RSS

اقفلوا الديوانيات

24 فبراير

حاول بيان وزارة الداخلية الكويتي الاخير أن يعطي انطباعا للناس بأن ما حدث فى الكويت مؤخرا من مظاهرات وصدامات لم يكن أكثر من خلاف فى وجهات النظر بين تعريفين لمصطلح الديوانية الأول تقول به الحكومة الكويتية والثاني تتبناه جماعات يرى بيان وزارة الداخلية أنهم ليسوا أكثر من (أشخاص دأبوا أخيرا على اساءة استغلال لقاءات الديوانية التقليدية الشعبية) ومن ثم ناشدت وزارة الداخلية (إبقاء الديوانات فى حدود تعريفها الصحيح) والتزام القانون وعدم استخدام الديوانيات فى طرق تنتهك القانون. فما هي هذه الديوانيات وما هو (التعريف الصحيح) لها؟.
الديوانية التي تسمى فى دولة الإمارات المجالس أو (الميالس) هي عبارة عن صالونات أو غرف الضيافة فى المنازل كما يتعارف عليها فى بلاد الشام ويتباين حجم الديوانية ومساحتها بتباين مركز صاحبها وثروته، فديوانية المواطن العادي قد لا تتسع لأكثر من عشرة أشخاص وديوانيات الشيوخ والأمراء والأثرياء تمتد للتسع لمئات وبعضها يقدم للزائرين يوميا وجبات الطعام سواء كان صاحب الديوانية موجودا أم لا وفى ديوانيات الشيوخ الحكام يتم التشاكي والتحاور وتبادل وجهات النظر.

لقد كانت العائلة الحاكمة في الكويت دائما على صراع مع أصحاب الديوانيات بعد أن تحولت هذه الديوانيات منذ عام 1938 إلى منتديات سياسية يلتقى فيها الناس للتباحث فى شئون الحكم والمطالبة بالإصلاحات الدستورية والمشاركة بالسلطة قد شهد عام 1934 تبلورا لمفهوم الديوانية السياسى يوم انطلقت من هذه الديوانيات الحركات الإصلاحية التي كانت تندد بممارسات حاكم الكويت أنذاك الشيخ أحمد الجابر ومنها الضرائب العشوائية التي كان يفرضها على الناس من خلال أجهزة البلدية التي استحدثها لهذا الغرض وتفشى الفساد الإدارى في أجهزة الإمارة بخاصة فى دائرة الجمرك التي كان ينتفع منها أحمد الجابر وعائلته ثم الاحتكارات التي ربطت خيرات الأمارة بالأسرة الحاكمة وحرمت الجميع منها.
هذه الممارسات كلها، وفى ظل غياب وسائل التعبير والمجالس النيابية أعطت للديوانيات فى الكويت ثقلها السياسى والاجتماعي كوسيلة للتعبير عن مطالب الشعب لذا لم تكن العلاقة بين الأسرة الحاكمة وهذه الديوانيات فى يوم من الأيام علاقة ود وظل التباين فى تفسر مصطلح الديوانية بين السلطة والناس كبيراً فالسلطة ممثلة بالأسرة الحاكمة لا ترى بالديوانية أكثر من مكان يلتقى فيه الناس لشرب القهوة وتناول الثريد أما رجال الإصلاح فقد رأوا فى الديوانية مكانا لعرض المظالم ومنبرا للشكوى وتدارس أحوال الرعية وأحيانا قواعد لتشكيل الخلايا والسرايا.
التاريخ المعاصر فى الكويت يذكر مثلا أن “الكتلة الوطنية” ظهرت أول ما ظهرت فى ديوانيات عبد الله الصقر ومحمد ثنيان الغانم وسليمان العدساني، الذين سلموا الشيخ أحمد الجابر فى عام 1938 عريضة تم وضعها فى الديوانيات استجابة لمطالب الناس، تنادي بإيجاد نوع من الحياة البرلمانية وحكم الشورى فى الإمارة وقد جاء فى تلك العريضة بالنص ما يلي:
” إن الأساس الذى بايعتك عليه الأمة لدي أول يوم عند توليك الحكم هو جعل الحكم بينك وبينها على أساس الشورى التي فرضها الإسلام ومشى عليها الخلفاء الراشدون فى عصورهم الذهبية، غير أن التساهل الذى حدث بين الجانبين أدي إلى تناسى هذه القاعدة الأساسية كما أن تطور الأحوال والزمان واجتياز البلاد ظروفا دقيقة بعث المخلصين من رعاياك إلى أن يبادروا إليك بالنصيحة راغبين التفاهم وإياك على ما يصلح الأمور ويدرأ عنهم وعنك عوادي الأيام وتقلبات الظروف ويصون لنا كيان بلادنا ويحفظ استقلالنا غير قاصدين إلا إزالة أسباب الشكوى وإصلاح الأحوال عن طريق التفاهم مع المخلصين من رعاياك متقدمين إليك بطلب تشكيل مجلس تشريعي ملف من أحرار البلاد للإشراف على تنظيم أمورها وقد وكلنا حاملى كتابنا هذا ليفاوضوك على هذا الأساس”.
يومها لم يكن أمام اشيخ أحمد الجابر إلا الرضوخ لمطالب “الكتلة الوطنية”، بعد أن نجح قادتها فى استقطاب الشيخ عبد الله السالم الذى كان على صراع مع ابن عمه أحمد الجابر على السلطة فصدر تشريعا بتأسيس مجلس نيابى تزعمه عبد الله السالم سرعان مما تم حله بمرسوم أميري لتدب الحياة مجددا فى الديوانيات التي بدأت تعمل بالسر والعلن، إلى أن وقع الصدام السياسى فى آذار (مارس) 1939 والذى أعقبه بطش السلطة بالديوانيات ودعاة الإصلاح ورجالات الحركة الوطنية الذين لجأوا إلى العراق ومصر.
لقد تكررت التجربة إياها على مر السنين ولم يكن أمام العائلة الحاكمة إلا خيار الديوانية أو المجلس النيابى وأحلاهما بالنسبة للسلطة مر فالمجالس النيابية التي أنشئت منذ عام 1938 كانت تسعى دائما إلى اقتسام السلطة مع أل الجابر أو أل الصباح، وكلما تم حلها لجأت عناصر هذه المجالس إلى العمل السرى فى إطار الديوانيات وكان هذا يزيد في خوف السلطة وقلقها، لأنها تفقد هنا القدرة على ضبط المجالس، ومراقبتها والتأثير فيها، بخاصة عندما تعمل تحت الأرض.
لقد تذرع حكام الكويت منذ منتصف 1986 بظروف حرب الخليج، فسارعوا إلى حل البرلمان الكويتي فى 3 تموز (يوليو) وعطلوا عددا كبيرا من الحقوق الواردة فى الدستور خاصة تلك التي تعلق بالمؤسسة البرلمانية والحريات انتهاء بفرض الرقابة على النشاط الإعلامي والصحف وقد واكب حل البرلمان تعطيل مواد أساسية من الدستور منها المادة 56 فقرة 3 و 107 و 174 و 181 الأمر الذى أعطي الوطنيين الكويتيين مادة دسمة للنقاش فى الديوانيات الخاصة انتهت بقيام نصف النواب لمنتخبين بتقديم مذكرة لأمير الكويت فى أوائل عام 1987 قبل انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي ناشدوه فيها إعادة النظر فى الإجراء الذى اتخذه بحل المجلس ولم تزد المذكرة عما تضمنته المذكرة الأولى التي قدمها الكويتيون عام 1939.
يومها اجتمع البرلمانيون فى ديوانيات جاسم القطامي وأحمد السعدون وعبد الله النفيسى، وحمل الأخير باعتباره من أعضاء مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان المذكرة إلى الأمير الذى يبدو أنه لم يقرأها ولأن المذكرة لم تقدم فى إطار مظاهرة جماهيرية فإن الأمير لم يجد ضرورة لإطلاق الكلاب البوليسية على البرلمانيين ولكن الوضع اختلف قبل أيام فالمذكرة التي خرجت من ديوانية أحمد السعدون إلى الأمير كانت ممهورة بهتافات عشرات الآلاف من الكويتيين الذين اكتشفوا أن فى بلادهم كلابا بوليسية شرسة مدربة ليس على تقصى الأثر وضبط اللصوص وإنما على عض المواطنين وافتراسهم وكان هذا بحق اسلوبا جديدا طبع لغة “الحوار” بين السلطة والجماهير وقد خلدته البرقية التالية التي بعث بها البرلمانيون (المنحلون) إلى ولى العهد الكويتي وهي البرقية التي منع نشرها فى الصحف الكويتية كما حيل دون نشرها فى صحف اسحق ويعقوب بما لشيوخ الكويت من مونه على هذه الصحف وقد حصلنا عليها من مصادرنا الخاصة وهذا نصها.
بسم الله الرحمن الرحيم
” سمو ولى العهد رئيس مجلس الوزراء الموقر حفظه الله”
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إنطلاقا من إيماننا بضرورة وحدة الجبهة الداخلية فى مجتمعنا وخاصة فى الظروف الراهنة ومن رغبتنا نحن الموقعين أدناه فى تطور مجتمعنا الكويتي بشكل ديمقراطي وانطلاقا من إيماننا بروح الأسرة الواحدة ومن التقاليد الكويتية الراسخة التي تعتمد على الحوار فإننا نأسف للقرار الصادر من الحكومة بإغلاق إحدي الديوانيات الكويتية اعتادت اللقاء بزوارها وذلك فى إجراء لم يسبق له مثيل يتنافى مع ما للديوانية من معني فى قلوب الكويتيين وأداتهم ومما يؤسف له أكثر أن وزارة الداخلية حشدت قواتها فى مواجهة المواطنين واستعدت عليهم القوات الخاصة وجلبت الكلاب البوليسية المدربة وغيرها وكادت مثل هذه التصرفات أن تفجر الموقف لولا عناية الله ثم حكمة المواطنين ومن الغريب أن تتخذ مثل هذه الإجراءات فى مواجهة مواطنين مسالمين لا هدف لهم إلا إعلاء شأن البلاد ووحدة مجتمعها والحفاظ على دستورها.
مصطلح (الديوانية) تكرر إذن فى بيان وزارة الداخلية وفى برقية أعضاء البرلمان المنحل يعكس ليس هوة واسعة فى فهم المصطلح فحسب وإنما وهذا المهم ليطرح على بساط البحث موضوع حرية التعبير ودستورية الإجراءات التي اتخذها أمير الكويت بدءا بحل البرلمان وانتهاء بإطلاق الكلاب البوليسية على الجماهير.
البرلمانيون الكويتيون يعترفون فى ديوانياتهم ومذكراتهم المرفوعة لأمير الكويت بأن الدستور يجيز للأمير أن يحل البرلمان إلا أن المادة 107 التي أوقف العمل بها قد نصت على ضرورة إجراء انتخابات برلمانية جديدة خلال شهرين من تاريخ حل البرلمان.
ويقول أصحاب المذكرة – المرفوعة إلى الأمير أن هناك مبادئ دستورية تم إقرارها منذ عام 1962 منها أن النظام فى الكويت نظام ديمقراطي تنعقد فيه السيادة للأمة مصدر السلطات وأنه من بين الضمانات التي كفلها الدستور إلا يتم تعديل الدستور إلا برضى الطرفين اللذين شاركا فى وضعه وهما الأمير الأمة ومن ثم يرى أصحاب المذكرة أن تعليق مواد الدستور هو أمر يتعارض مع الأسس الدستورية كما يتعارض مع الطبيعة التعاقدية التي تفترض أن يكون الدستور عقدا بين طرفين كما أن التعديل أو الحذف من الدستور عقدا بين طرفين كما أن التعديل أو الحذف من الدستور يتطلب موافق الأمير وثلثى أعضاء المجلس وهو ما لم يتم إتباعه.
أوساط القصر تقول إن قرار إغلاق الديوانيات وإطلاق الكلاب البوليسية على المواطنين قد جاء تنفيذاً لما نصت عليه المادة 34 من القانون 31 لسنة 197 والتي تنص على :
” معاقبة كل من اشترك فى تجمهر فى مكان عام مؤلف من خمس أشخاص على الأقل الغرض منه الإخلال بالأمن العام وبقى متجمهرا بعد صدور أمر رجال السلطة العامة بالانصراف بالحبس مدة لا تتجاوز سنة واحدة أو بغرامة لا تتجاوز مائة دينار أو بإحدي هاتين العقوبتين”.
كما يعاقب كل من حرض علنا فى مكان عام عن طريق القول أو الصياح أو الكتابة أو الرسوم أو الصور أو أيه وسيلة أخرى من وسائل التعبير على قلب نظام الحكم القائم فى البلاد وكان التحريض متضمناً الحث على تغيير النظام بالقوة أو بطرق غير مشروعة بالحبس مدة لا تتجاوز سبع سنوات”.
ظرفاء المجالس الديوانيات فى الكويت يقولون أن الأمير قد يدخل تعديلا جديدا على المادة 34 المشار إليها أعلاه يتم بموجبها تحديد عدد (العضات) التي (ستعضها ) الكلاب البوليسية فى أوساط البرلمانيين المتجمهرين أو المطالبين بأحياء الدستور وذلك بعد أن واجه مدربو الكلاب البوليسية التي قمعت مظاهرات المواطنين معضلة في التفريق بين مواطن مشمول بها ورفقا لما أشبع إبان إطلاق الكلاب على الناس فإن مستشفيات وزارة الصحة قد أمرت باستيراد أكبر عدد ممكن من الأمصال المضادة لدا الكلب بعد أن لاحظ المراقبون أن الكلاب البوليسية كانت تتصرف خلال قمع المظاهرات بطريقة تؤكد أمرا من اثنين إما أن الكلاب نفسها لم تكن مستوعبة لأبعاد المهمة الموكولة إليها وأما أنها كانت مصابة مثل السلطة بداء السعر.
وفي كلا الحالتين، شفي الله كلاب الأمير، وسدد خطاه وجعل له فى شاوشيسكو رومانية عبرة وموعظة.

http://arabtimes.net/

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في فبراير 24, 2011 in فضائح الحكام العرب

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: