RSS

هل المسيح هو الله ذاته؟

16 أكتوبر
المسيحلقد أصبح السرد القصصيّ للفكر المسيحيّ عن “يسوع” الربّ ملازماً لأسئلة الناس على مرّ التاريخ: أين ولد؟ و كيف صُلب؟ و لماذا صُلب؟ لقد جاء في الأمانة الكبرى التي هي الركن الركين في العقيدة النصرانيّة “أنّ الآب الله صانع الكلّ لما يرى، و ما لا يرى، و جاء فيها أنّ الابن -يعني المسيح- خالق كلّ شيء، فإذا كان الله صانع كلّ شيء؛ فما الذي خلقه المسيح؟! و إذا كان المسيح خالق كلّ شيء فما الذي خلقه الله؟! إنّه التناقض العجيب الذي تذهل منه العقول! و كيف يكون عيسى قديم لا أوّل لوجوده مع أنّه عندهم هو ابن الله، و الابن لا بدّ من أن يكون أبوه أقدم منه؟! و هل يوجد الابن مع الأب؟ و كيف؟! و إذا كان المسيح هو الله بعينه؛ فكيف يكون ابناً و في الوقت نفسه هو آب؟! و إذا كان المسيح غير الله فلماذا يتحمّل خطيئة لم يفعلها هو؟! ألا يعتبر هذا ظلما؟! ثمّ ألم يكن من العدل أن يُحييَ الله آدم ثمّ يجعله يُصلب ليتحمّل عقوبة خطيئته؟! ثمّ أما كان الله قادراً على مغفرة ذنب آدم -هذا الكائن الأسطوريّ- دون الحاجة إلى تلك الخرافات المضحكة؟! ثمّ ما ذنب البشر الذين دخلوا في سجن إبليس -قبل صلب المسيح- في شيء لم يفعلوه؟! ثمّ إذا كان الذي صُلب (الله) صُلب عن طيب خاطر -كما يقولون- فلماذا كان يصيح ويستغيث؟! و هل يكون إلها من يصيح و يستغيث و لا يستطيع تخليص نفسه من أعدائه ومخالفيه؟! …إلخ 

ثمّ الكلّ يعلم خرافة ولادة يسوع من عذراء هي كاهنة معبد، و نجمة الشرق التي لم يرَها سوى “متـّى” بمرصد الكواكب المتـّاويّ، أو جوقة الملائكة التي لم يسمعها سوى الموسيقار “لوقا”، و بالمناسبة: شجرة الميلاد غير ذات جدوى ما لم تتوّج بنجمة الشرق!

إذا كانت مدينة الناصرة من نسيج الخيال الوثنيّ؛ فلا بدّ أنّ بطل المدينة أسطورة بحدّ ذاته، و الدليل هو اختفاؤه بعد الولادة مباشرة -عدا مناسبة خرافيّة واحدة ذكرها لوقا عندما بلغ الصبيّ عامه الثاني عشر!- حتى “يوسف النجّار” أبو يسوع الحقيقيّ اختفى دوره من المسرح المسيحيّ فلم يعد له وجود أو ذكر، و لا يظهر يسوع الأسطورة؛ إلاّ بعد بلوغه عامه الثلاثين، حينئذ ينفتح الخيال الأسطوريّ المسيحي على مصراعيه، و يتطوّر شيئاً فشيئا، كلّما نسوا أمراً ما؛ زاده من جاء خلفهم.

و الحق يقال؛ إنّه من الصعب جدّاً تخيّل ابن الله -أو الله عند بعض المذاهب المسيحيّة- يلعب و يرتع مع أطفال اليهود و هو يمرّ بمراحل النموّ البشريّ، و بالتالي لا يمكن للعقل أن يتقبّلها، فتجاهلها جميع كتبة الأناجيل؛ لصعوبة المهمّة و استحالتها، و لو تخيّلها أيّ إنسان عاديّ لرفضها و هي ما تزال في خياله.

هل قال المسيح “أنا الله” أو “أنا ابن الله” في أناجيلكم، على أعتبار أنها صادقة فيما راحت تحكيه حول هذه الخرافة أو الأسطورة؟ و ذلك على سبيل المثال. هل كان مثالاً حيّـاً للإله المتجسّد على شكل بشر عندما حلّ اللاهوت بالناسوت؟ هل يدلّنا أحد من كتبة الأناجيل كيف حدث هذا الاتحاد؟ و هل تغيّرت تبعاً لذلك طبيعة المسيح؟ يعتبر ذلك تطوّراً في المتح المثيولوجي من القصّ القديم للحضارات السابقة على المسيحيّة في شكلها المتأخـّر. يجب أن نذكـّر هنا بـ”إفلوطين السكندري” تحديدا، الذي صاغ فكرة الثالوث و لكن بمعنى فلسفيّ أخذت تتبناه المسيحية المتقدّمة بشكل مغاير تماما. عندما تحدّث عن الله و العقل المنبثق منه و الروح السارية في العالم و التي انبثقت عن العقل الأوّل، فاستعادتها المسيحيّة بالعقل و الكلمة و الروح القدس، ثمّ جعلتها ثلاثة أقانيم في واحد؛ أي أنّ الله يتشكـّل من أقانيم ثلاثة أو مستويات ثلاثة. فالمسيح هو الله عينه، عاش في بطن مريم ثمّ كانت مريم تقمط الله و ترضعه من ثدييها و تمسح قذاراته…إلخ

و أمّا بالنسبة للتطوّر الثاني، فهو أسطرة الواقع التاريخيّ: فإنّ المسيح يُقَدَّم كتجسّد لله الآب؛ على أنّه جاء وفاءً و تحقيقاً لبشارات العهد القديم بمجيء مخلِّص فادٍ يرسله الآب الله لتخليص الناس من الخطيئة؛ خطيئة آدم عندما أكل من الشجرة اللعينة. فهنا تأخذ الأسطورة شكلاً فوق موضوعيّ لتفسير التاريخ، شكلاً يرقى على التاريخ، بل و يصوغ التاريخ و يحرّكه عبر مسار مغاير تماما. هنا يؤدّي التاريخ نفسه وظيفة الأسطورة، يصبح التاريخ مؤسطرا، فإنّ رواية الأحداث في كتاب العهد الجديد تساعد على تقديم و إظهار مغزى لتلك الأحداث للأجيال القادمة.

فقصة المسيح تصبح عهداً (ميثاقاً) جديدا، النقطة المحوريّة فيه هي المكاشفة الذاتية (البوح الذاتي) لله عن نفسه للبشريّة، أي كيف يصبح الله فاعلاً في التاريخ محرّكاً لأحداثه، أي أنّه يقدّم الفاعليّة التفسيريّة لأحداث التاريخ المستقبليّة. و هنا التاريخ نفسه تمّت أسطرته عندما تحوّلت تلك الفترة التاريخيّة التي كان يمشي فيها المسيح على الأرض إلى فترة مقدّسة أسطوريّة.

إن كتاب العهد الجديد يقدّم لنا صورة مزدوجة عن المسيح تاريخيّة (حقيقيّة) و أسطوريّة (خياليّة)، فـ “الناصريّ” رجل في التاريخ يحتلّ زماناً و مكاناً محدّدين، بينما “المسيح” هو تعبير أسطوريّ-لاهوتيّ، ينطلق من إيمان الجماعة المسيحيّة الأولى بكائن فوق تاريخيّ و شخصيّة فاتنة استثنائيّة تتعالى شيئاً فشيئاً حتى تمّ رفعها إلى مستوى الربّ الخالق… و هكذا، فصورة المسيح في كتاب العهد الجديد تتراوح بين التاريخيّة فوق الموضوعيّة و بين الخيال الأسطوريّ، فهي متوزّعة بين ما فهمه كـُتـّاب العهد الجديد و بين ما شعروا به و أحسّوه و تمثـّلوه.

و إنّه لمن الصعوبة بمكان؛ النفوذ إلى المسيح التاريخيّ أو إعادة بناء صورة المسيح التاريخيّ الواقعيّ المحض، و ذلك لعدّة أسباب منها أنّ روايات تعاليمه و أحاديثه لم يُبتدأ في كتابتها إلا بعد انقضاء زمن جيل كامل -واحد على الأقلّ- من صدورها، و هي مدّة أوجدت التعاليم الشفهيّة خلالها تعديلاً و تحويراً في الروايات لتخدم هدف الجماعات و الطوائف الدينيّة المختلفة، و نحن كنّا ناقشنا مسألة انتقال الخطاب الشفهيّ الذي كان يمارس دورا مختلفا في تجسيد الحقيقة عبر القصّ الحكائيّ الذي تتمّ من خلاله بلورة رؤى يتمّ فيها الزيادة و النقصان كما يتمّ فيها كذلك أسطرة الشخصيّات التاريخيّة و رفعها إلى مكان مقدّس أو أسطوريّ، ثمّ عندما يتحوّل هذا الخطاب إلى نصّ مكتوب، هنا يختلف منحنى الخطاب كليـّاً و بشكل متناقض تماماً مع الخطاب في صيغته الشفاهيّة، هنا ينغلق النصّ و يتحول إلى دوغما تحتكر الحقيقة أو تقول الحقيقة النهائيّة، و لا يمكن بحال من الأحوال القبض على تلك الكلمات التي تكلّم بها المسيح و كيف راح مجال تأثيرها يستبطن في الواقع المعاش، و كيف تفاعل معها المجتمع و بأيّة صيغة أو أسلوب، و هل قال ما قال في مدوّنات الأناجيل التي كتبت بعد مدّة طويلة من موته؟ لقد ضاعت تلك اللحظة إلى الأبد، و لا سبيل إلى استرجاعها إلاّ من خلال تحليل نقديّ واسع و متشعّب يرفضه المسيحيّون و لا يقبلون بأيّة نتائج تترتـّب عليه. و كنتيجة لذلك، فإنّه و إن كانت الأناجيل تقدّم لنا صورة مترابطة لنوع الأمور التي قالها أو فعلها المسيح؛ إلا أنّهم قليلون جداً -اليوم- الذين يصدّقون أو يحاولون أن يبرهنوا على أنّ تلك الأمور كانت مدوّنات حرفيّة مطابقة 100% للواقع أو للوقائع كما حدثت بالفعل.

في دراستنا لشخصيّة “المسيح” من المفيد أن نميّز بين “المسيح التاريخيّ” و بين “مسيح الكتاب المقدّس”، المسيح التاريخيّ، هو إعادة تنظيم و بناء شخصيّة المسيح على أساس الأناجيل، أي مستخدمين أقوال و أمثلة و تعاليم و أعمال و أفعال المسيح التي أمكن تذكرها، أمّا مسيح الكتاب المقدّس، فهو التفسير الميثولوجي (الخياليّ الأسطوريّ) و اللاّهوتي للمسيح من قِـبَل الجماعة المسيحيّة المبكـّرة التي نظرت إليه على أنّه إله. فمسيح الكتاب المقدّس يشتمل على ميلاد المسيح و معجزاته و الكلمة السابقة الوجود و قيامة المسيح و صعوده و دينونته (أي مجازاته الأخروية للناس) و التجسّد… و أغلب هذه القضايا تكـفَّـل الإنجيل الرابع (إنجيل يوحنـّا) بتوضيحها بنحو واف. و يتضمّن “مسيح الكتاب المقدّس” بعض عناصر “المسيح التاريخيّ” و لكن بتبديل و تحوير، أي تـُجرى عليها عمليّة أسطرة.

هناك القليل جدّاً من المعلومات عن الناصريّ التاريخيّ، و لقد تمّ حساب أنّه -بصرف النظر عن الأربعين يوماً و ليلةً التي قضاها في البرية و التي لم نـُخبَر عنها بأيّ شيء تقريباً- فإنّ كلّ ما روي لنا ممّا قاله و عمله المسيح في الأناجيل الأربعة يمكن أن يكون قد تمّ إنجازه كلّه في ثلاثة أسابيع فقط!

و نعود إلى سؤالنا الذي افتتحنا به: هل قال المسيح عن نفسه أنّه ابن الله؟

طبعاً من غير الممكن لنا أن نعرف بالضبط ماذا كان يتصوّر المسيح نفسه، أو ماذا يردّد من تعاليم -على اعتبار أنّ الرجل كان يكرز باسم الآب لا باسمه-.

لقد كان الترحيب و التهليل لفكرة المسيح إلهاً؛ استجابة طبيعيّة لجماعة تؤمن بإله يُعتقـَد فيه أنّ من شأنه أنّه يكشف عن نفسه للإنسان و يعرِّف الإنسان ينفسه، و من هنا نجد إنجيل يوحنـّا يحدّثنا عن الابن الوحيد الذي أظهر اللهَ وعرَّفه فيقول: “الله لم يره أحد، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر” (إصحاح 1 / 18) و يخبرنا أيضاً أن الابن “خرج من عند الآب و أتى إلى العالم” (إصحاح 16 / فقرة 28).

في الفترات الأخيرة من زمن تدوين العهد الجديد، يمكننا أن نلاحظ تطوّراً في النظرة إلى المسيح؛ من النظر إليه على أنّه لوجوس الله (أي كلمة الله) إلى النظر إليه على أنّه “ألوهيّة الله” بعينها، فلم يعد المسيح -بالنسبة لكثير من مسيحيّي هذه الفترة الزمنيّة المتأخرة- مجرّد لوجوس (كلمة) بل صار يُعتبر “الله” نفسه! إنّه التطوّر النهائيّ لفكرة تشبه الغنوص.

إنّ الاعتراف بالمسيح إلهاً كان اعترافاً بسلطة و ربوبيّة حكم الله فيه و عبر بواسطة، و هذا ما نجده مصرّحاً به بكلّ وضوح في الرسالة إلى العبرانيين التي كـُتبت في حوالي 95 – 105 م.

كلّ هذه التصوّرات التجسّديّة عكست الاعتقاد بأنّ المسيح كان الله متجسّدا، و هو الاعتقاد الذي جُعِلَ فيما بعد نصّـاً صريحاً في قانون الإيمان المسيحيّ الذي أعلنه مجمع نيقية المسكوني في عبارات مثل “مولود غير مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر، به خلق كلّ شيء” … و هكذا تمّ تطبيق فكرة “هبوط الله إلى عالم الدنيا و تجسّده” على شخصيّة المسيح عيسى التاريخيّ، مبدّلاً النظرة إليه من نظرةٍ إلى المسيح الإنسان التاريخيّ إلى النظرة إلى “مسيح” الكتاب المقدّس؛ أي “المسيح الإله”.

إذا كان من المحتمل أخذ فكرة “ابن الله” حرفيـّا، فإنّ ذلك يمكن له بسهولة أن يكون مضلّلا، ثمّ عندما ترتبط هذه الفكرة بفكرة الولادة العذريّة (أي من غير أب) فإنّها تبدو و كأنّها تفسير للعلاقة بين المسيح و الله؛ بنحوٍ مماثلٍ -تقريباً- للعلاقة بين الإنسان و أبيه البشريّ، أي بالمعنى الجيني (الوراثيّ) و الفيزيولوجي، فيبدو ذلك و كأنّه حقيقة بيولوجيّة حول جوهر طبيعة المسيح!

و لكنّ فكرة “ابن الله” ليست تفسيراً (شرحاً) لـِ “ماهيّة” المسيح؛ بمقدار ما هي تعبير عن “ماذا يعني؟” أو “ما هو مغزى و دلالة المسيح؟” … إنّه عندما تؤخذ عبارة “ابن الله” بمعناها الحرفيّ فإنّها تصبح تأكيداً لتركيبة أسطوريّة؛ محوّلةً المسيحَ إلى مخلوق: نصف بشر، نصف إله، مثل “الآفاتارات” (تجسّدات الإله “فشنو” عند الهندوس) أو مثل أنصاف الآلهة الأسطوريّين في اليونان القديم.

و العقيدة الخلقيدونية التي تنصّ على أنّ المسيح ذو طبيعتين (طبيعة اللاهوت و طبيعة الناسوت؛ التقتا في ذاته) تؤدّي إلى إعطاء صورة نوع من الكائنات هو مزيج و خليط معجون لكائنين مع بعضهما، و تميل هذه الصورة إلى تأكيد و إثبات قوى أسطوريّة شبيهة بقوى السوبرمان للمسيح، لا سيما لمعجزاته و هبوطه إلى لأرض.

تيسير الفارس

http://ladeenyon.net/index.php/2009-08-20-13-16-05/368-2010-06-22-12-27-01

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في أكتوبر 16, 2010 in الناقد الديني

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: