RSS

من بنية العقل إلى بنية المخ

23 ديسمبر
التاريخ المعرفي لللمخ البشري

كل العلوم المرتبطة بالجسد، مند ظهورها تم التعامل معها بحذر واحتياط شديدين، ليس فقط من طرف العامة بل كذلك حتى من طرف العلماء وهذا في حقيقة الأمر هوما عمل على تعطيل معرفة الكائن لأطرافه وجسده وهذا ما تؤكده كتابات Jean Pierre Changeuxالعالم البيولوجي الفرنسي مستكشف الموصلات العصبية ورئيس لجنة الأخلاقيات العلمية بداخل الجمهورية الفرنسية هذا ما يلمح اليه حينما يقول:
« في الظروف الحالية يفضل البعض عدم الأخذ والرد في مجال الوظائف البيولوجية للدماغ وفي علاقات هذه الوظائف بما هو مجتمعي. لقد انتشرت علوم الإنسان لدرجة أنها أصبحت موضة.وانتشرت معها العلوم المرتبطة بالدماغ البشري لدرجة خلقت هذه العلوم نوعا من الهلع وسط العلوم الإنسانية. أصبح البعض يخاف من الأسس البيولوجية لعملية التفكير لأن هذه الأسس اذا ما وضعت بين أيادي غير نبيلة فأنها ستتحول إلى علم للسيطرة، كما هنالك كذلك من يخاف من تناوله لهذه العلوم عن طريق القيام بنوع من التبسيط فيوقظ بذلك نقاشا قديما حول المادة والروح. لكن من بين كل ها ته التخوفات هي النزعة التي تعتبر أي بحث في هذا المجال يمس بالعقيدة و يصبح صاحبها من أهل الجحيم »
هذه الملاحظة من طرف أخصائي في علوم الأعصاب يحتل مكانة مرموقة داخل الأوساط العلمية لديها مبرراتها التاريخية لأن الذي حال دون تقدم عملية استكشاف الانسان لدماغه هي الكنيسة التي كانت تعتقد في قداسة الجسد، هذا حينما يتعلق الأمر فقط بعلاج الجسد أو استكشاف مكوناته، أما حينما يتعلق الأمر بمعاقبته فانهم يعتبرونه مملوكا من طرف الجن والعفاريت ويجوز حرقه أو تمزيقه؛ خلال مآت السنين تم اعتبار تشريح الأجساد حتى وهي جثث محرما على العلماء التشريحيين، لكن ليس هذا هو وحده السبب الوحيد الذي حال دون معرفة الدماغ البشري أو حتى ادمغة الحيوانات، بل السبب الرئيسي في ذلك كان هو عدم استطاعة العلماء تطوير أدوات الاستكشاف من الات ومواد مخبرية.
الى حدود العصر اليوناني، لازالت التمثلات الفلسفية والتأويلات الخاطئة لوظائف الدماغ البشري تحتل مكانة مهمة بداخل الأهتمام العلمي، هكذا اعتقد أرسطو وقبله المصريون القدامى بأن الدماغ مكون من الماء والتراب ووظيفته هو القيام بتبريد الجسم للحفاظ على درجة الحرارة. عكس أرسطو، أفلاطون ومعه أبيقور تعاملا مع الدماغ على أنه مركز التفكير ومعهم ظهرت نظرية ما يسمى المركزية العصبية التي تم الاعتقاد بها وقد ساهمت في التعرف أكثر على المخ البشري. بعد قرون عدة من الاعتقاد في هذه النظرية، بدأت إلى الظهور نظرية مغايرة هي نظرية ما يسمى بنظرية لا مادية الروح L’immatérialité de l’âme المبنية على قدسية الجسد وقد عملت هذه النظرية على تعطيل عملية استكشاف الإنسان لدماغه، وهذا على مدى قرون الى حدود القرن التاسع عشر حيث بدأ هذا المجال المعرفي يعرف ازدهار ومع التطور العلمي للقرن العشرين تم تأكيد النظرة الأفلاطونية للدماغ البشري.
رغم أن تقنيات الاستكشاف بدأت مع القرن السابع عشر حينما قام الإنجليزي Willis d’oxford باستكشاف الثنايا الدماغية الموجودة تحت القشرة الدماغية، الا أنه خلال القرن السادس عشر كان هنالك تشريحيون مرموقون لم يكن الفيلسوف الفرنسي ديكارت على علم بانجازاتهم العلمية، وهذا سوف يسقطه في تأويلات فلسفية بعيدة كل البعد عن حقيقة الدماغ البشري كما كان يتمثلها أولك التشريحيون.
مع بداية القرن التاسع عشر، بدأ الحديث من جديد عن المناطق الدماغية كمراكز عصبية متخصصة، بدأ هذا مع ما يسمى la phrénologie لصاحبها Gall الذي اعتبر هذا علما لدراسة القدرات الذهنية والخصائص الفكرية انطلاقا من شكل الجمجمة.قام كال بتحديد35 وظيفة ذهنية كالذكاء، العنف، الأمل، الثقة، الشجاعة، الميول الى السرقة الخ.في حين العالم Flourenceقام بصياغة نظرية تشجب نظرية الاختصاص الوظيفي للخلايا العصبية كما يعتقد فيها كال Gallلقد اعتمد Flourenceالشمولية والكلية في تناول الوظائف العصبية.حوالي سنة 1850أكد الإنجليزي جاكسون بأن إصابة أحد المناطق الدماغية المتخصصة لا يؤدي بالضرورة إلى الفقدان التام للوظيفة الدماغية. بالنسبة لهذا العالم كلما كانت الصيرورة معقدة وإرادية كلما كانت المناطق الدماغية التي يتم توظيفها متعددة. هذه الملاحظة كانت ضربة قوية للعلماء الذين كانوا يعتقدون باختصاص المناطق الدماغية وانفرادها بوظائف.بالنسبة لجاكسون كل خلل عصبي سوف يؤدي بالضرورة إلى اختلال في سلسلة من الخلايا المترابطة وليس إلى تدمير أحد المراكز العصبية. المراكز العصبية تشتعل كمناطق متعددة لدمج وظيفة محددة. الجديد بالنسبة لهؤلاء العلماء لا يتعلق برفض تحديد المناطق الدماغية المتخصصة ولكن برفض القبول بسهولة التحديد مع العالم بروكاBroca وبالتحديد سنة 1861سوف يؤكد ولو بشكل جزئي نظرية Gall حينما قام بمعالجة أحد مرضاه الذي لم يكن ينطق الا بكلمة واحدة هي “طان” مما دفع ببروكا الى تسمية هذا المريض بطان. ومن الصدف أن وفاة هذا المريض سمحت لكال بتشريح دماغه والتعرف بشكل دقيق على المنطقة الدماغية المتضررة. لقد حددها كال في جهة الناظر الايسر بين الحاجب والاذن تقريبا. هذه المنطقة يقول كال تتواجد بها الباحة المختصة في الكلام و أصبحت هذه الباحة منذ اكتشافها من طرف بروكا تحمل اسمه مما سمح بوضع حد نهائي للسجالات المعرفية التي كانت تدور بين من يؤيد الاختصاص الوظيفي للمراكز العصبية وبين من يؤيد الشمولية الوظيفية للدماغ البشري.
بعد اكتشاف وتحديد باحة بروكا المختصة في انتاج الكلام جاء الدور على عالم آخر هو Wernick الذي سينجح هو الآخر في تحديد بشكل دقيق الباحة العصبية التي تستطيع القيام بتحليل ما تلتقطه الأذن من ذبذبات صوتية. هكذا شيئا فشيئا أصبحت خريطة الدماغ البشري تتضح على شكل جغرافيا وظيفية وأصبحت بعض أسراره تنكشف للعموم.
نهاية القرن التاسع عشر كانت نهاية سعيدة لعلوم الأعصاب لأنه خلال هذه الفترة ظهر إلى الوجود مصطلحين هما مصطلح Les neuronesومصطلح Synapses. المصطلح الأول تم استعماله من طرف الألماني Waldeyer والمصطلح الثاني من طرف الإنجليزي Sherrington يعتبر فرانسوا جاكوبFrancois Jaco بأن اكتشاف La synapse ومعرفة وظائفها تساوي على مستوى ما حققته من نتائج معرفية اكتشاف الذرة أو الحامضDesoxyribonucleique
________

المصدر

أولا يكون ذلك العقل الموروث، العقل الذي نتصوره بإطلاق ونعتز به هو بالذات أصل الإحباط.”

ع، العروي مفهوم العقل ،ص 358المركز الثقافي العربي1996

حدد عالم الأعصاب الأمريكي ماك لينMac Lean مع فريقه العلمي البنية الأفقية للمخ ولاحظ بأنها تتشكل من عدة بنيات مركبة الواحدة على الأخرى.توجد أول بنية في قاعدة المخ مباشرة عند نهاية العمود الفقري؛ هذه البنية هي أقدم جزء ويعود تاريخ تكوينها إلى أكثر من 200مليون سنة. توجد عند الزواحف وهي التي تصطلح عليها بدماغ الزواحف. وظيفة هذا الجزء من المخ هي تأمين الحياة عن طريق الحفاظ عليها. توجد البنية الثانية التي تغطي الجزء الأسفل عند جميع الثدييات، يصطلح عليها Le cerveau limbique.يقوم هذا الجزء بتدبير العواطف والأحاسيس، كما يقوم بتدبير العلاقة مع الآخرين والرغبة في الانتماء إلى جماعة.
توجد البنية الثالثة Le cortex عند الحيوانات الراقية وهي أكثر تطور عند الإنسان، وظيفتها هي التفكير والقيام بالعمليات المجردة.هذه البنية الدماغية يقول أغلب الباحثين في مجال علوم الأعصاب بأنها بنية لا أخلاقية ولا تكترث بمجال العواطف.
البنية الرابعة هي تلك التي اكتشفها العالم الروسي Luria. هذا الجزء من الدماغ يبدأ بالنمو مع نهاية فترة المراهقة، إنها الفصوص الجبهوية الأماميةLes lobes frontaux التي تساعد الإنسان على تجاوز ذاته والرقي إلى عالم المثل.
المعارف، أو الإشارات الحسية التي تقوم الحواس بالتقاطها ويقوم الدماغ بتدبيرها تصعد من تحت إلى فوق، بمعنى كأي بناية تتكون من أربعة طبقات تمر المعلومات بالطبقة الأولى(دماغ الزواحف)، ثم الطبقة الثانية(دماغ الثدييات)، بعد ذلك الطبقة الثالثة(القشرة الدماغية)، وأخيرا الطبقة الرابعة(الفصوص الأمامية)
يتوفر الإنسان على منطقة عصبية كثيفة الخلايا يصطلح عليها الدماغ cortex هذه الطبقة العصبية الكثيفة و السميكة مبنية على أساس طبقتين اقل سمكا واقل كثافة.هاتان الطبقتان السفليتان هما دماغ الكائنات الحية الأخرى:
دماغ الزواحف Cerveau reptilien
دماغ الثدييات Cerveau des mammifères

هاتين الطبقتين مرتبطتين بتاريخ التطور العصبي للكائنات الحية، فإذا كان دماغ الزواحف يعود إلى 200مليون سنة، و دماغ الثدييات 60مليون سنة فان دماغ الإنسان أو الدماغ الجديد فعمره في أقصى الحالات، وحسب آخر الكشوفات المتعلقة بالمستحثات لا يتعد ستة مليون سنة.
تعاقب ظهور البنيات الدماغية دفع بعض العلماء إلى البحث في تاريخ الحواس و ارتباطها بأحد هاته البنيات العصبية أو تلك، وهكذا فحاسة اللمس يتكفل بها دماغ الزواحف،حاسة السمع يتكفل بها دماغ الثدييات، أما الرؤية فهي من اختصاص الدماغ الجديدNéo cortex.
عصب العين يعتبر أقوى عصب، يتوفر على ملايين من الألياف العصبية ونموه لدى الإنسان يتم بشكل مبكر:الطفل في حدود الثمانية أشهر الأولى يكون عصب العين عنده ناضج تماما كما هو عند الراشد حيث يقوم بعملية النظر المركزVision focale وعملية النظر المشتتVision ambiante.أما عصب السمع المرتبط بدماغ الثديياتCerveau limbique فأنه يحتاج إلى أكثر من ثمان سنوات لكي يكتمل نموه.
البناء الأفقي للدماغ البشري يجعله يشتغل كمصفاة للواردات المعلوماتية التي تستقبلها الحواس الخمس. بمجرد ما يتم إثارة الجهاز العصبي، تصل هذه الإثارة إلى الطبقات الدماغية السفلية التي تقوم بقبولها أو رفضها وتوجيهها إلى المناطق الدماغية العلوية المتخصصة من أجل المعالجة والتحليل والترتيب بداخل النسيج اللغوي والمفاهيمي لهذا الجهاز العصبي. دماغ الزواحف، طريقة اشتغاله تشبه إلى حد بعيد طريقة اشتغال الموظف-الحارس الذي يستقبل المواطنين بالإدارات العمومية ويطلب منهم الانتظار إلى حين توجيههم إلى هذا المكتب أو ذاك؛ وإذا ما رفض هذا الحارس توجيه هؤلاء المواطنين إلى المكاتب المختصة فانه سوف ينشب نزاع ما بين المواطن والحارس أو سوف يصاب هذا المواطن بالخيبة وينسحب.كل النزاعات والخصومات التي تنشب والتي في بعض الأحيان لا مبرر لها تكون ناتجة عن رفض دماغ الزواحف السماح للخلاف بالرقي إلى المناطق العلوية من أجل معالجته وتدبيره بالشكل الأكثر عقلانية.وما ينطبق على الخصومات اليومية ينطبق كذلك على المجال البيداغوجي ويمكن اعتبار الصراع الحاصل مابين الجهاز العصبي العلوي والجهاز العصبي السفلي كإجابة على التساؤل لماذا لا يفهم التلاميذ؟ لماذا التلاميذ يرفضون في بعض الأحيان مدرسيهم؟ بل لماذا كل المجتمعات بشكل عام ترفض اللغات الأجنبية و لماذا يلجأ المشرعون والماسكون بزمام الأمور إلى صياغة قوانين وتشريعات تحد من التعامل مع اللغات الأخرى؟هي مجموعة من القضايا المجتمعية حينما يتحكم فيها دماغ الزواحف فانه يعمل على محاصرتها ويمكن اعتبار المقاربات الأمنية المغرضة التي تحارب الفكر وتحارب القيم العلمية الرصينة شكل من أشكال اشتغال دماغ الزواحف وذلك لأن وظائف دماغ الزواحف تتلخص في تشغيل آليات الدفاع الذاتي وغريزة الجنس والتناسل وهي آليات مبرمجة بواسطة النظام البيولوجي وليست مبرمجة بواسطة نظام الأفكار والثقافة الإنسانية.هذا النظام البيولوجي هو مسنن و محدود الإمكانيات ولا يستطيع القيام بترا بطات نظرية سواء كانت بسيطة أو معقدة وهذا النقص في المعالجة ينتج عنه دائما نقص في المناهج والطرق المستعملة.هذا النظام البيولوجي المسنن يشبه إلى حد بعيد مصطلح Hardwareالمتداول في مجال الإعلاميات والذي يحيل إلى الآلة الحاملة لنظام معلوماتي Softwareوهذا النظام ألمعلوماتي هو ما تشكله المذاهب الفكرية والنظريات العلمية والأديان.
يحتوي الدماغ البشري على حوالي مأة مليار من الخلايا العصبية وبما أن كل خلية من هاته الخلايا لا تشتغل لوحدها بل تدخل في تفاعلات مع كل الخلايا العصبية الأخرى فان الطاقة الاستيعابية للدماغ البشري هائلة وهائلة جدا وتتجاوز كما يؤكد ذلك المتخصصون عدد الذرات الموجبة للكون Les atomes positifs de l’univers.
كما أن الدماغ مبنين عموديا ) يحتوي على ثلاث طبقات ( فهو كذلك مبنين أفقيا حيث ينقسم إلى فصين الفص الأيمن والفص الأيسر؛ هذا التقسيم حاول علماء الخلايا العصبية أن يوجدوا له تفسيرات.من بين التفسيرات التي تم تقديمها، و التعامل معها على أساس أنها تفسيرات علمية ثابتة هي التفسيرات القائمة على نظرية الاختصاص الوظيفي لكل فص على حدة، هذه التفسيرات العصبية للدماغ البشري ساهمت منذ الحرب العالمية الثانية إلى حدود سقوط جدار برلين في تقسيم العالم والمجتمعات إلى معسكرين المعسكر الليبرالي الحر الذي فيه كل شيء مباح والمعسكر الاشتراكي العقلاني والصارم.
الفص الأيمن للدماغ البشري يتميز بالمزاجية و يشتغل في المجال، يقبل بحلول عدة لمشكل واحد ولا يحترم مبدأ الهوية، فالشيء قد يكون هو هو وقد يكون نقيضه.إن الشخص الذي فصه الأيسر يوجد تحت هيمنة الفص الأيمن يتميز بالمرح وبعدم معاكسة الواقع، في حين الذي فصه الأيمن يوجد تحت هيمنة فصه الأيسر يتميز بالصرامة وبالرغبة في معاكسة مجرى الأحداث. هذا التصور لمجال وظائف فصوص الدماغ البشري بقي ثابتا كمعتقد علمي وعلى أساسه اشتعلت كل السياسات التربوية للحرب الباردة إلى حدود عشرية ستينات هذا القرن حيث بدأت تظهر بعض الدراسات العلمية أن الدماغ البشري يتميز بوحدة وعيه وانسجام وظائفه.ابتدأت هذه الدراسات العلمية في الظهور بجامعة لوس أنجلس الأمريكية إلى أن توجت باكتشاف القناة الرابطة بين الجهة اليمنى والجهة اليسرى للدماغ البشري تسمى هذه القناة le canal calleux وصاحب هذا الاكتشاف العلمي هو الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل للطب سنة 1981 Roger wolcott Sperry
مباشرة بعد هذا الاكتشاف، أصبح الدماغ البشري موضوع بحث دقيق من طرف بيولوجيا الجزيئات، حيث أثبتت هذه الأخيرة توفر الدماغ البشري على حوالي مأة مليار من العصبونات بالإضافة إلى عدد مماثل من الخلايا المساعدة المسماة بالخلايا الغليةles cellules glialesناهيك على أن الترابطات بين هاته الخلايا يصل إلى حوالي مليون من المليارات.
في إحدى كتاباته نبه العالم النفسي فرويد إلى أن كل معارفنا القائمة عل أساس سيكولوجي هي دائما لحظية وغير دائمة وتحتاج هاته المعارف إلى تفسيرات على أساس عضوي.هاته الإشارة التي تسللت من لا شعور العالم النفساني فرويد دفعت بالعالم الفرنسي المتخصص في مجال البيولوجيا وعلم الوراثة ورئيس لجنة الأخلاقيات للجمهورية الفرنسية Jean Pierre Changeux إلى التساؤل حول هذا الأساس العضوي الذي بامكانه تقريبنا من فهم وظائف الدماغ؟في كتابه الإنسان العصبوني يجيب هذا العالم بأنها جزيئات ومترابطات فيزيائية وكيميائية
_________

المصدر

من العقل إلى الذكاء

التعريفات المعجمية تقدم العقل على أنه مجموعة من القدرات الذهنية تنتظم كالتالي:
• القدرة على التعرف وعلى التمييز
• القدرة على التمييز مابين الحقيقي والمزيف
• القدرة على التمييز مابين الخير والشر

إن العقل كموضوع للتحليل والتداول قديم قدم التفكير نفسه وهنالك فلاسفة وفلسفات ارتبطوا بهذا الموضوع بل هنالك من ارتقى بهذا المجال من التفكير إلى مرتبة العبادة وهذا ما قام به احد المغمورين في تاريخ الثورة الفرنسية يدعىV.HEBERT1 حيث قام يوم10 نونبر1793 بداخل كنيسة Notre Dame de Paris بالإعلان عن الديانة الجديدة للشعب الفرنسي وهي ديانة العقل- يسمى هذا التيار بتيارLes hébertistes وقد قام روبسبيير بإعدام أنصاره كلهم سنة 1794.

تاريخ تمثل العقل مثله مثل تاريخ تمثل الإنسان، النظرة إليهما تتغير وفق ما تؤسسه لهما الثقافة والنظام التداولي العام للمعرفة. أركيولوجية المعرفة أكدت أن الإنسان انتقل عبر التاريخ من جزء بسيط تائه في الكون بدون معالم تاريخية، جغرافية وثقافية إلى كتلة ذهنية وعضلية مستكشفة لهذه الطبيعة ) الكشوفات الجغرافية ( وبعد ذلك مستكشفة لذاتها ) ظهور العلوم الإنسانية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (. حاليا الإنسان تحت الأضواء الكاشفة لعلم الموروثات الجينية ولعلوم الأعصاب Les neuro sciences أصبح شيئا أخر غير ذلك الذي كان ينظر إليه في القرون القليلة الماضية وما ينطبق على الإنسان ينطبق كذلك على العقل وعلى الذكاء. السؤال الذي يجب طرحه هنا هو كيف يمكن تحديد العقلاء و الأذكياء؟
كل العلماء والخبراء الذين قاموا بتناول الذكاء قاموا بتقديم تعريفات حاولوا من خلالها مقاربة ظاهرة الذكاء؛ نقوم هنا بتقديم تعريفات أربعة خبراء نفسانيين:
1. Throndikeالذكاء هو القدرة على تقديم أجوبة صحيحة من خلالها تتطابق الحقيقة مع الأحداث
2. Termanالذكاء هو القدرة على التحكم في فكرة مجردة.
3. Colvin الذكاء هو القدرة على التعلم وعلى تعليم الآخرين.
4. Pintnerالذكاء هو القدرة على التكيف مع وضعيات جديدة.

أما بالنسبة لبياجي، فالصيرورات الذهنية هي استمرارية للصيرورات البيولوجية، كلتاهما ترتكزان على التكيف مع المحيط وتؤسسان لنظرية للذكاء. تتأسس نظرية الذكاء عند بياجي على خمسة مفاهيم:
1. الخطاطة Le schème: هي الوحدة الأساسية لفعل الذكاء وتتطابق مع البنية أو النظيم.
2. التكيفL’adaptationهي إعادة تنظيم المعارف من طرف شخص ينمو داخل وسط ينمو هو الأخر بشكل مستمر.
3. الأستيعابL’assimilationهي الصيرورة التي بواسطتها تقوم البنية المعرفية استقبال موضوع معرفي ما. يتم التمييز بداخل مجال الاستيعاب بين عدة أشكال متعددة:
∞ الاستيعاب الوظيفيAssimilation fonctionnelleهو دعم الخطاطات.
∞ الاستيعاب المعممAssimilation Generalisatriceتوسيع مجال تطبيق الخطاطات
∞ الاستيعاب المميزAssimilation Recognitiveتمييز شيئين بداخل خطاطة واحدة
∞ الاستيعاب المتبادلAssimilation Réciproqueتمييز نظيم ما بين مجموعة من الخطاطات
4. التلاؤم L’accomodationهي صيرورة إضافية، يقوم عبرها الإنسان المتعلم بتعديل بنيته المعرفية الحالية لكي تتماشى مع توازنات المحيط
5. الاتزانEquilibrationهي صيرورة التعديل الذاتي عبر مجموعة من التوازنات الايجابية
_________

المصدر

حول الأصول البيولوجية للذكاء

الذكاء، كمعطى ذهني هو موضوع للتقويم وللقياس ومنذ بداية القرن العشرين بالتحديد سنة 1905 تحت طلب وزارة التربية الوطنية الفرنسية قام العالمان Alfred Binet وThéodore Simon بصياغة سلم لترتيب الذكاء؛ من وراء هذا الطلب المقدم من طرف وزارة التربية العمومية كانت تكمن غاية محددة هي خلق أقسام متخصصة لذوي الحاجات الخاصة، وما كان لهاته الغاية أن تظهر إلى الوجود لولا اهتمام الوزارة آنذاك بظاهرة التخلف العقلي و بظاهرة النبوغ الفكري التي يتميز بها بعض التلاميذ. لقد تم اختيار Alfred Binet لهذه المهمة لأنه أولا كان يهتم بالاختبارات التجريبية على الذكاء، حيث قام سنة 1903بتقديم دراسة تجريبية على الذكاء، وكان حينئذ يشغل منصب مدير مختبر الدراسات النفسية التجريبية بجامعة السربون.
أول صيغة لسلم قياس الذكاء ظهرت سنة 1905 وتحتوي على أسئلة متدرجة.من بين الثلاثين سؤالا، الأبله سوف لن يستطيع الإجابة إلا على الأسئلة الست الأولى، أما المتخلفimbécile فانه يستطيع الإجابة فقط على الأ ثنى عشر سؤالا. سنة 1908 عرف سلم ترتيب الذكاء تقدما حيث تمت إعادة صياغته على أساس مستوى السن، مما سمح للعالمين بصياغة ولأول مرة مفهوم السن الذهني بدل السن البيولوجي.طفل يبلغ من العمر عشر سنين إذا استطاع فقط الإجابة عن الأسئلة المخصصة للأطفال البالغين من العمر ثماني سنوات فان هذا التلميذ سنه البيولوجي هو عشر سنين وسنه الذهني ثمان سنوات.
سنة 1950 استطاع العالمان ولأول مرة استعمال مفهوم معامل الذكاء le quotient intellectuel
يتم احتساب معامل الذكاء كالتالي:
إذا كانت النقطة التي حصل عليها طفل وهو في سن العاشرة تساوي نفس النقطة التي حصل عليها طفل آخر وهو في الحادية عشرة من عمره نجد أن السن الذهني للطفل الأول هو الحادية عشرة ومعامل ذكائه هو 110
قاعدة احتساب معامل الذكاء هي كالتالي: السن الذهني مقسوم على السن البيولوجي مضروب في مائة يساوي معامل الذكاء
يتم التأشير على مستوى الذكاء بواسطة روائز وفي شتى الروائز التي يتم اعتمادها لتحديد معاملات الذكاء وسط مجموعة بشرية ما يتم الحصول على رسم بياني شبه قار وهو الرسم البياني المعروف باسم منحنى كوس. يكشف هذا الرسم على نسبة قليلة من النبهاء، الأذكياء وعلى نسبة قليلة من الأغبياء في حين الغالبية العظمى هم متوسطون و عاد يون.استقرارية النتائج التي يعتبر منحنى كوس احد خصائصها تطرح على الممارسة التربوية إشكالا حقوقيا كبيرا ألا وهو حماية الأقليات الذهنية، سواء منها ذات التفوق العقلي المعرفي، أو ذات التأخر الحسي الحركي؛ تتم حماية هاته الأقليات من القاعدة العريضة من ذووا الذكاء ات المتوسطة العادية، لأن هاته الأخيرة تحول دون تحقيق الأولى لحقها في التعبير، فمن جهة الذكاءات الحادة تعاني من كبح جماحها من طرف الذكاءات العادية-المتوسطة ومن طرف الذكاءات الضعيفة، لدرجة أن هاته الذكاءات الحادة لا تجد مبررا أو حافزا لاستمرارها في التعلم، نفس المعانات تحس بها العينات ذات الذكاء الضعيف، حيث تجد نفسها مقصية أمام ذوو الذكاء العادي-المتوسط وأمام ذووا الذكاء الحاد.
ظاهرة دراسة الذكاء بواسطة معرفته وتحديده وقياسه هي ظاهرة على ما يبدو مرتبطة بتاريخ البحث العلمي لهذه الظاهرة، من البحث في السلوكيات سواء منها الإنسانية أو الحيوانية إلى البحث في تاريخ استكشاف المخ البشري ومعرفة وظائفه الظاهرة منها والخفية.
قبل ظهور الروائز الحديثة التي تسعى إلى تحديد الذكاء البشري ومعرفته وتصنيفه، اعتبر في البداية شكل الجمجمة مؤشر لتبيان مستوى ذكاء الكائنات الحية حيث تم التوصل في القرن التاسع عشر إلى تحديد حوالي 2000 ميزة تخص شكل الجماجم وعلاقتها بالذكاء وتأسس على اثر ظهور هذا الهوس المعرفي انشغال علمي متميز عرف باسم La phrénologie العالم الذي استطاع أن يدرس الجماجم ويجعل من حجمها وشكلها طريقة لتصنيف الذكاء البشري هو Frans Josèphe Galle.انتشر هذا العلم، أي علم الجماجم، وأصبح مجالا لاستقطاب العديد من الباحثين.
مع نهاية القرن التاسع عشر توصل العالم دبواDubois سنة 1897إلى وضع معادلة رياضية عن طريق قياس ومقارنة وزن الدماغ بوزن الجسد، والمعادلة هي كالتالي:
E = KP0,56
E = وزن الدماغ ،
P يساوي وزن الجسد ،
K هو معامل الدماغ
بفضل هذه المعادلة استطاع Dubois تحديد معامل الدمغة Coefficient de céphalisation لجميع الكائنات الحية.
معامل دماغ الإنسان هو 2, 8، معامل دماغ القردة هو 0,4 ،معامل دماغ الفئران هو 0, 07
مقارنة معامل أدمغة جميع الكائنات الحية تجعل المحلل أما م حقيقة تمايز بعضها البعض ولكن لا تجعله أمام حقيقة دكاء الإنسان أو غبائه، حيث.كشف تشريح أدمغة بعض المشاهير عن لا جدوى هذه المقابلة. دماغ بسمارك مثلا يزن 1800غرام، في حين دماغ أناتول فرانس بالكاد يزن ألف غرام. معدل وزن دماغ الأوروبيين هو 1400 غرام.
كما سبقت الإشارة إلى ذلك، خلال بداية القرن، تم اعتبار معامل الدماغ بالإضافة إلى وزنه كمؤشر على مستوى الذكاء، إلا أنه مع التقدم الحاصل حاليا في مجال ما أصبح يسمى بعلوم الأعصاب Les neurosciences أتضح أن هنالك حوالي 20000 خصائص وراثية مسؤولة عن تطور وظائف الذكاء، وأي تحول لهده الخصائص الو راثية يؤدي إلى اختلالات عقلية.
بعد اكتشاف معامل الدمغة اتضح للباحثين بأن هذا المعامل ليس باستطاعته التأشير على مستوى ذكاء البشر، انه فقط يؤشر على التميز الذي يحظى به الكائن البشري مقارنة مع باقي الكائنات الحية الأخرى. استمر البحث العلمي عن أسرار الذكاء إلى أن تم الاهتداء إلى ظاهرة نمو الأدمغة.لقد اكتشف العلماء بأن من بين الخصائص العامة التي تميز أدمغة الكائنات الحية هي الاستمرارية في النمو وفي تزايد الوزن مند الولادة إلى سن البلوغ. ينطبق هذا على جميع الكائنات الحية إلا أن ما يميز دماغ الطفل، أي صغير الإنسان Le petit de l’homme مقارنة مع دماغ الإنسان البالغ هو أن دماغ الأول يمثل فقط على مستوى الوزن 24 في المأة من دماغ الثاني في حين دماغ صغير الشامبانزي يمثل 60 في المأة من دماغ كبير الشامبانزي. دماغ صغير الإنسان يعتبر الأقل نضجا عند الولادة إلا أنه عند سن البلوغ يعتبر الأكثر نضجا وهذا دليل على أن اكتساب المعارف والتجارب يساهم في نمو الدماغ.

___________

المصدر

حول الأصول الاجتماعية للذكاء

يقول Pierre oléron في كتابه الذكاء: “إن ذكاء البشر يقع ما بين مستويين: مستوى غير كاف للاستجابة لمتطلبات الحياة ومستوى يتطابق مع النجاحات الباهرة وبعض هذه النجاحات تستطيع أن تؤثر في مجرى التاريخ ” 2

كما يضيف بأن ” تطور المجتمعات المعاصرة هو الذي أدى إلى تطوير المكانة التي يحتلها الأفراد داخل المجتمع والى البحث الحثيث لمعرفة خصوصياتهم من أجل مساعدتهم على حل قضاياهم”ص6
بالولايات المتحدة الأميركية، توصل Thurstone سنة1938 إلى تحديد سبعة عوامل أساسية تتواجد بشكل ثابت في جميع التجارب التي تخص تحديد خصائص الذكاء:
1. عامل الفضاء
2. عامل الأرقام
3. عامل اللغة
4. عامل الذاكرة
5. عامل الاستيعاب
6. عامل سيولة الكلام
7. عامل الاستنتاج والتحليل
بالولايات المتحدة الأمريكية دائما قام Guilford بتطبيق روائز مكنته من استكشاف المناطق العقلية والمعرفية والتي تم تقديمها على شكل مكعب ذو ثلاثة مداخل:
 مدخل العمليات
 مدخل المنتوجات
 مدخل المحتويات

مدخل العمليات يتكون من خمسة أبواب:
1. باب الأحكام
2. باب النتاج الموزع
3. باب النتاج المتمركز
4. الذاكرة
5. باب العقل المعرفي
مدخل المنتوجات ينتظم كالأتي:

1. الوحدات
2. الأقسام
3. العلائق
4. الأنظمة
5. التحولات
6. الاستنتاجات
أما مدخل المحتويات فهو يخص:
1. المحتويات الصورية
2. المحتويات الرمزية
3. المحتويات الدلالية
4. المحتويات السلوكية.
بقدر ما أصبح الذكاء البشري عملة نادرة يتم استثمارها لإنتاج الثروة والحفاظ عليها بقدر ما أصبح تحديد هذه العملة صعبا للغاية. تحديد فعالية الذكاء لا يتم بواسطة الأحكام القيمية أو بواسطة التقديرات الانطباعية بل يتم بواسطة القياس. كما تقاس المسافات والأوزان وغيرها يقاس كذلك الذكاء.
نظرا لتعدد مستويات الذكاء ونظرا لتحديد المستويات الثابتة المشكلة لخصائصه سواء كما صنفها thurstone أو Guilford فأن روائز قياس الذكاء وتحديد طبيعتها سوف تكون متعددة ومتنوعة حسب تمظهرات أشكال الذكاء التي يتوفر عليها الإنسان. لكن ما يمكن التأكيد عليه هو أن قياس ذكاء شخص بمعزل عن باقي الأشخاص الذين ينتمون إلى نفس السن المعرفي والعقلي لا معنى له ولا فائدة، لهذا فالروائز المطبقة تقوم بقياس مستوى التطور الذهني لطفل ما بالمقارنة مع باقي الأطفال.أكثر الروائز استعمالا سواء على مستوى دول الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية هي:
سلم قياس الذكاء لبني Binet
بطاريات الإثبات لكوفمان Kaufman(k-ABC) من سنتين ونصف إلى اثني عشر ونصف. هاته الروائز تمت صياغتها سنة 1983 وهي روائز تعتمد الدراسات الفيزيولوجية والعصبية للوريا Luria. تم تعديل هذه الروائز وملاءمتها للخصوصية الفرنسية سنة 1993. تحتوي على سلم لتقييم معالجة مقاطع من المعلومات بما فيها المعالجة المتزامنة Traitement simultané والمعالجة الغير متزامنة.
سلم قياس تطور التفكير المنطقي لدى الطفل من سن الثامنة إلى سن السادسة عشر لصاحبه لانجو Longeot(E.l.p).تقترح روائز لانجو :
∞ التبادل والتركيب Permutation de jetons(combinatoire)
∞ تكميم الحسابات الافتراضية
∞ تأرجح المحور المنطقي Oscillation du pendule (logique)
∞ تمثل بداخل المجال للمنحنيات الميكانيكية
Représentation dans l’espace des courbes mécaniques
∞ حفظ الأوزان والأحجام Conservation du poids et du volume
روائز Progressive Matrice de Raven(pm38) من سبع سنين إلى إحدى عشر ونصف. تمت صياغة هذه الروائز من طرف الانجليزي RAVEN سنة 1938 وقد اعتمد على نظرية سبيرمان SPEARMAN
روائز ويشلر wechler تحتوي على اختبارات لقياس الكلام واختبارات لقياس الانجاز وهي :

• Wippsi للأطفال المتراوحة أعمارهم ما بين 3 إلى 6 سنوات
• Wisc للأطفال والمراهقين من ستة سنوات و أربعة أشهر إلى ستة عشرة سنة وثمانية أشهر.
• wais للبالغين
___________

المصدر

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في ديسمبر 23, 2010 in Uncategorized

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: