RSS

في جدل العلاقة بين "الذات" و"الموضوع"

23 ديسمبر
تحية طيبة …..

من خلال “الممارَسة” فحسب يستطيع البشر (الأفراد والجماعات) التأثير في “الواقع”، وتغييره، فالفكر (وغيره من العوامل والقوى الذاتية والمثالية الإنسانية) في حدِّ ذاته، ومهما كانت قوَّته المنطقية، لا يمكنه أبدا أن يُحْدِثَ، أو يُحقِّق، أي تغيير في الواقع المادي في بُعْديه الطبيعي والاجتماعي ـ التاريخي.

نَعْلَمُ أنَّ للإنسان الحي نشاطا ذهنيا ونفسيا، وأنَّ “منتَجات” هذا النشاط ليست بـ “المادِّية”، في طبيعتها وماهيتها، وأنَّ هذه “المنتجَات” هي ما يتألَّف منها ما يسمَّى “الواقع الذاتي (أو المثالي)” للبشر. على أنَّ هذا النشاط، مع “منتجَاته (اللا مادية)”، ليس سوى ثمرة التفاعل المادي الخالص.. التفاعل بين الدماغ البشري، الذي هو عضو مادي لا ريب في ماديته، والواقع الموضوعي، أي كل مادة (في داخل جسم الإنسان وفي خارجه) يمكنها أن تؤثِّر في هذا الدماغ.

إنَّ التفاعل المادي في خارج هذا السياق، أي في خارج سياق العلاقة بين “الواقع الموضوعي” و”الدماغ البشري (الحي)”، يُنْتِجُ تغييرا ماديا خالصا، أي أنَّه لا يُنْتِج أبدا ما ينتمي إلى “الوعي”، في طبيعته وماهيته. الدماغ البشري فحسب هو الذي بتفاعله الحتمي مع الواقع الموضوعي يُنْتِج “منتجَات” ليس بـ “المادية”، في طبيعتها وماهيتها. يُنْتِجُ ما نسميه “الوعي”.

“الوعي في حدِّ ذاته”، ومع أنَّه ثمرة تفاعل مادي خالص، لا يُنْتِج، وليس في مقدوره أبدا أن يُنتِجَ، أي تغيير مادي؛ لأنَّ “التغيير المادي”، كل تغيير مادي، لا تصنعه سوى قوى مادية خالصة.

والبشر (الأفراد والجماعات) لا يدركون الجانب الموضوعي من ممارستهم، على خير وجه، إلا في حال “الفشل”، فإذا هُمْ بدأوا الفعل، أو الممارسة، أو النشاط العملي الواقعي، “متوقِّعين” انتهاءه إلى “نتيجة معيَّنة”، وإذا ما ذهبت “النتيجة الفعلية” بـ “توقُّعهم” هذا، اشتدَّ المَيْل لديهم إلى القول بـ “وجود يدٍ خفيَّة” أفسَدَت نتائج عملهم، أي جعلت عملهم ينتهي إلى نتائج غير تلك (ومضادة لتلك) التي توقَّعوها، وأرادوها، ورغبوا فيها، وسعوا (عمليا) من أجل التوصُّل إليها. وهذه “اليد الخفيَّة” إنَّما هي يد “الواقع الموضوعي”، أو “القوانين الموضوعية”. وإذا كان من قول يُعَبِّر عن هذه الظاهرة (ظاهرة فشل “التوقُّع”) فهذا القول إنَّما هو “جرت الرياح بما لا تشتهي السُفُن”.

“الفشل”، أي فشل “التوقُّع”، هو السبب الذي يَحْمِل البشر على القول بـ “اليد الخفيَّة”، فإذا هُمْ أحاطوا بها عِلْماً، أي وعوها علميا، نسبوها، أو صار ممكنا أن ينسبوها، إلى “القانون الموضوعي”، أمَّا إذا عجزوا عن ذلك فإنَّ نَسْبِها إلى “السماء”، وفَهْمها على أنَّها “يد القضاء والقدر”، يصبحان هما “الحل”، و”الجواب”.

وعند “النجاح”، أي نجاح “التوقُّع”، قد يميلون إلى “تأليه” الإرادة.. إرادة الإنسان، وحرِّية الإرادة الإنسانية، فيتوهَّمون، ويوهِمون غيرهم، أنَّ كل شيء يتوقَّف على إرادة الإنسان، الذي بحسب هذه التفسير المثالي الذاتي يكفي أن يريد شيئاً حتى يتحقَّق.

ما معنى أن يباشِر الإنسان العمل، وأن يمضي فيه قُدُما؟ معناه إنَّما هو “إطلاق يد الواقع بقوانينه الموضوعية في العمل بما يتَّفِق أو يختلف مع ما يريده هذا الإنسان”. بالعمل، وفي العمل، لا يفعل الإنسان (الفرد أو الجماعة) سوى ما يشبه “الإدارة”، أو السعي في “إدارة ما لا يملك” من قوى وقوانين مادية.

هذا الإنسان، ومهما بلغت قوَّته الفكرية والعلمية والحضارية والتكنولوجية، يستحيل عليه استحالة مُطْلَقةً أن “يَخْلِق” أو “يفني” القوانين المادِّية الموضوعية، فغاية عمله ونشاطه لا تتعدى “تسهيل” أو “إعاقة” عمل وفعل “القانون المادي الموضوعي”. وكل النشاط المادي للإنسان لا يتعدى إعداد وتهيئة وتحضير الوسائل والأدوات والقوى (المادية) لـ “تسهيل”، أو “إعاقة”، عمل قانون موضوعي معيَّن بما يمكِّنه من التوصُّل إلى “النتيجة المادية” التي أرادها وتوقَّعها ورغب فيها.

عليه أوَّلاً أن يكتشف، وأن يعي هذا القانون المادي الموضوعي وعيا موضوعيا علميا، فإنْ هو استوفى هذا الشرط فلا بد له، عندئذٍ، أو بعد ذلك، من أن يُعِدَّ العُدَّة، أي أن يُعِدَّ الوسائل والأدوات والقوى (المادِّية) التي بفضلها، وعَبْرِها، يستطيع، أو قد يستطيع، تسهيل عمل قانون موضوعي معيَّن، أو (أو “و”) إعاقة عمل قانون موضوعي آخر.

كيف يمكنكَ مثلا أن تحصل على مقدار من الجليد؟ هذا الجليد، أوَّلاً، إنَّما هو شيء أنْتَجَتْهُ “الطبيعة”، بـ “قوانينها الموضوعية”، من قبل، أي من قبل وجود البشر. لقد استوفى الماء “السائل” الشروط والأسباب الطبيعية لتجمُّده فتجمَّد. البشر، ومُذْ عرفوا “العمل”، شرعوا يحاولون إنتاج نوعين من المنتجَات: مُنْتَج له أصل في الطبيعة كـ “الجليد”، ومُنْتَج ليس له من أصل في الطبيعة، وإنْ جاءت مكوِّناته وعناصره الأولية من الطبيعة، كـ “الإناء المصنوع من الفخَّار”. وفي إنتاجِكَ لهذا أو ذاك ليس من فَرْق لجهة التزامكَ، في العمل والممارَسة، “القانون الموضوعي”.

إنتاجكَ لـ “الجليد” يبدأ، مثل كل عمل، بداية “مثالية”، ينبغي لنا أن نفهمها هي أيضا فهما مادِّيا. إنَّه يبدأ بـ “الفكرة”، و”التصوُّر”، و”الإرادة”.. و”الرغبة في إنتاج هذا الشيء”.
“العامِل المثالي الذاتي”، أي “الفكرة” و”التصوُّر” و”الإرادة”..، لن يتمكَّن أبدا، ومهما قوي، من أن يَجْعَل “زيت الزيتون” جليدا، أي ماءً صلباً. لو حاوَلْتَ لَفَشِلْتَ حتما؛ لأنَّ إرادتكَ، على قوَّتها، لا تستطيع الاتيان بشيء لا تسمح لكَ الطبيعة بالإتيان به، فالبشر لم يتمكَّنوا قط، ولن يتمكَّنوا أبدا، من جَعْلِ الزيت جليدا. الطبيعة إنَّما تقول لكَ: هذا الشيء من ذاك وليس من ذلك، فإذا أردته فاعمل بما يتَّفِق كل الاتِّفاق مع هذه الحقيقة الموضوعية.

بعد ذلك، ينبغي لكَ، إذا ما أردت جَعْلَ الماء جليدا، أن تسوفي، في عملكَ، شروطا مادية موضوعية أُخرى.. ينبغي لكَ أن تعمل بما يتَّفِق كل الاتِّفاق مع “قوانين مادية موضوعية معيَّنة”، فالماء، الذي تريد جعله جليدا، ينبغي لكَ تعريضه لتأثير أجسام وقوى مادية معيَّنة. ينبغي لكَ أن تهيِّئ من الوسائل والأدوات والقوى (المادية) ما يسمح للماء بأن يَفْقِد من مخزونه الحراري ما يؤدِّي، حتما، إلى تحويله إلى جليد. إذا كان هذا الماء عُرضة لتأثير قوى مضادة لهدف العمل.. قوى يمكنها أن تضاعف مخزونه الحراري فإنَّ عليك أن تملك من الوسائل المادية ما يمكِّنكَ من جعل هذا الماء بمنأى عن تأثير تلك القوى. وعليكَ، في الوقت نفسه، أن تجعله عُرضة لتأثير قوى البرودة، أي القوى التي يمكنها أن تُفْقِده من مخزونه الحراري ما يكفي لتحوُّله إلى جليد.

تخيَّل أنَّ لديكَ من الوعي، في هذا الصدد، ما يجعلكَ تتوقَّع أن يتحوَّل الماء إلى جليد إذا ما ألقيْتَ في إناء الماء “جمرة”، أو إذا ما أفْقَدَتَ الماء من مخزونه الحراري ما يجعل درجة حرارته خمس درجات مئوية.

هذا الوعي ليس من عاقبة عملية حتمية له سوى الفشل؛ ولسوف ترى من خلال التجربة أنَّ “النتيجة الفعلية (الموضوعية)” قد ذهبت بـ “توقُّعكَ”، فالماء تبخَّر بعضه أو كله في التجربة الأولى، وظل سائلا ولم يتحوَّل إلى جليد في التجربة الثانية.

“النتيجة التي توقَّعْت” لم تتحقَّق؛ لأنَّها لم تستوفِ الأسباب والشروط المادية الموضوعية لتحقٌّقها. أمَّا “النتيجة الفعلية”، التي لم تتوقَّعها، أو تريدها، أو ترغب فيها، فهي واقع مادي موضوعي جديد، استوفى الأسباب والشروط المادية الموضوعية لنشوئه فنشأ.

ما معنى هذا؟ معناه، الذي ينبغي لنا دائما إدراكه، هو أنَّ “الفشل”، أي ذهاب النتائج الفعلية بالتوقُّع، يشتمل، دائما، على “واقع مادي موضوعي جديد”، اجتمعت أسباب وشروط نشوئه فنشأ، فـ “القانون المادي الموضوعي” يعطي، دائما، من خلال العمل والممارَسة، “نتائج مادية ملموسة”، تُعطي لـ “توقُّعنا” معنى “الفشل” أو معنى “النجاح”.

إذا رأيتَ الماء يتحوَّل إلى جليد فهذا إنَّما يعني أنَّ القانون المادي الموضوعي لهذا التحوُّل “يَعْمَل”. وغني عن البيان أنَّ هذا القانون يؤكِّد ويُظْهِر “وجوده” عَبْر “عمله”. أمَّا إذا رأيتَ أنَّ الماء ظلَّ سائلا، ولم يتحوَّل إلى جليد، فهذا إنَّما يعني أنَّ هذا القانون لم يستوفِ بَعْد شروط عمله وفعله، فهو موجود، لم يفنَ، ولكنَّ عمله وفعله قيد التعطيل (المؤقَّت).

النشاط العملي للإنسان (الفرد والجماعة) على الصعيد الاجتماعي والتاريخي لا يختلف، من حيث الجوهر والأساس، عن نشاطه العملي على الصعيد الطبيعي. الإنسان (الفرد أو الجماعة) يتوقَّع لنشاطه العملي أن يتمخَّض عن نتيجة (مادية) معيَّنة.

نشاطه هذا يجب أن يتمخَّض دائما عن “نتيجة مادية ملموسة”، فإذا أردْنا أن نزن تلك النتيجة بـ “ميزان النجاح أو الفشل في التوقُّع” فإنَّها، ومن حيث المبدأ، إمَّا أن تكون تأكيدا لـ “نجاح التوقُّع”، وإمَّا أن تكون تأكيدا لـ “فشله”.

كل ما يأتي به النشاط البشري (الاجتماعي والتاريخي) العملي من نتائج مادية ملموسة إنَّما هو “واقع مادي موضوعي جديد”، استوفى الأسباب والشروط المادية الموضوعية لنشوئه فنشأ. وليس من نشاط كهذا لا يتمخَّض عن نتائج كتلك.

منسوب الموضوعية في التفكير والعمل نراه، ويجب أن نراه، قليلا عندما يريد الإنسان (الفرد أو الجماعة) شيئاً، فيسعى، فيتمخَّض عن سعيه شيء آخر.. شيء لم يُرِدْهُ ولم يرغب فيه؛ وقد يكون مضادا تماما للهدف الكامن في سعيه (العملي).

النشاط الاجتماعي والتاريخي العملي للإنسان ينتهي، ويجب أن ينتهي، دائما إلى النتائج المادية التي، وإنْ لم تتَّفِق مع ما أراد، يجب أن تتَّفِق كل الاتِّفاق مع القوانين المادية الموضوعية العاملة على الصعيد الاجتماعي والتاريخي.

وإذا كان من مهمة لـ “العِلْم”، على صعيدي المجتمع والتاريخ، فهذه المهمة إنَّما هي تمكين البشر من أن تأتي النتائج المادية لنشاطهم الاجتماعي والتاريخي العملي متَّفِقةً قدر المستطاع مع إرادتهم وهدفهم وتوقُّعهم.

كل نشاط عملي يقوم به الإنسان (الفرد أو الجماعة) على الصعيد الاجتماعي والتاريخي لا بدَّ له من أن يتفاعل مع الواقع المادي الموضوعي (الاجتماعي في المقام الأول والطبيعي في المقام الثاني). ونتيجة هذا التفاعل إمَّا أن تأتي متَّفِقة مع توقُّعِه وإمَّا أن تأتي غير متَّفِقة.
على أنَّ اتفاقها مع توقُّعِه أو مخالفتها له لا يلغي حقيقة أنَّها متَّفِقة كل الاتفاق مع “قوانين مادية موضوعية”.

النتيجة المادية النهائية للنشاط العملي للبشر إنَّما تصنعها “قوانين موضوعية صرف”، نَجَحَ البشر، أمْ لم ينجحوا، في “إدارتها” بما يتَّفِق مع “أهدافهم”. وهذه القوانين تَعْمَل أو لا تعمل بحسب خصائص ومكوِّنات البيئتين “الطبيعية” و”الاصطناعية”، وتفاعلهما. و”البيئة الاصطناعية” هي البيئة المادية التي خلقها وطوَّرها البشر مُذْ شرعوا، عَبْر “العمل”، يتفاعلون مع “البيئة الطبيعية” في طريقة “لا حيوانية”. إننا نرى، مثلا، فَرْقا نوعيا بين الإنسان والحيوان في طريقة اتِّقاء شرور الحر الشديد والبرد الشديد، فالإنسان يواجه التأثير المناخي “الضار” بالملابس، ووسائل التبريد الاصطناعي والتدفئة الاصطناعية للمكان (المنزل، أو موقع العمل) الذي يقيم فيه.

عَبْر “البيئة الاصطناعية”، التي تؤثِّر الآن في الإنسان وتطوُّره أكثر كثيرا من “البيئة الطبيعة”، يتحكَّم البشر في قوى الطبيعة، فيُسهِّلون، أو يعيقون، تأثيرها فيهم بما يلبي حاجاتهم، ويسمح لهم بالوصول إلى أهدافهم.

على أنَّهم، ومهما أظهروا من قوَّة الإرادة، لا يمكنهم التوصُّل إلى “نتائج مادية” لنشاطهم العملي لا تسمح بها علاقة التأثير المتبادل بين بيئتهم الطبيعية وبيئتهم الاصطناعية. أُنْظروا، مثلا، إلى العواقب العملية لرغبة إنسان، وسعيه من ثمَّ، في أن يقتل عدوه من خلال قتله لنفسه. هذه الرغبة، ومعها السعي العملي لتحقيقها، قديمة قِدَم العداء والحروب بين البشر؛ ولكنَّها لم تُثْمِر النتيجة المادية المرادة والمستهدَفة إلا عندما تهيَّأت لها الأسباب والشروط المادية الموضوعية كـ “الحزام الناسف”، أي عندما أصبح ممكنا واقعيا تحويل الإنسان إلى “قنبلة بشرية”، يُفجِّرها، فيَقْتُل ويُقْتَل في آن. في زمن القتال بالسيف والرمح.. كان مستحيلا أن يحقِّق الإنسان تلك الرغبة.. الرغبة في أن يَقْتَل عدوه من خلال قتله نفسه.

“الممكن واقعيا” هو وحده الممكن تحوله إلى “حقيقة واقعة”؛ وهذا “الممكن واقعيا” إنَّما هو في الأساس ثمرة تطوُّر “البيئة الاصطناعية”، وما يفضي إليه هذا التطوُّر من نتائج جديدة للتفاعل بين تلك البيئة والبيئة الطبيعية “الساكنة نسبيا”، أي مقارنة بالتطوُّر السريع والمتسارع للبيئة الاصطناعية.

النتيجة المادية الملموسة التي يفضي إليها النشاط العملي للبشر إنَّما هي “واقعٌ (مادي موضوعي) جديد قد نشأ”. وهذا الواقع ليس بـ “المصادفة”، وإنْ شاركت في صنعه وخلقه قوى وعوامل وأسباب ننسبها إلى “المصادفة”؛ لأننا لم نتوقَّعها عند بدء العمل. هذا الواقع لجهة نشوئه إنَّما هو “الضرورة”، أو “الحتمية”، بعينها، فهو ما كان له أن ينشأ لو لم تجتمع كل أسباب وعوامل وشروط نشوئه. هو “الضرورة” و”الحتمية” أأردنا وتوقَّعْنا نشوءه أم لم نُرِد ولم نتوقَّع. أرأينا نشوءه أمراً “عقلانياً” أم “منافيا للعقل”.

لو زرعْتُ قمحا، وهيَّأتُ له كل أسباب وعوامل وشروط النماء (التي عرفتها وتعلَّمتها عبر التجربة) فإنَّه، في هذه الحال، يمكنني وينبغي لي أن أتوَّقع أن ينتهي عملي هذا إلى النتيجة المادية التي أريد، فالأسباب تهيَّأت وتتهيَّأ، ولا بد، بالتالي، للنتيجة التي أريد من أن تتحقَّق بعد حين. وعندما تتحقَّق أستطيع أن أؤكِّد أنَّ نشوء هذا الواقع المادي الجديد كان ضرورة وحتمية.

ولكن لِنَفْتَرِض تبدُّلا مفاجئا غير متوقَّع في الأحوال المناخية أدَّى إلى هلاك هذا الزرع. سأقول عندئذٍ: لولا تلك “المصادفة” لكان توصُّلي إلى النتيجة التي أريد أمرا حتميا. هذا التبدُّل المفاجئ وغير المتوقَّع (بالنسبة إليَّ) في الأحوال المناخية هو “مصادفة”؛ ولكن في هذا المعنى فحسب. أمَّا هو، أي هذا التبدُّل، وفي حدِّ ذاته، فكان شيئا اجتمعت وتهيَّأت لنشوئه كل الأسباب والعوامل والشروط فنشأ، أي كان لجهة نشوئه ضرورة وحتمية.

لقد زرعتُ قمحا؛ ولكنني لم أحصد قمحا، فهذه النتيجة المادية المرادة والمستهدَفة لم تتحقق بسبب تلك “المصادفة”. إنَّها لم تتحقَّق؛ ولكن ما معنى هذا؟ معناه أنَّ “نتيجة مادية ملموسة أخرى”، لم أردها، ولم أرغب فيها، ولم أتوقَّعها، هي التي تحققت. وهذه النتيجة إنَّما هي واقعٌ جديد كان لجهة نشوئه ضرورة وحتمية.

هذا المثال يوضِّح لنا أنَّ كل نشاط عملي نزاوله يجب أن يتمخَّض عن نتيجة مادية ملموسة، وأنَّ كل نتيجة مادية ملموسة يتمخَّض عنها نشاطنا العملي هي واقع مادي جديد كان لجهة نشوئه ضرورة وحتمية. و”النتائج” تختلف باختلاف بيئتنا الاصطناعية (في سياق التطوُّر) مع ما يترتَّب على ذلك من اختلاف في التفاعل الدائم والحتمي بينها وبين بيئتنا الطبيعية.

إذا أنتَ أفْقَدتَّ هذا المقدار من الماء جزءا معيَّنا من مخزونه الحراري فإنَّك تتوقَّع تحوله إلى جليد. ولسوف تنجح في توقُّعكَ هذا. ولكن، هل ينتهي عملكَ هذا إلى هذه النتيجة فحسب؟ كلا، لا ينتهي إليه فحسب؛ فعملكَ مع انتهائه إلى النتيجة التي أردت وتوقَّعت، لن يتوقَّف عن التفاعل مع أشياء لا يمكنكَ عدَّها أو حصرها، وسيتمخَّض، بالتالي، عن نتائج لم تتوقَّعها، وما كان في مقدوركَ توقعها، وما كان لديك من حاجة إلى توقُّعها والإحاطة بها عِلْما.

وفي آخر المطاف، ينشأ واقعٌ جديد، علاقته السببية بوعيكَ، وبالنشاط العملي الذي قمتَ به عن وعي، في منتهى الضعف. وهذا ما يفسِّر الظاهرة أو الحال الآتية: التفاعل بين “الذات” و”الموضوع” يُنْتِج، في آخر المطاف، واقعا اجتماعيا ـ تاريخيا جديدا يفاجئ، في جوهره، البشر جميعا، وكأنَّه من صنع يدٍ خفية لا عِلْم لهم بها، ولا قدرة لديهم على السيطرة عليها والتحكم فيها.

على أنَّ هذا الواقع ما كان له أن ينشأ لو لم تجتمع وتتهيَّأ الأسباب والعوامل والشروط المادية لنشوئه، ولو لم يكن ممكنا واقعيا أن ينشأ. وهذا “الممكن واقعيا” كان من قبل “غير ممكن واقعيا”، وسيغدو، مستقبلا، “غير ممكن واقعيا” أيضا. أمَّا السبب فهو اختلاف وتطوُّر “البيئة الاصطناعية” مع ما يترتَّب على ذلك من نتائج على صعيد التفاعل بينها وبين البيئة الطبيعية.

إنَّ للنشاط العملي للبشر عواقب، بعضها متوقَّع ومعلوم، وبعضها غير متوقَّع وغير معلوم، وإنَّ لغير المتوقَّع وغير المعلوم منها حصة الأسد في صُنع التطوُّر التاريخي للبشر.

صُنع الحدث التاريخي إنَّما يبدأ بنشاط عملي معيَّن، يزواله البشر (الفرد والجماعة) في بيئة اصطناعية معيَّنة، تتفاعل مع بيئة طبيعية معيَّنة. هذا النشاط إنَّما يستهدف التوصُّل إلى نتائج معيَّنة، هي “أهداف” تلبي حاجات معيَّنة، وتخدم مصالح معيَّنة. وهذا النشاط يؤثِّر ويتأثَّر بنشاط (إيجابي أو سلبي) يزاوله آخرون في المكان ذاته، والزمان ذاته.

في “النتائج المباشِرة”، إمَّا أن ننجح وإمَّا أن نفشل في توقُّعنا، وفي تحقيق ما نريد. أمَّا في “النتائج غير المباشرة”، وفي آخر المطاف، فإننا نرى جميعا نشوء واقع اجتماعي ـ تاريخي لم نتوقَّعه، ولم نسعَ إليه عن وعي وإرادة وقصد، لا يعود بالنفع والفائدة على فرد أو فئة إلا ليعود، في الوقت عينه، بالضرر والخسارة على فرد آخر، وفئة أخرى.

على أنَّ هذا الواقع، ومهما كان بعيدا وغريبا عن توقُّعِنا وإرادتنا وسعينا، يبقى “المُنْتَج الحتمي” لـ “مكان معيَّن” و”زمان معيَّن”، مع ما يعنيه هذا الزمان وذاك المكان اجتماعيا واقتصاديا وتكنولوجيا..

و”العِلْم” لجهة تطوُّره ليس سوى الوسيلة التي تسمح للإنسان بأن يتوقَّع “النتائج المباشِرة” لنشاطه العملي، وبأن يتوقَّع قدر المستطاع، وأكثر فأكثر، “النتائج غير المباشِرة والبعيدة المدى” لنشاطه هذا. هو الوسيلة التي بها تنمو قدرته على “التفسير”؛ ثمَّ على “التغيير”.. أي تغيير الواقع الموضوعي بما يلبي حاجاته، ويخدم مصالحه، ويحقِّق أهدافه.

جواد البشيتى من منتدى حوار .

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في ديسمبر 23, 2010 in Uncategorized

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: