RSS

الافكار المادية عند المعتزلة

18 نوفمبر

 

ينقل ابن قيم الجوزية تلميذ ابن تيمية في كتابه الروح عن فرقة من المسلمين ترى أن النفس عرض من أعراض البدن كحياته و إدراكه , فتعدم بموت البدن كما تعدم سائر الأعراض المشروطة بحياته , و تستنتج هذه الفرقة أن مستقر الأرواح بعد الموت هو العدم المحض ( الروح لابن قيم , إصدار المكتبة العصرية – لبنان , طبعة عام 2007 , ص 117 ) . فيما بعد , في تفصيل هذه الفرقة يذكر ابن قيم أن هذا المذهب في الروح هو مذهب ابن الباقلاني الأشعري و العلاف المعتزلي , و ينقل عن أكثر الأشاعرة أن العرض لا يبقى زمانين ( و الروح عرض للجسم عند ابن الباقلاني ) أي أن روح الإنسان الآن هي غير روحه قبل , أي “لا ينفك يحدث له روح ثم تغير ثم روح ثم تغير هكذا أبدا ( و هي فكرة أقرب إلى التغير الدائم لديمقريطيس – الكاتب ) .. فإذا مات فلا روح تصعد إلى السماء و تعود إلى القبر و تقبضها الملائكة .. و لا تنعم و لا تعذب , و إنما ينعم و يعذب الجسد .. و إلا فلا أرواح قائمة بنفسها البتة”( المصدر السابق , ص 138 ) . هذا التصور عن الروح ليس فقط تصورا ماديا بل و متطور جدا بالقياس إلى العصر الذي قيل فيه . كان هذا إحدى نتائج الفعل الفكري الحر و حتى المتمرد , العقلاني أساسا , للمعتزلة .

من المؤكد أن المعتزلة لم يكونوا أول فرقة عقلانية في الإسلام , فقد سبقها مثلا القدريون و حتى الجبريون ( خاصة جهم بن صفوان ) , بمعنى أنها لم تكن فرق سياسية المنشأ و المحتوى كالشيعة و الخوارج مثلا , لكن من المؤكد أنهم كانوا أبرز هذه الفرق العقلانية و أنهم كانوا أيضا الأكثر تطورا , أحيانا حتى بالمقارنة مثلا بالفلاسفة المشائين الذين ظهروا في وقت لاحق . لقد استوعب المعتزلة عمليا ذلك الحراك العميق الفكري و السياسي و الاجتماعي الذي أطلق له العنان في الفترة العباسية الأولى مستفيدين من غياب إيديولوجيا رسمية للسلطة , حتى بدأ هذا الحراك بالتراجع مع خلافة المتوكل , التي شهدت حدثين هامين , انقلابه على المعتزلة و تسلط أمراء الجند الأتراك على الخلافة , الأمر الذي أدى إلى القضاء تدريجيا على هذا الحراك بمعناه الواسع المجتمعي رغم أن قصور السلاطين و الأمراء , و الخلفاء في بعض الأحيان , قد بقيت ملاجئ “معزولة” لإنتاج الفكر العقلاني الذي أصبح تدريجيا أقرب لحالة ترف عقلي منه لعامل حراك اجتماعي جدي .

بالعودة إلى الروح , سنجد هنا مذهب بعض المعتزلة , و المتأثرين بهم من الأشاعرة , يحمل موقفا ماديا صريحا من الروح , أو الوعي الإنساني و الكوني عموما , بشكل متطور أكثر بكثير من الفلاسفة المسلمين أنفسهم . كان الأصم المعتزلي كما ينقل ابن قيم “لا يثبت للحياة و الروح غير الجسد” ( المصدر السابق , ص 210 ) و يضيف عنه أن “النفس هي هذا البدن بعينه لا غير” ( ص 210 ) , هذا مثلا في مقابل رؤية الفلاسفة المسلمين الذين جردوا الروح عن المادة تجريدا كاملا و جعلوها فكرة عقلية بالغة التجريد ( الأمر الذي خلق نزاعا حادا بينهم و بين الفقهاء فيم يتعلق بحشر الأجساد مثلا الذي أنكره الفلاسفة بالنتيجة ) .

صحيح أن بعض المعتزلة , كالجبائي و حتى شخصيات مرموقة في الاعتزال كالعلاف و النظام , قد وقفوا موقفا مثاليا صريحا من هذه المسألة , و هذا إن دل على شيء فإنه يدل على عدم التجانس الكبير في صفوف المعتزلة . يجب ألا ننسى أنه كان هناك تفاوت في درجة تبني العقلانية بين المعتزلة أنفسهم , و أنه من بين صفوفهم خرجت شخصية عقلانية “متطرفة” مثل ابن الراوندي في مقابل شخصيات أكثر اعتدالا في عقلانيتها . و سيجري مثل هذا الجدال أيضا فيم يتعلق بالله و المادة الكونية أو العالم أيضا لكن بين الفقهاء المحدثين و بين الفلاسفة و من معهم . ففي مقابل إله الفلاسفة العقلي و المجرد , سنجد ابن حنبل و تلامذته يدافعون عن إله ذي وجود مادي تقريبا ( و لهذا قال ابن رشد أن خصومه من الفقهاء و المتكلمين قد “جعلوا الإله إنسانا أزليا” ( تهافت التهافت , المكتبة العصرية , بيروت , ط عام 2003 , ص 24 ) . هذا هو جوهر السجال حول صفات الله و حول اتصافه بالمكانية ( أو ما تسميه كتب التراث بالتحيز ) و صفات الوجود المادي الأخرى ( أو ما تسميه كتب التراث بالجسمية ) , كالاستواء على العرش و اليد و الكلام و قابلية الرؤية , الخ (

لهذا الصراع أبعاد مختلفة منها ما يتعلق بدور المؤسسة الدينية في المجتمع مثلا , الذي كان سيصبح هامشيا إن لم يكن ملغى في حال انتصار الجبرية الجهمية أو الجبرية الصوفية القائمة على وحدة الوجود مثلا , و هذا الذي أدركه أيضا ابن تيمية و تلميذه ابن القيم و حاربوه بشدة , طالما كان الإنسان وفق الجبرية الجهمية منفعل فقط أمام القدر الإلهي الفاعل الوحيد و طالما أن الإنسان , كما أي شيء في الوجود , ليس إلا صورة للإله نفسه , كما قال المتصوفة . إن الطريقة الوحيدة لاحتفاظ المؤسسة الدينية بدورها في قيادة الوعي الجمعي , عن طريق حقها في مراقبته و محاكمته , هو في أن يبقى الإنسان مسؤولا عن أفعاله أمام محكمة المؤسسة الدينية كممثل للإله . لقد أنكرت الجبرية الجهمية المسؤولية “الجنائية” للإنسان أمام محكمة المؤسسة الدينية و قصرتها على معرفة الإله بينما دمرت الصوفية القائمة على وحدة الوجود الفاصل بين الحاكم و المحكوم على المستوى الكوني , أي بين الإله و الإنسان , هذا مع رفض هذه المؤسسة القاطع للحل المعتزلي – القدري لهذه المعضلة بإعلان الإنسان هو الخالق لأفعاله , كان هذا في المحصلة الأخيرة سيقلب علاقة الإله بالإنسان الشكل الذي تصر عليه المؤسسة الدينية . أما إله المعتزلة الخير المطلق , و الذي جعله بعض المعتزلة غير قادر حتى على الظلم , و العقلاني المحض المنزه عن المادة تماما , فإنه لم يؤد إلى إلغاء المؤسسة الدينية , بل إلى استبدال المؤسسة الدينية القائمة ذات الخطاب النصي بمشروع مؤسسة دينية – إيديولوجية جديدة تتألف من بعض أئمة المعتزلة , كي لا نظلمهم جميعا , و بخطابهم العقلاني , إذ أقام هؤلاء محكمة أشبه بمحكمة تفتيش , للفقهاء أنفسهم هذه المرة , و تحظى كما في السابق بعطف السلطة و تضرب بسيفها ) .

لقد أدرك أبو حامد الغزالي , و هو يقارع الفلاسفة , خطورة قولهم بقدم العالم , الذي أخذوه عن أرسطو , و هو لذلك يتهم الفلاسفة بأنهم في الواقع دهريون ينفون الصانع إذ يقولون بقدم العالم , “من لا يعتقد بحدوث الأجسام فلا أصل لاعتقاده بوجود الصانع” ( المصدر السابق , ص 15 ) , و لو أن هذا الرأي الأرسطي جاء في المقام الأول ليحل إشكالية الخلق بواسطة الإله و في محاولة لعقلنة صورة الإله و تنزيهه عن الحوادث الأمر الذي كان سيجعله غير معقول ( كإله ) وفق قوانين العقل , الأمر الذي كان يتطلب إما تجاهل قوانين واشتراطات العقل هذه أو تعديل صورة الإله نفسها .

ابن تيمية أيضا فهم خطورة هذا الطرح الفلسفي , إن قدم العالم أو المادة الكونية يعني أن “لا يكون الله خلق شيئا من شيء , لأن المادة عندهم لم تخلق , أما المتفلسفة فعندهم المادة قديمة أزلية باقية بعينها” ( النبوات لابن تيمية , دار الكتاب العربي , لبنان , ط 2005 , ص 59 ) . و هكذا يصبح الخلق الإلهي تغييرا لصورة المادة فقط , ف”هم يقولون أن الجواهر لا تفنى بل تنتقل من حال إلى حال . و كثير منهم يقولوا أنها مستغنية عن الرب بعد أن خلقها” ( المصدر السابق , ص 55 ) .

إن إله أرسطو هنا هو أشبه بإله ديكارت المسؤول عن إطلاق زنبرك الساعة الكونية التي ستتحرك بشكل مستقل بعد ذلك في روتين ذاتي لا يختل , رغم أن عالم أرسطو كان يريد أن يتخلص من المادة ليعود إلى حالة روحانية خالصة بينما كان عالم ديكارت عالما ماديا ( فيزيائيا ) خالصا أما الروح , إن وجدت فيه , فقد كانت ضرورية فقط في لحظة ولادته أو بداية حركته الذاتية .

يجب ألا نتصور أن المؤسسة الدينية من خلال منظريها المتأخرين قد أنكرت فكرة قدم العالم أو المادة كما فعل متقدميهم كأبي حامد الغزالي مثلا , الذي اعتبر أن الفلاسفة المسلمين هم خارج الملة لقولهم بهذا , فابن تيمية مثلا الذي حاول إعادة اللحمة بين المجتمع الإسلامي و المؤسسة الدينية الإسلامية في فترة أخذ فيها الشك بشرعية المؤسسة الدينية و خطابها الرسمي شكلا لاعقلانيا , صوفيا , و شعبويا , لا نخبويا , بسبب المجازر و الهزائم المتتالية على يد المغول و التتار و من قبلهم الصليبيين , على عكس الشك , و النقد , العقلاني الذي واجهته في الماضي . كان على ابن تيمية أن يستخدم شيئا من الخطابات العقلانية السابقة المعارضة للخطاب الرسمي للمؤسسة الدينية , و الذي سهل مهمته أن معظم هذه الخطابات كانت قد زالت أو ضعفت بما في ذلك الباطنية بما لا يشكل خطرا على السلطة السياسية السائدة ولا على خطاب المؤسسة الدينية الرسمي .

في قضية الخلق مثلا يقول ابن تيمية أن “حقيقة أصل أهل الكلام المتبعين للجهمية أنه لا يحدث شيء و لا يفني شيء , بل يحدث كل شيء بنفسه و يفنى بنفسه” ( المصدر السابق , ص 61 ) , أما الأصل عنده أن “الخلق يشهدون إحداث الله لما يحدثه و إفناء لما يفنيه , كالمني الذي استحال و تلاشى و أحدث منه هذا الإنسان .. فهو سبحانه دائما يحدث ما يحدثه و يكونه , و يفني ما يفنيه و يعدمه . و الإنسان إذا مات و صار ترابا فني و عدم .. ثم يعيده من التراب كما خلقه ابتداء من التراب و يخلقه خلقا جديدا .. وهذا هو القدرة التي تبهر العقول و هو أن يقلب حقائق الموجودات فيحيل الأول و يفنيه و يلاشيه و يحدث شيئا آخر .. و خلق الشيء من غير جنسه أبلغ في قدرة القادر سبحانه و تعالى” ( ص 61 – 63 ) .

يدل هذا الكلام على ان ابن تيمية قد قبل ضمنا بفكرة قدم المادة رغم أنه ينفي أن تغير المادة من حال إلى حال هو صفة ذاتية فيها , بل أن هذا التغير يكون بأمر الإله , هذا لا يغير حقيقة قبوله ضمنا بأزلية المادة . كان ابن تيمية بحاجة إلى “تلفيق” “حلول” جديدة لذات المعضلات القديمة , مثلا سنجده يعيد الاعتبار للسببية التي كان نفيها جزءا أساسيا من محاربة الأشعري للمعتزلة و من بعده محاولة الغزالي نقد الفلسفة في رفضهم لأي تقييد لحرية الإله المطلقة في الفعل , و سيحاول أن “يخلق” وسطا جديدا , ففي مسألة القضاء و القدر كان جبريا في الحقيقة رغم أنه كان عليه أن يواجه الجبرية الجديدة للمتصوفة , لهذا كان عليه أن “يخلق” مخرجا “جديدا” جبريا في الجوهر , قدريا في الشكل . كان ابن تيمية مضطرا لاستخدام ما يحتاجه من عقلانية لخدمة النص المقدس و لخدمة خطاب المؤسسة الدينية , دون أن يصبح هو نفسه عقلانيا , بل دون أن يكف في الواقع عن مناهضته للعقل .

يبقى أن نذكر هنا أن هذا الجدال الفكري لم يكن ذا دلالة سياسية أو اجتماعية مباشرة و سهلة التفسير , مثلا اختلف المعتزلة بشكل هائل في مواقفهم السياسية ( أي من السلطة القائمة و من فرق المعارضة “السياسية” , سواء فيم يتعلق بشرعية السلطة القائمة أو بالموقف من واقعة الفتنة في التاريخ الإسلامي الأول ) , رغم أنهم عموما , خاصة في المرحلة الأولى من وجودهم و تطورهم , كانوا ينتقدون بحرية و دون تردد ممارسات الصحابة جميعا في تلك الفتنة , حتى أن واصل بن عطاء مؤسس فرقة المعتزلة قد اعتبر أن طرفا من طرفي الفتنة مخطئ دون أن يستطيع تحديده و لذلك قضى برفض شهادة أي من المنخرطين في الفتنة , و كان من بينهم أيضا من قال بأحقية الإمام علي في الخلافة كالنظام ( الذي ينسب إلى الرفض ) و منهم أيضا من أنكر ضرورة قيام سلطة مركزية أساسا ( الأصم و الفوطي ) و أنه بمقدور الجماعة أن تقوم بالشرع دون وجود مثل هذه السلطة أصلا , و في حال ضرورتها قبولهم مبدأ الخوارج ( الذي يوصف أحيانا بالجمهوري ) بجواز أن يكون أي مسلم إماما وبشرط الخوارج أيضا و هو إجماع الأمة عليه و قيامه بالعدل .

أكثر من ذلك , و رغم التباين , و حتى الخلاف , الشديد بين ابن رشد و الغزالي , سنجدهما يتفقان على قضية خطيرة , و هي أن النظر العقلي يجب ألا يكون متاحا أو مسموحا للعامة , و أن الشرائع و التلقين و الوعد و الوعيد ضروري لمعاشهم . و يجب أن نذكر أخيرا أن المؤسسة الدينية نفسها قد قامت في مراحل انتقالية عدة بدور هام في ملء أي فراغ سلطوي في رأس الهرم السياسي و الاجتماعي أو في معارضة هذه السلطة أحيانا , رغم أنها على العموم كانت إلى جانب السلطة السياسية و الاجتماعية القائمة , خاصة في المراحل المتأخرة من وجودها , و في كل الأحوال إلى جانب علاقات الإنتاج و الملكية السائدة و ساعدت , و طالبت , باستمرار بإعادة تأسيس مركز سياسي جديد , في حال غيابه أو سقوطه , على ذات الأسس الاستبدادية السابقة …..

مازن كم الماز

عن الحوار المتمدن
http://www.alzakera.eu/music/vetenskap/filosofi/filo-0092.htm

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في نوفمبر 18, 2010 in مقالات منقولة

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: