز”، فكلَّما زادت هذه الكتلة زادت تلك السرعة. لنفترض أنَّ لدينا مجرَّة لا تشتمل في مركزها على “ثقب أسود”. في هذه الحال، يحدث الآتي: النجم الأكثر قرباً إلى مركز المجرَّة لا بدَّ له مِنْ أنْ يدور حوله في سرعة أقل؛ لأنَّ معظم كتلة المجرَّة (ومعظم قوَّة جاذبيتها بالتالي) لا يوجد في مركزها، وإنَّما في خارجه وبعيداً عنه. وعليه، يكفي أنْ ترى هذا النجم يدور في سرعة أكبر (مِنْ تلك المتوقَّعة) حتى تستنتج أنَّ في مركز المجرَّة تتركَّز كتلة ضخمة، تدفع، بسبب جاذبيتها الهائلة، النجم إلى أنْ يدور حول المركز في سرعة أكبر، تقيه شرَّ السقوط في قبضة هذه الجاذبية. ولو كان مركز المجرَّة قليل الكتلة والجاذبية فإنَّ دوران النجم حوله في هذه السرعة الهائلة كان سيؤدِّي، حتماً، إلى هروب هذا النجم بعيداً في الفضاء، أي إلى انفصاله عن المجرَّة.

هذه الصلة بين “سرعة الدوران” و”مقدار الكتلة في المركز” هي التي جعلت الكوزمولوجيين يعتقدون بوجود “المادة غير المرئية”. لقد اكتشفوا أنَّ النجوم والغازات في المجرَّة تدور حول مركز المجرَّة في سرعة تزيد كثيراً عن “السرعة المناسبة”، أي السرعة التي تناسب مقدار الكتلة المرئية للمجرَّة في مركزها. هذا المقدار كان يستلزم سرعة دوران أقل لو أنَّ “الكتلة المرئية” هي وحدها الموجودة. وهكذا اتُّخذ الفرق بين سرعة الدوران “الافتراضية” وسرعة الدوران “الفعلية” دليلاً على وجود “كتلة غير مرئية” في مركز المجرَّة.

المشهد ذاته ولكن بـ “عين الجاذبية”

لننظر، الآن، إلى الظاهرة ذاتها، ولكن بعين أخرى، هي “عين الجاذبية”. الشمس بقوَّة الجاذبية التي تملك تشدُّ الأرض إليها، فلو سقطت الأرض في الشمس، أي لو ابتلعتها الشمس، لفهمنا هذا الحادث على أنَّه نتيجة لفعل وتأثير قوَّة الجاذبية الشمسية. ولو ظلَّت الأرض تدور في مدارها حول الشمس، أي لو لم تفلت منه لتذهب بعيداً في الفضاء، لفهمنا ذلك على أنَّه هو، أيضاً، نتيجة لفعل وتأثير الجاذبية الشمسية.

ولكن كل هذا الذي نراه ليس كل المشهد وإنَّما نصفه، فالأرض، في النصف الآخر مِنَ المشهد، نراها تُقاوِم أيضاً تأثير الجاذبية الشمسية، فهي “تخضع” لهذا التأثير، و”تقاومه”، في الوقت نفسه.

لو أنَّ كتلة الشمس زادت (وزادت جاذبية الشمس بالتالي) لقاومت الأرض تأثير هذه الزيادة مِنْ خلال زيادتها لسرعة دورانها حول الشمس.

المشهد ذاته هو مشهد متناقض، فدوران الأرض حول الشمس في تلك السرعة يمكن أنْ ننظر إليه على أنَّه ظاهرة مِنْ ظواهر الجاذبية الشمسية، كما يمكن أنْ ننظر إليه على أنَّه ظاهرة مِنْ ظواهر قوَّة أرضية مضادة لتأثير الجاذبية الشمسية، فليس مِنْ قوَّة جاذبية تستطيع أنْ تفعل فعلها إلا بعد تغلُّبها على القوَّة المضادة لها، فالقوَّتان متلازمتان وفي صراع دائم.

المادة التي نعرف هي التي تتألَّف مِنْ ذرَّات، تتألَّف مِنْ بروتونات ونيوترونات وإلكترونات، فهل المادة المظلمة Dark Matter تتألَّف مِنْ هذه العناصر أيضاً؟ فريق واسع مِنَ الفيزيائيين يعتقد أنَّ معظم المادة في الكون هو مِنْ نوع “غامض” لم نستطع، حتى الآن، معرفته وتحديده. والبحث جارٍ، الآن، في ما إذا كان لجسيم النيوترين Neutrino الذي ينتقل في الفضاء بسرعة قريبة مِنْ سرعة الضوء كتلة ولو في منتهى الضآلة، فإذا تأكَّد أنَّ لهذا الجسيم الصغير جدَّاً، والذي يملأ الكون بكميات هائلة منه، كتلة تقل عن كتلة الإلكترون بعشرة آلاف مرَّة فإنَّ مشكلة “الكتلة الكونية المفقودة” تكون قد حُلَّت في طريقة مرضية لبعض التصوُّرات والنظريات الكوزمولوجية، وخصوصاً تلك المتعلقة بـ “الكون المغلق”، الذي سيتحوَّل تمدُّده، مستقبلاً، إلى تقلُّص وانكماش. ويُنْظَر إلى النيوترين على أنَّه “مادة مظلمة” لكونه لا يطلق فوتونات.

ظاهرة أنَّ في المجَّرات، وفي عناقيدها، مِنَ الجاذبية ما يفوق، كثيراً، ما فيها مِنْ كتلة مرئية مضيئة إنَّما هي دليل، أو يجب أنْ تكون دليلاً، على أنَّ لهذا الفضاء المظلم، غير المضيء، كتلة، ففي “بحر الفضاء العظيم”، الذي تشبه مجرَّاته وعناقيدها “الجُزُر”، لا وجود لما يسمَّى “الفراغ المطلق”؛ لأنَّ هذا “البحر الفضائي” ممتلئ بمقادير هائلة مِنَ الجسيمات و”المادة دون الذرِّية”. وهذه المقادير الهائلة (غير المضيئة) مِنَ “الكتلة المادية” ومِنَ “الطاقة المادية” يمكنها تفسير تلك الظاهرة “المحيِّرة”، فليس هناك ما يوجب البحث عن التفسير في كائنات مادية نخترعها، أو نخترع لها صفات وخواص ميتافيزيقية.

الطاقة الداكنة

سنة 1990، اكتشف كوزمولوجيون وفيزيائيون أنَّ الكون يتمدَّد في سرعة متزايدة، وأنَّ مصدر هذه “القوَّة الغامضة المضادة للجاذبية” والتي تجعل الكون في تمدُّد متزايد السرعة هو ما يسمَّى الطاقة الداكنة Dark Energy التي لم يتضح بعد ما إذا كانت خاصِّية ثابتة لـ “الفضاء الفارغ” Empty space كما خمَّن آينشتاين مِنْ قَبْل.

وكان آينشتاين قد أعرب عن اعتقاده بأنَّ الفضاء (حتى الفضاء الأكثر خلوَّاً مِنَ المادة والإشعاع) يشتمل على طاقة داكنة سمَّاها “الثابت الكوزمولوجي” Cosmological Constant الذي يضاد في عمله وتأثيره الجاذبية. وبحسب هذا الاكتشاف الجديد تؤلِّف “المادة الداكنة” و”الطاقة الداكنة” معظم محتوى الكون.

ويعتقد بعض الكوزمولوجيين والفيزيائيين أنَّ “الفضاء الفارغ” يَرْشَحُ بـ “الطاقة الداكنة”، التي يجهلون طبيعتها وتركيبها. ويعتقدون، أيضاً، أنَّ توسُّع الكون، الذي عرف تباطؤاً، مِنْ قَبْل، شرع الآن يتسارع بسبب عملية النبذ التي تقوم بها الطاقة الداكنة. وهُمْ يسمُّون هذه الطاقة “الجاذبية السلبية الصادَّة” Repulsive Negative Gravity. إنَّها “القوَّة” التي تعمل ضد “قوَّة” الجاذبية الكونية. إنَّها الـ “Anti – Gravity” التي سمَّاها آينشتاين “الثابت الكوزمولوجي” Cosmological Constant.

غير أنَّ هناك مِنَ الكوزمولوجيين والفيزيائيين مَنْ يعترض على وصف “الطاقة الداكنة” بالـ “Anti – Gravity” معتبراً أنَّ تمدُّد أو تضخُّم هذا البالون الكبير (الكون) يؤدِّي إلى تضاؤل محلِّي (موضعي) لكثافة الطاقة الداكنة، فيتمدَّد الكون أكثر بسبب هذا “الضغط السلبي” Negative Pressure الذي يتغلَّب على “الضغط الإيجابي” الذي تمارسه الجاذبية الكونية مِنْ داخل “البالون”، والذي مِنْ خلاله تحاول هذه الجاذبية شدَّ أجزاء الكون نحو الداخل، أي منع الكون مِنَ التمدُّد.

المادة المضادة

مِنْ حالات وجود المادة هناك “المادة المضادة” Antimatter (أو الجسيمات المضادة) التي ما عاد وجودها في الكون افتراضاً أو تخميناً، وإنَّما حقيقة واقعة مثبتة. ولكن وجودها، مِنْ حيث علاقته بـ “المادة العادية”، في المرحلة الأولى مِنْ عُمْر الكون، أي بعد ثوان أو دقائق مِنَ الانفجار العظيم، هو الذي بقي محل افتراض وتكهن وتخمين. وقد أثبتت التجارب أنْ ليس في الإمكان أنْ نُنْتِج أو نَخْلِق جسيماً مِنْ دون جسيمه المضاد، فالجسيمان يأتيان إلى الوجود معاً.

فهل بدأ الكون بمقدارين متساويين تماماً مِنَ “الجسيمات” و”الجسيمات المضادة”؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فإنَّ الاصطدام الحتمي لهذين النوعين مِنَ الجسيمات سيؤدِّي إلى فنائهما، أي إلى تحوُّلهما إلى إشعاع (فوتونات).

هذا الجواب الإيجابي كان لا بدَّ منه فيزيائياً، ولكن تصوُّر نشوء الكون (كوننا) عبر انفجار “البيضة الكونية” اقتضى، في الوقت نفسه، ما يؤدِّي إلى ترجيح “كفَّة” الجسيمات العادية، ولو قليلاً.

الفيزيائيون يعتقدون أنَّ مقدارين متساويين تماماً مِنَ “الجسيمات” و”الجسيمات المضادة” قد وُجِدا في “الجزء الأول” مِنَ “الثانية الأولى” بَعْدَ الانفجار العظيم.

غير أنَّ بعض الفيزيائيين افترض ظهور “جسيمات ضخمة”، بَعْدَ “الانفجار”، أدَّى انحلالها، في طريقة معيَّنة، إلى خَلْق جسيمات عادية يزيد مقدارها قليلاً عن الجسيمات المضادة، فتألَّف الكون، بالتالي، مِنَ المادة العادية.

ويميل الفيزيائيون إلى الاعتقاد بأنَّ مقابل كل 10 مليار مِنَ جسيمات المادة المضادة كان يوجد 10 مليار وواحد من جسيمات المادة العادية. ومع هبوط درجة حرارة الكون إلى حدٍّ معيَّن، توقَّفت عملية “إعادة خَلْق” الجسيمات والجسيمات المضادة بعد فنائها، فلم يبقَ مِنَ الجسيمات سوى ذلك المقدار الضئيل الفائض مِنَ “المادة العادية”، و”الإشعاع” الناشئ عن عملية الفناء المتبادل للجسيمات المتضادة، والذي يملأ الكون حتى الآن (الخلفية الإشعاعية للكون Cosmic Background Radiation).

نستنتج مِنْ ذلك أنَّ ما يزيد عن 99 في المئة مِنْ “المادة” في الكون يتألَّف مِنْ “طاقة”، فلو افترضنا أنَّ كل ما في الكون مِنْ “مادة” كان مؤلَّفاً مِنْ “مليار” جسيم مِنَ “المادة المضادة” و”مليار جسيم + جسيم واحد” مِنَ “المادة العادية” فإنَّ الكون، بعد انتهاء عملية “الفناء المتبادل” وازدياد برودته، يصبح مؤلَّفاً مِنْ جسيم واحد مِنَ “المادة العادية” هو كل كتلته، ومِنْ مقدار هائل مِنْ الطاقة، نشأ عن فناء ملياري جسيم مِنَ “المادة المضادة” و”المادة العادية”. وهكذا تكون “الكتلة” في الكون، المضيئة والمظلمة، قطرة، مقارنة بهذا البحر الواسع مِنَ الطاقة (الخلفية الإشعاعية للكون، أو “النور المتحجِّر”، أي النور الآتي مِنَ الأزمنة السحيقة ومِنْ بقايا الانفجار العظيم) الذي جاءت به إلى الوجود تلك المعركة الطاحنة بين “المادة العادية” و”المادة المضادة”.

ولكن لِمَ لا نفترض أنَّ مقدارين متساويين مِنَ “المادة” و”المادة المضادة” قد نجيا مِنَ “التصادم”، فتألَّف منهما كونان، “كون المادة”، أي كوننا، و”كون المادة المضادة”؟! وما الذي يمنع ذلك ما دامت فوتونات الكونين متماثلة؟!

لو أنَّ مقدار المادة Matter ومقدار المادة المضادة Antimatter كانا متساويين عند نشوء الكون لكان مستحيلاً أنْ يُوجَد الكون الذي نعرف، فهذا التساوي كان سيؤدِّي عبر الفناء Annihilate المتبادل إلى كون يتألَّف مِنَ “الطاقة الخالصة” أو الإشعاع Radiation فمِنْ أجل أنْ يصبح وجود كوننا ممكناً كان لا بدَّ للمادة مِنْ أنْ تكون في مقدار يزيد قليلاً عن مقدار المادة المضادة.

بعض الفيزيائيين يعتقد أنَّ المقدارين كانا متساويين في الجزء الأوَّل مِنَ الثانية الأولى بَعْدَ الـ “Big Bang” ولكن ما أنْ شرع الكون يبرد حتى زاد مقدار المادة زيادة طفيفة عن مقدار المادة المضادة. وهذا المقدار الإضافي الضئيل مِنَ المادة هو الذي بقي بَعْدَ “الفناء المتبادل”.

ولكنْ، مِنْ أين جاء هذا المقدار الإضافي؟ هؤلاء الفيزيائيين يفترضون أنَّ “جسيمات ضخمة” Massive Particles محدَّدة قد نشأت فوراً بَعْدَ الـ “Big Bang” ثمَّ انحلَّت، فأدَّى انحلالها إلى ظهور هذا المقدار الإضافي الضئيل مِنَ المادة.

جسيمات المادة، أكانت كبيرة أم صغيرة، هي، دائماً، في حالة تبادل للطاقة، فكل جسيم، يؤكِّد، ويتأكَّد، وجوده، عبر عملية دائمة مِنْ امتصاص وإطلاق الطاقة، فبفضل هذه العملية تتمكَّن الجسيمات مِنْ بلوغ درجة معيَّنة مِنَ “الاستقرار”، الذي تتوصَّل إليه تارةً عبر اتِّحادها واندماجها، وطوراً عبر انحلالها وتفككها.

حتى تتَّحد وتندمج، كما هي الحال في قلب السحابة الهيدروجينية المتحوِّلة إلى نجم، لا بدَّ للجاذبية الداخلية لهذه السحابة مِنْ أنْ تتوصَّل إلى درجة مِنْ انكماش الكتلة في باطن السحابة، تسمح برفع درجة حرارة هذا الوسط الفيزيائي للجسيمات حتى تتَّحد وتندمج، وتَفْقِد نتيجة لذلك كمِّية معيَّنة مِنَ الطاقة الحرارية، التي لا بدَّ لها مِنْ فَقْدِها حتى تستقر في كيانها الموحَّد الجديد، الذي تقلُّ كتلته الكلية عن مجموع كتل مكوِّناته الجسيمية.

وفي حالة أخرى معاكسة، لا بدَّ للجسيم، غير المستقر بسبب ضخامته، مِنْ أنْ يتحوَّل إلى جسيمات عدَّة تقلُّ في مجموع كتلها عن كتلته بسبب أنَّ عملية الانحلال هذه تستلزم تحرير كمِّية مِنَ الطاقة.
المصادر:

http://www.alzakera.eu/music/vetenskap/kosmos/kosmos-0079.htm

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في أبريل 30, 2011 in الادينية والالحاد

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: