RSS

خرافة الديمقراطية الإسلامية

10 سبتمبر

يراهن الإسلام السياسي على الديمقراطية والاحتكام لصناديق الاقتراع في معركته مع الأنظمة الحاكمة في المنطقة. ويتحدى بعض من رموز الجماعات “إياها”، الأنظمة السياسية في قبول إجراء انتخابات حرة ونزيهة تفترض فيها، سلفاً، الفوز الكاسح والفوري واستلام السلطة وتنحية هذه الأنظمة التي تصف بعضها بالكافرة، وهذا يعني حكماً أن تلك الجماعات وممثليها هم من يحتكر الإيمان ومحبة الله.

وفي الحقيقة إن في هذا الكلام-تحدي الانتخابات- الكثير من الصحة، وقد حصل في أكثر من بلد- وهذا ليس بسبب عظمة وتفوق الإسلام السياسي، ولكن لأن الأنظمة هي أنظمة قرووسطية وأنظمة دروشة ووفرت الأجواء للمتأسلمين وتجار الأديان للصعود والتمدد عندما غيبت السياسة والحداثة والتنوير والعصرنة والقوى الديمقراطية والعلمانية والليبرالية عن مجتمعاتها وسلمتها لقمة سائغة لهؤلاء يلعبون بها كيفما اتفق، والذين بدل أن يشكروا الأنظمة على هذا “المعروف” والصنيع الطيب و”الخدمات الجليلة”، نراهم ينقلبون على أولياء نعمتهم وباتوا يتحدونهم علناً، ويحاولون الإطاحة بالأنظمة التي ربتهم، وسمنتهم في “سنين الغلاء” الوطني، وهذه واحدة من سمات العمل السياسي للجماعات إياها، والمبادئ التي دأبت على التمسك بها، وهي “التمسكن إلى حين التمكن”، وهذا ما فعلته في مصر والسعودية واليمن والجزائر والسودان في تحدي الأنظمة والانقلاب عليها ومحاولة الإطاحة بها والانقلاب عليها، وبات حلفاء الأمس، وكل الحمد والشكر لله، ألد الأعداء اليوم، وبينهم أنهار من الدماء، يسبح فيها المواطنون المساكين الذين وجدوا أنفسهم بين نارين نار جماعات جامحة طامحة للسلطة متعطشة للاستبداد والظلام، ونار أنظمة متخلفة عديمة الحيلة وقصيرة النظر، وتطلب البقاء المؤقت، وبعدها فليأت الطوفان الظلامي، وذلك حتى على حساب مستقبلها الذي بات في خطر داهم نتيجة هذه التحالفات غير المقدسة مع قوى الظلام التي حرثت المجتمعات بالأضاليل والأحابيل وأفلام الخيال الغيبي وأخرجت مجتمعاتها من أي سباق حضاري ووضعتها في أزمنة غابرة وقرون بائدة.

وفي الحقيقة فالنظرة العامة التقليدية من قبل المتدينين للديمقراطية هي أنها “بدعة” غربية كما عبر عنها أكثر من رمز ديني وهي تشبه بالكفار والعياذ بالله، وبضاعة من بضاعته المستوردة الكثيرة التي تعيش عليها دول الإيمان. وعليه فإن تلك الأطروحات الإسلامية السياسية تنطوي على عدة مفارقات، ومتناقضات لا بد من التأكيد عليها:

1- لا يوجد لا في التاريخ ولا في الفكر أو الإيديولوجية الدينية ما يدعو إلى الإيمان أو الاعتقاد بممارسة أي شكل من أشكال الديمقراطية. فمن يتكلم عن العصمة والنجاة والتميز والتفضيل لنفسه لا يؤمن بأي نوع من أنواع المساواة والعدالة ومبدأ تكافؤ الفرص التي تعتبر جوهر العمل والممارسة والفكر الديمقراطي بطبعته الغربية. ومن لا زال يعتقد بأنه من خير أمة أخرجت للناس، وبأن الناس درجات، والأنبياء كذلك، وأن الرجال قوامون على النساء، ويؤمن بالعبودية للرجال والنساء ولا يلغيها من دساتيره، وبفضل المؤمن على الكفر، والذكر على الأنثى، وبملك الإيمان ويسلع المرأة، فإنه أبعد ما يكون عن التفكير الديمقراطي والممارسة الديمقراطية الحرة..إلخ. وما لم يطرأ تغيير جوهري وجذري في طبيعة وبنية التفكير الديني يقطع تهائياً مع نصوص جامدة مقدسة لا تبدل ولا تتغير ولا يمكن لأحد من الاقتراب منها، فإن أي حديث عن ديمقراطية دينية هوو هم وخيال وضرب من ضروب المحال.

2- هذه الجماعات وأحزابها لا تؤمن بالديمقراطية وتعتبرها بدعة غربية، وسرعان ما تنقلب عليها بعد أن تتمكن من سدة القرار وتصبح أكثر استبداداً وقمعاً وشراهة للحكم من الأنظمة التي أطاحت بها، وقد عبر أكثر من رمز إسلاموي عن ذلك وفي غير مناسبة.

3- إن احتكام تلك الرموز الدينية إلى الولاءات العشائرية والقبلية والدينية والمذهبية ومختلف الولاءات السياسية الما قبل دولتية وما قبل سياسية، هو احتكام غير شرعي، كون الاحتكام الشرعي في المجتمعات المدنية الحديثة نحو قيم المواطنة والولاء الوطني العام والأشمل وليس الولاءات الأخرى التي تدل على أن هؤلاء ما زالوا يعيشون في زمن البيعة، وفكر الجماعة، والطاعة، والرعية التابعة بالغريزة والميل المذهبي، الذي لا مكانة له في الدولة الحديثة التي تعتبر الديمقراطية إحدى آليات إدارتها، وتكون فيها قيم المواطنة وولاءاتها هي السائدة وهي التي يحتكم إليها لا قيم المذاهب والقبائل والعشائر المنقرضة والبائدة، والتي كانت سمة الحكم وإدارة شؤون الإقطاعات الدينية السالفة، أيام الخليفة الوالي المعصوم الحاكم بأمر الله الذي لا يأتيه الباطل لا من الخلف ولا من الأمام.

4- إن الرهان الحقيقي، فيما لو وجد، وهذا حلم نطمح له جميعاً في ضوء الفجائع المجتمعية التذريرية التي نعيشها، هو على المواطن العصري ذي الولاءات الدولتية والسياسية الوطنية العصرية التي لا تضع الاعتبارات العشائرية والمذهبية في رأس رهاناتها السياسية وتشتغل عليها كما تنادي به الجماعات السياسية وهذا عيب ومنكر بكل القيم والمعايير الأخلاقية المعمول بها. ومن أنتج للجماعات هذا الواقع، وأعطاها فرصة التباهي والتحدي هي نفس هذه الأنظمة التي تعمل للإطاحة بها، وهذا عيب آخر، وفعل غير محمود، أن تعض هذه الجماعات يد الأنظمة التي مدت لها، وكانت السبب في وجودها.

5- وأخيراً وليس آخراً، ترفع الجماعات إياها، شعار الحاكمية العريض، وبالفم الملآن والحكم لله والاحتكام لشرعه، بينما جوهر ومعنى الديمقراطية يقوم على حكم الشعب من قبل الشعب نفسه ولأجل نفسه، وبما يراه من مصلحته وليس مصلحة أي كان. والبون شاسع، والفرق كبير، شتان ما بين “حكم الله” كما نراه في الدول الدينية المعروفة حيث يعيش الإنسان في أحط وأرذل وأسوأ الظروف البشرية قمعاً وبؤساً وتنكيلاً وتفقيراً وتجويعاً، وحكم الشعب كما نراه في الدول الديمقراطية الحقيقة حيث ينعم المرء بدرجات معقولة من الكرامة والاعتبار والاحترام ويتمتع بحريته وإنسانيته ويرفل فوق ذلك كله، برغد العيش الحر الكريم.
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=227865

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في سبتمبر 10, 2010 in مقالات منقولة

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: