RSS

الدولة الدينية دولة دكتاتورية شاءت ذلك أم أبت

16 أكتوبر

قرار البرلمان الإسرائيلي القاضي بتشريع قانون قَسَم الولاء وألإخلاص للدولة اليهودية الذي يجب أن يؤديه كل من يحمل الإنتماء الجغرافي إلى هذه الدولة ، يؤكد من جديد على عنصرية الحركة الصهيونية العالمية التي توجه السياسة التي تقوم عليها دولة إسرائيل . لقد تبنت هذه السياسة منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 صفة ألإنتماء الديني للمواطنين القاطنين على أراضيها . وإن عرب فلسطين الذين لم يغادروا أرضهم بعد تأسيس هذه الدولة تعرضوا ولا زالو يتعرضون إلى كثير من المضايقات والإضطهاد والإهمال سواءً كان ذلك في مجال الخدمات التي تُقدَم لهم في مناطق سكنهم أو من خلال إعتبارهم مواطنين من الدرجات الدنيا بالرغم من إضطرار الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على منحهم صفة ألإنتماء الرسمي إلى هذه الدولة . أما الآن فقد بلغ هذا ألإضطرار وتائر أخرى واكتسب أبعاداً خطيرة إذ تتجه الدولة الإسرائيلية لسن القوانين القاضية بأن يؤدي مواطنو هذه الدولة القسم القانوني الذي يفرض عليهم الإخلاص لها كونها دولة يهودية فقط ، وقد تم إقرار بعض هذه القوانين بالفعل . أي أن ربط الكيان السياسي للدولة التي يجب أن تكون راعية لجميع مواطنيها بغض النظر عن إنتماءاتهم الدينية أو العرقية ينفي عن دولة إسرائيل كل التبجحات التي أطلقتها ولا زالت تطبل لها من كونها دولة ديمقراطية . إن من أهم مقومات الديمقراطية ليست الإنتخابات الحرة النزيهة فقط ، بل كل ما يتعلق بحياة المواطن الذي ينتمي إلى هذه الدولة وحريته في ممارسة النشاط السياسي وحرية الفكر وحرية العلاقة بالدين سلباً أو إيجاباً وعدم لجوء الدولة إلى فرض قناعات معينة عليه تتعارض وما تنص عليه لوائح حقوق الإنسان الدولية. وهذا ما لم يتم العمل به في مجمل السياسة الصهيونية التي تبنتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة . والقوانين الجديدة التي تفرض على مواطني دولة إسرائيل أن يقسموا يمين الإخلاص لليهودية هي قمة الإنتهاك لأبسط المبادئ الديمقراطية ، حيث أنها تفرض قناعة الدولة في دين معين على المواطن الذي قد يكون له رأي آخر يحدد علاقته مع هذا الدين بالذات أو مع غيره من الأديان أو عدم تفكيره بعلاقة ما مع أي دين لا سلباً ولا إيجاباً ، أي أنه إنسان لاديني .
إلا أن هذه المسألة كإجراء لا ديمقراطي تنتهج فيه الدولة هذا النوع من سياسة الإضطهاد من خلال تبنيها إلصاق الدين بالدولة لا تشمل الدولة الصهيونية فقط ، بل وتشمل كل تلك التوجهات التي تتبنى مثل هذه السياسة والتي تجعل الدولة تأخذ صفة هذا الدين أو ذاك . إن هذا الإلتصاق بدين معين سيفقد الدولة ، مهما تبجحت بالديمقراطية ، صفتها الشمولية من حيث علاقتها بمواطنيها ويوجهها وجهة أحادية نحو الدين الذي تتبناه وتؤكد على تبنيه عبر قوانين تُطبق بالقوة على أولئك المواطنين الذين يفكرون بإتجاه غير ذلك الإتجاه الديني الذي تبنته الدولة . وسيكون الأمر أشد رعباً وفضاعة حينما ترتبط مثل هذه القوانين بعقوبات تُفرض على مَن لا يلتزم بنصوصها حرفياً .


إن هذا المثال الذي تقدمه لنا الدولة الصهيونية والتي تدعي إلتزامها بمبادئ الديانة اليهودية، يكشف لنا ماهية الدولة الدينية . وإن مثل هذه القوانين سوف لا تطبق على مواطني إسرائيل من المسلمين والمسيحين والدروز فقط ، بل وعلى اليهود الذين يرفضون الدولة اليهودية اًصلاً . إلا أن الإجراء الذي ستتخذه الحكومة الصهيونية لتتجاوز به الإحتكاك مع اليهود الرافضين لها ، وحسب الأخبار الواردة حول ذلك لحد الآن ، هو أن اليهود سوف لن يُدعوَن إلى اداء مثل هذا القسم باعتبارهم يهوداً وإن إخلاصهم للدولة اليهودية هو أمر طبيعي ، حسب تفسير الحكومة ألإسرائيلية لذلك .
فهل ترعوي أحزاب الإسلام السياسي التي تتبنى فكرة الدولة الدينية والتي تشارك الدولة الصهيونية بتوجهها هذا حتى وإن إختلف الدين ؟ إن هذه الأحزاب ستقف حتماً معارضة لسياسة الحكومة الصهيونية في إسرائيل في سنها وتطبيقها لمثل هذه القوانين كونها ستؤدي إلى إجبار المسلمين على الولاء لدين غير دينهم وهم مجبرون على ذلك حتماً. فهل يجوز لهذه الأحزاب أن تسمح لنفسها بتبني منهج الدولة الدينية وترفض مثل هذا النهج لدى الآخرين ؟ الدين هو الدين كونه قناعة والتزام من قبل الفرد ذاته . وربطه بالدولة التي لا تقوم ذاتها بالعبادات المتعلقة بهذا الدين ، فالدولة ذاتها لا تصلي ولا تصوم ولا تُزكي ، بل تفرضها على الآخرين من خلال قوانين يسري مفعولها على جميع مواطنيها بغض النظر عن قربهم أو بعدهم عن هذا الدين. ربما ستفسر أحزاب الإسلام السياسي وتجمعاته قناعاتها بالدولة الدينية ، والإسلام دين الدولة ، والإسلام هو الحل وغير ذلك من الشعارات الجوفاء التي فقدت أي معنى وذلك من خلال ترديدها الببغاوي ، بان الإسلام يختلف عن الأديان الأخرى . فيعيدون ويكررون نفس الإسطوانة المشروخة حول إحترام الإسلام للأديان ألأخرى ويستشهدون ببعض الوقائع التاريخية التي لا يمكن عكسها أو القياس بها على واقع اليوم في القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية ، إذ ان لكل حادث حديث ، كما يقال . وربما سيسمحون لأنفسهم بترديد مثل هذه الأكاذيب التي لم تتحقق بالمستوى الذي يطبلون له في اية مرحلة من مراحل دولهم الإسلامية الحديثة التي قامت على مبادءهم هذه ، وأمثلة دولة الطالبان في أفغانستان ودولة الفقيه في إيران ودولة البشير في السودان ، وجميع التجارب الفاشلة التي تمخضت عن هذا الفكر المتخلف المنادي بالدولة الدينية التي سوف لن تكون إلا دولة دكتاتورية بالضرورة ، إن كل هذه التجارب وما نعيشه اليوم من واقع الدولة الصهيونية ، ما هي إلى شهادة حية على دكتاتورية الدولة الدينية ، بغض النظر عن اي دين تتبناه .
وحينما يسعى الخطاب الديني الإسلامي إلى تحقيق دولته التي ينادي بها ويسعى في نفس الوقت إلى رفض قيام دولة دينية أخرى فإنه يبرهن في الواقع إلى إفتقار خطابه إلى الموضوعية وهذا ما يجره إلى إختلاق مسببات لقيام دولته ورفض الدولة الأخرى . لقد أكد خطاب الإسلام السياسي في أكثر من مناسبة على طبيعة إختلافه عن الأديان الأخرى معللاً ذلك بطبيعة التسامح الذي يتصف به الدين الإسلامي تجاه الأديان الأخرى . إن مثل هذا الطرح سيكون مقبولاً لو أثبت المتأسلمون في أحزابهم الدينية على أنهم يطبقون فعلاً هذا التسامح التي نصت عليه التعاليم الدينية . لنرى كيف يفهم الإسلام السياسي هذا التسامح في دولته الإسلامية وكيف يعمل على تطبيقه ؟ لقد كتب أحد دعاة الدولة الإسلامية عن بعض الشروط التي يجب (لاحظ كلمة يجب) أن يلتزم بها غــــيـــــر المسلمين ، وخاصة المسيحيين الذين يؤكد عليهم هذا الداعية، القاطنين ضمن حدود الدولة الإسلامية والذين يُعتبَرون مواطنيها لهم وعليهم ما للمواطنين الآخرين فيها ، حسب قوانين المواطنة المعمول بها في عصرنا هذا . فقد جاء في كتاب ” مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة ، لمؤلفه السيد عبد الجبار ياسين ، من منشورات دار الزهراء للإعلام العربي ، الطبعة الأولى 1986 ، وعلى الصفحات 98ـ99 ما يلي :
” وكتب كثير من أهل الفقه عن شروط مستحَبَة تضاف إلى هذه الشروط المستحَقَة منها : لبس الغيار وهي الملابس ذات اللون المخالف للون ملابس المسلمين لتمييزهم عنهم ، ومنها كذلك ألا تعلوا أصوات نواقيسهم وتلاوة كتبهم ، وألا تعلوا أبنيتهم فوق أبنية المسلمين ، وألا يجاهروا بشرب الخمر أو يظهروا صلبانهم وخنازيرهم ، وأن يخفوا دفن موتاهم ولا يجاهروا بندب عليهم أو نياحة ، وأن يُــــــــــــمـــــنَــــــــــــــعــــــــوا من ركوب الخيل . ففي دولة ألإسلام أياً كان أسمها ، ينقسم الناس إلى قسمين : المسلمين وغير المسلمين. فأما المسلمون فهم أصحاب الدولة والسلطان والقائمون على الناس بالقسط ، وأما غيرهم فهم أهل عهد وذمة إذا رضوا ، فلهم عهد وعلى المسلمين بِرَهم وهم تحت السلطان ، وإن لم يرضوا فهم أهل حرب وعدوان ”
هكذا ، وبكل بساطة ، أهل حرب وعدوان في وطنهم . ماذا نسمي مثل هذا الخطاب إن لم يكن خطاب فتنة إجتماعية تدعو للإقتتال بين أبناء الوطن الواحد والذي يريد دهاقنة الإسلام السياسي نشرها بين الناس إذا ما قُيض لهم تحقيق دولتهم على أرض أي بلد يجرونه ويجرون أهله لمثل هذه الكارثة التي يسمونها ديناً . والدولة الإسلامية هذه ، حسب مفهوم الداعية هذا وفي نفس كتابه أعلاه وعلى الصفحة 59 هي :
” ولذلك يحلو للأقلية النصرانية في مصر ان تتحدث كثيراً عن الوحدة الوطنية فهم في ظلها والمسلمون سواء ، فلا جزية يعطونها عن يد وهم صاغرون ، ولا إحساس بالــــديـــــنــونة لحكم المؤمنين . وأما في ظل دولة الإسلام ، أياً كان اسمها ، فلا مفر من الجزية ، ولا مشاركة في الحكم ، ولا إعتماد عليهم في دفع أو جهاد ، وإنما هم دوماً في حالة ينبغي أن تشعرهم بقوة الإسلام وعظمته وسموه وبره وخيره وكرمه وســـــــــــــــــــمــــــــــــــــاحته أي في حالة تدفعهم ، على الجملة ، للدخول فيه إخـــتــــيــــــاراً ” ……يا لــــــــــــــــــه من إخــــــــــــــــتـيار !!!!!
ولنلاحظ الشبه الُمُخزي بين ما تقوم به الدولة الصهيونية من عدم إشراك المسلمين القاطنين على أرض هذه الدولة بالعمل في القوات المسلحة على إعتبار انهم سوف لن يخلصوا في الدفاع عن الدولة اليهودية ، وبين ما ذكره هذا الداعية الإسلامي بأن المسيحيين في دولته الإسلامية لا يحق لهم المساهمة في الدفاع عن الدولة ” ولا إعتماد عليهم في دفع أو جهاد” .
على هذا النموذج البدائي يريد ألإسلام السياسي القفز على معطيات ومبادئ السلام الإجتماعي الذي تسعى إليه المجتمعات المتحضرة من أجل سعادة الإنسان ، أي إنسان ، الذي جعله الله خليفته على الأرض ، إن كان المتأسلمون يؤمنون حقاً بهذه الفكرة . وعلى هذا النموذج المتخلف فكرياً يسعى ألإسلام السياسي ، تماماً كما تسعى الصهيونية العالمية بالتأسيس لدولتها اليهودية ، إلى جعل الناس طبقات في هذه الدولة التي يكون فيها مَن إعتنق دين السلطة الحاكمة مفضلاً على الآخرين . وانطلاقاً من هذا النموذج الجاهل يجري هجوم دعاة الإسلام السياسي في كل مجالسهم على النموذج العلماني للدولة الحديثة واصفينه بما إمتلأت به جعبتهم من مصطلحات الكفر والإلحاد والزندقة والفساد والأفكار المستوردة وكل تلك التقيؤات التي لم يقدموا حجة علمية واحدة على صحتها ولم يشيروا إلى مثال واحد من أمثلة المجتمعات العلمانية القائمة اليوم ليؤكدوا فيه صحة إدعاءاتهم فيتجنبون بذلك ، حتى ولو بمثل بسيط واحد ، بعض أكاذيبهم التي ينشرونها في كل مجالسهم بين البسطاء من الناس الذين حرمتهم الأنظمة القمعية الدكتاتورية التي تسلطت عليهم ، من الوصول إلى بعض مراحل التعليم التي تؤهلهم ليفكروا ملياً بمثل هذه الأكاذيب التي لا علاقة لها البتة بالتعاليم الدينية التي تدعو إلى المحبة والإلفة والصلاح في المجتمع ، لا إلى الإقتتال والعنف والكذب على الناس.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن فور اً هو : هل أن التشابه على الإصرار في بناء الدولة الدينية بين الحركة الصهيونية العالمية وبين أحزاب وحركات الإسلام السياسي جاء محض الصدفة ، أو أنه مجرد توارد خواطر لا غير ، أو أن له مدلولات أخرى لا يعلمها إلا ذوي الإختصاص في هاتين الحركتين الصهيونية والإسلاموية ….

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في أكتوبر 16, 2010 in الناقد الديني

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: