RSS

الماركسية والدين

01 سبتمبر

ميكائيل لووي
ترجمة : بشير السباعي
ينظر معظم مؤيدي الماركسية وخصومها إلى عبارة” الدين أفيون الشعب ” الشهيرة علي أنها خلاصة المفهوم الماركسي عن الظاهرة الدينية . علي أننا يجب أن نتذكر بادئ ذي بدء أن هذا التعبير ليس ماركسيا بشكل خاص. فالعبارة نفسها يمكننا العثور عليها ، في سياقات مختلفة ، في كتابات كانط وهيردر وفيورباخ وبرونو باور وهاينريش هاينه……

ماركس…

وعلاوةً على ذلك، فإن من شأن قراءة متأنية لمجمل فقرة ماركس التي يظهر فيها تعبير ” الدين أفيون الشعب ” أن تبين أن كاتبها أكثر إدراكا لدرجات الألوان مما هو شائع عنه .فهو يأخذ في اعتباره الطابع المزدوج للدين : “إن الهم الديني هو في الوقت نفسه تعبير عن هم واقعي واحتجاج علي هم واقعي . إن الدين هو آهة الخليقة المضطهدة ، هو قلب عالم لا قلب له ، مثلما هو روح وضع بلا روح . إنه أفيون الشعب ”

وإذا ما قرأنا مجمل البحث الذي ترد فيه هذه الفقرة – والذي يحمل عنوان ” نحو نقد لفلسفة الحق الهيجلية “، والمكتوب في عام 1844 – فسوف يتكشف لنا بوضوح أن رأى ماركس يدين للهيجلية الجديدة اليسارية ، التي اعتبرت الدين اغترابا للجوهر الإنساني ، بأكثر مما يدين لفلسفة التنوير التي ترجع إلي القرن الثامن عشر، والتي أدانت الدين بوصفه مؤامرة إكليركية لا أكثر ولا اقل. والواقع أن ماركس عندما كتب الفقرة الأنفة كان لا يزال تلميذا لفيورباخ، هيجلياً جديدا . ومن ثم فإن تحليله للدين كان “قبل ماركسي “، لا يتميز بأية إحالة طبقية. علي أنه مع ذلك جدليا لأنه قد استوعب الطابع المتناقض للظاهرة الدينية : فهي في بعض الأحيان تمثل إضفاء للشرعية علي المجتمع القائم وهي في بعض الأحيان تمثل احتجاجا عليه . ولم تبدأ الدراسة الماركسية المحددة للدين بوصفه علاقة اجتماعية وتاريخية إلا فيما بعد – خاصة مع مخطوط “الأيديولوجية الألمانية” ( 1846) . وقد تضمنت تلك الدراسة تحليلا للدين بوصفه أحد الأشكال الكثيرة للإيديولوجية ، الإنتاج الروحي لشعب ما ،إنتاج الأفكار والتمثيلات والوعي – والتي تعتبر كلها بالضرورة مشروطة بالإنتاج المادي والعلاقات الاجتماعية المتناسبة معه ، علي أن ماركس ، منذ تلك اللحظة فصاعدا ، لم يول اهتماما كبيرا للدين بصفته هذه ، أي بصفته كونا ثقافيا /أيديولوجيا نوعيا للمعنى .

وإنجلز…

أبدى فرديريك إنجلز اهتماما بالظاهرة الدينية وبدورها التاريخي يفوق اهتمام ماركس بهما بكثير . وتتمثل مساهمة إنجلز الرئيسية التي قدمها إلى الدراسة الماركسية للأديان في تحليله لعلاقة التمثيلات الدينية بالصراع الطبقي . وفيما وراء المناظرة الفلسفية (المادية ضد المثالية) حاول فهم وتفسير التجليات الاجتماعية الملموسة للأديان . فالمسيحية لم تعد تبدو في نظره ( مثلما كانت تبدو في نظر فيورباخ ) بوصفها “جوهرا ” منفصلا عن الزمن ، بل هي تبدو بوصفها شكلا ثقافيا يتعرض لتحولات في العصور التاريخية المختلفة : فهي تبدو في البداية بوصفها ديانة للعبيد ، ثم بوصفها أيديولوجية دولة في الإمبراطورية الرومانية، ثم بوصفها أيديولوجية ملائمة للهيراركية الإقطاعية واخيرا بوصفها أيديولوجية تتميز بالتكيف مع المجتمع البورجوازي . وهي تظهر من ثم بوصفها فضاء رمزيا تتنازع عليه قوي اجتماعية متناحرة : اللاهوت الإقطاعي والبروتستانتية البورجوازية والهرطقات الشعبية . وفي بعض الأحيان كان تحليله يزل في اتجاه تفسير نفعي ، ذرائعي ، بشكل ضيق للحركات الدينية : “….إن كل طبقة من الطبقات المختلفة تستخدم الدين الملائم لها … ولا أهمية تذكر لما إذا كان هؤلاء السادة يؤمنون بالأديان التي يتبناها كل منهم أم لا ” ويبدو أن إنجلز لا يري في صور الإيمان المختلفة غير” الستار الديني” للمصالح الطبقية . لكن إنجلز بفضل منهجه الذي يؤكد علي الصراع الطبقي، قد أدرك – خلافا لفلاسفة التنوير – أن النزاع بين المادية والدين لا يتطابق دائما مع الصراع بين الثورة والرجعية. فنحن نجد ، علي سبيل المثال ، في إنجلترا في القرن الثامن عشر ، أن المادية ممثلة في شخص هوبز قد دافعت عن الملكية المطلقة في حين أن الشيع البروتستانتية قد استخدمت الدين كراية لها في النضال الثوري ضد آل ستيوارت. وبالشكل نفسه، بدلا من اعتبار الكنيسة كلا متجانسا من الناحية الاجتماعية قدم تحليلا رائعا يبين كيف أن الكنيسة قد انقسمت في بعض المنعطفات التاريخية بحسب تركيبها الطبقي . وهكذا فخلال زمن الإصلاح ،كان علي أحد الجانبين كبار رجال الدين ، القمة الإقطاعية للهيراركية، وكان علي الجانب الآخر صغار رجال الدين ، الذين جاء من بين صفوفهم إيديولوجيو الإصلاح وإيديولوجيو الحركة الفلاحية الثورية.

ومع كون إنجلز ماديا، ” ملحدا “، وعدوا لدودا للدين ، فانه قد أدرك ، شأنه في ذلك شأن ماركس الشاب ، الطابع المزدوج للظاهرة الدينية : دورها في إضفاء الشرعية علي النظام القائم ، ولكن أيضا ، تبعا للظروف الاجتماعية ، دورها الانتقادي والاحتجاجي ، بل والثوري . وعلاوة علي ذلك، فإن معظم الدراسات الملموسة التي كتبها قد ركزت علي هذا الجانب الثاني : حيث تركزت ، بالدرجة الأولي ، علي المسيحية الأولى، ديانة الفقراء والمنبوذين والمهانين والمضطهدين والمقهورين . فقد جاء المسيحيون الأوائل من أدنى مستويات المجتمع : العبيد ، الأحرار الذين حرموا من حقوقهم ، وصغار الفلاحين الذين رزحوا تحت نير الديون.

بل إن إنجلز قد مضي إلى حد رسم تواز مثير بين هذه المسيحية الأولى والاشتراكية الحديثة :
( أ ) إن الحركتين الكبيرتين ليستا من عمل زعماء وأنبياء- مع أن الأنبياء ليسوا بالمرة قليلين في أي منهما -بل هما حركتان جماهيريتان،
( ب )إن كليهما حركات مضطهدين ، يعانون من القهر والمنتمون إليهما يتعرضون للتشريد والملاحقة من جانب السلطات الحاكمة،
( ج ) أن كليهما يدعوان إلى تحرر وشيك من العبودية والبؤس . وسعيا إلى زخرفة مقارنته ، نجد أن إنجلز يتجه ، بشكل مثير إلى حد ما ، إلي الاستشهاد بقول مأثور للمؤرخ الفرنسي رينان : ” إذا أردتم تكوين فكرة عما كانت عليه حال الجماعات المسيحية الأولي ، انظروا إلي شعبة محلية لرابطة العمال الأممية”.

ويري إنجلز أن الفارق بين الحركتين يتمثل في أن المسيحيين الأوائل قد نقلوا الخلاص إلي الآخرة بينما تتصوره الاشتراكية في هذا العالم الدنيوي .

ولكن هل يعتبر هذا الفارق واضحا بالدرجة التي يبدو بها للوهلة الأولي ؟ يبدو أنه قد اصبح مطموسا في دراسة إنجلز للحركة المسيحية الكبرى الثانية – ” حرب الفلاحين في ألمانيا ” – : فتوماس مونزر، وهو لاهوتي وقائد للفلاحين الثوريين والعوام الهراطقة في القرن السادس عشر، كان يريد تجسيدا فوريا علي الأرض لمملكة الرب ، مملكة الأنبياء الألفية السعيدة . ويري إنجلز أن مملكة الرب كانت بالنسبة لمونزر مجتمعا لا يعرف الفوارق الطبقية ولا الملكية الخاصة ولا سلطة دولة مستقلة عن أفراد ذلك المجتمع وغريبة عنه . علي أن إنجلز كان لا يزال ميالا إلى اختزال الدين إلي مستوي حيلة : فقد تحدث عن ” صيغ ” مونزر ” الكلامية ” المسيحية وعن ” ستاره ” الإنجيلي. ويبدو أنه قد غاب عن باله البعد الديني المحدد للنزعة الألفية المونزرية ، قوتها الروحية والأدبية ،وعمقها الصوفي المعيش معايشة صادقة .

وأيا كان الأمر ، فإن إنجلز ، بتحليله الظاهرة الدينية من منظور الصراع الطبقي ، قد أبرز القوة الاحتجاجية للدين وشق الطريق لنهج جديد – متميز عن كل من الفلسفة التنويرية التي ترجع إلي القرن الثامن عشر والهيجلية الجديدة الألمانية – لتناول العلاقة بين الدين والمجتمع .ومعظم الدراسات الماركسية في القرن العشرين عن الدين تقتصر إما علي تفسير أو تطوير للأفكار التي عرضها ماركس وإنجلز أو علي تطبيقها علي واقع محدد .

كاوتسكي ولينين ولوكسمبورج

تلك هي الحالة مثلا مع دراسات كارل كاوتسكي التاريخية عن المسيحية الأولى ، والهرطقات التي عرفتها العصور الوسطى ، وعن توماس مور وتوماس مونزر . وبينما يقدم لنا كاوتسكي نظرات ثاقبة وتفصيلات مهمة عن الأسس الاجتماعية والاقتصادية لهذه الحركات وعن طموحاتها المشاعية ، فإنه عادة ما يختزل معتقداتها الدينية إلي مستوى مجرد ” قشرة ” أو”حلة ” ” تخفي ” محتواها الاجتماعي . وفي كتابه عن الإصلاح الألماني ، لا يبدد أي وقت في تناول البعد الديني للنزاع بين الكاثوليك واللوثريين والقائلين بتجديد العماد : واحتقارا منه لـ ” المشاجرات اللاهوتية ” بين هذه الحركات الدينية ، يري أن المهمة الوحيدة للمؤرخ هي ” إرجاع نزاعات تلك الأزمنة إلى تناقضات المصالح المادية ” .
وكان كثيرون من الماركسيين في الحركة العمالية الأوربية معادين بشكل جذري للدين لكنهم كانوا يرون أن المعركة الإلحادية ضد الأيديولوجية الدينية يجب أن تخضع للضرورات الملموسة للنضال الطبقي ، الذي يتطلب الوحدة بين العمال الذين يؤمنون بالرب وأولئك الذين لا يؤمنون به .
ولينين نفسه – الذي غالبا ما شجب الدين باعتباره ” ضبابا صوفيا “- يؤكد في مقاله الذي يحمل عنوان ” الاشتراكية والدين ” (1905) علي أن الإلحاد لا يجب أن يكون جزءاً من برنامج الحزب لأن ” الوحدة ” في النضال الثوري الذي تخوضه الطبقة المقهورة من أجل خلق فردوس على الأرض أهم بالنسبة لنا بكثير من وحدة الرأي البروليتاري حول الموقف من فكرة الفردوس في السماء”.

وقد تقاسمت روزا لوكسمبورج هذا الرأي ، لكنها طورت نهجا مختلفا وأكثر مرونة، فعلي الرغم من أنها كانت هي نفسها ملحدة ، فقد هاجمت في كتاباتها السياسة الرجعية للكنيسة – باسم تراثها – بأكثر مما هاجمت الدين . وفي بحث كتب في عام 1905 ، (الكنيسة والاشتراكية ) قالت أن الاشتراكيين الجدد اكثر إخلاصا للمبادئ الأصلية للمسيحية من رجال الدين المحافظين المعاصرين. وبما أن الاشتراكيين يناضلون من أجل نظام اجتماعي يتميز بالمساواة والحرية والإخاء ، فإن القساوسة ، إذا كانوا يريدون مخلصين أن يطبقوا في حياة البشرية المبدأ المسيحي الذي يدعو إلي أن يحب المرء جاره حبه لنفسه ، يجب أن يرحبوا بالحركة الاشتراكية . فعندما يؤيد رجالُ الدينِ الأغنياءَ ، الذين يستغلون ويضطهدون الفقراء ، فإنهم يكونون في تناقض سافر مع التعاليم المسيحية : إنهم يخدمون العجل الذهبي لا المسيح . وكان رسل المسيحية الأوائل مشاعيين متحمسين. وقد حجب آباء الكنيسة ( مثل بازيل الأكبر ويوحنا كريسوستوم ) الظلم الاجتماعي. وهذه القضية تتولاها اليوم الحركة الاشتراكية التي تحمل إلي الفقراء إنجيل الإخاء والمساواة ، وتدعو الشعب إلي إنشاء مملكة الحرية وحب الجار علي الأرض . وبدلا من خوض معركة فلسفية باسم المادية ، تحاول روزا لوكسمبورج استنقاذ البعد الاجتماعي للتراث المسيحي لحساب الحركة العمالية .

وكان الماركسيون النمساويون ، أوتو باور وماكس أدلر ، إلخ ، أقل عداوة للدين بكثير من زملائهم الألمان أوالروس . ويبدو أنهم قد اعتبروا الماركسية متماشية مع شكل ما للدين ، لكن ذلك يشير أساسا إلي الدين بوصفه ” عقيدة فلسفية ” ( ذات إلهام كانطي جديد ) وليس إلي تقاليد دينية تاريخية ملموسة .

الأممية الشيوعية

لم يول اهتمام كبير للدين في الأممية الشيوعية . وقد انضم عدد كبير من المسيحيين إلى الحركة ، وخلال العشرينيات ، نجد أن قساً بروتستانتياً سويسرياً سابقا ، هو جول أمبير – دروز ، قد أصبح واحدا من قادة الكومنترن ( الأممية الشيوعية ) الرئيسيين . وكانت الفكرة السائدة بين الماركسيين آنذاك هي أن المسيحي الذي صار اشتراكياً أو شيوعياً إنما يعتبر بالضرورة متخلياً عن معتقداته الدينية “اللاعلمية ” و “المثالية ” السابقة . وعمل برتولد بريشت المسرحي الجميل الذي يحمل عنوان ” جان الجزارات ” (1932) هو مثال جيد لهذا النوع من التناول التبسيطي لتحول المسيحيين إلي النضال من أجل التحرر البروليتاري . ويصف بريشت بشكل بالغ الذكاء العملية التي تكتشف عبرها جان ، وهي قائدة لجيش الخلاص ، حقيقة الاستغلال والظلم الاجتماعي وتموت متنكرة لمعتقداتها السابقة . إلا أنه لابد من أن توجد بالنسبة له قطيعة مطلقة وكاملة بين إيمانها المسيحي السابق وإيمانها الجديد بالنضال الثوري . وقبيل موتها مباشرة تقول جان للشعب : ” إن جاءكم أحدا يوم ما ليقول أن هناك رباً ، وإن كانت لا تدركه الأبصار ، يمكنكم انتظار عونه ، ارجموه بحجر علي رأسه دون رحمة إلي أن يموت ” .وفي هذا النوع من المنظورات ” المادية ” الفجة – وغير المتسامحة بالمرة – ضاعت بصيرة روزا لوكسمبورج النافذة ، التي رأت أن بوسع المرء النضال من أجل القيم الحقيقية للمسيحية الأصلية . والواقع أنه قد ظهرت في فرنسا ( 1936 – 1938 ) ، بعد سنوات قليلة من كتابة بريشت لهذه المسرحية ، حركة للمسحيين الثوريين تجمع عدة آلاف من المناضلين الذين ساندوا الحركة العمالية بنشاط ، خاصة جناحها الأكثر جذرية ( جناح الاشتراكيين اليساريين الذين تزعمهم مارسو بيفير ) . وكان شعارهم الرئيسي ” نحن اشتراكيون لأننا مسيحيون ” .

جرامشي

من بين زعماء ومفكري الحركة الشيوعية ، من الأرجح أن جرامشي هو الوحيد الذي أبدى الاهتمام الأكبر بالمسائل الدينية .كما أنه أحد الماركسيين الأوائل الذين حاولوا فهم الدور المعاصر للكنيسة الكاثوليكية وثقل الثقافة الدينية بين الجماهير الشعبية وملاحظاته عن الدين التي سجلها في ” دفاتر السجن ” ذات طابع متناثر ومبعثر وتلميحي ، لكنها في الوقت نفسه جد نافذة . والواقع أن نقده الحاد الساخر لأشكال الدين المحافظة – خاصة النوع اليسوعي من الكاثوليكية ، الذي كان يمقته من صميم فؤاده – لم يحل بينه وبين أن يدرك أيضا البعد الطوباوي للأفكار الدينية ” …. إن الدين هو أضخم ” ميتافيزيقا ” عرفها التاريخ حتى الآن ، لأنه أضخم محاولة للتوفيق ، في شكل ميثولوجي ، بين التناقضات الفعلية للحياة التاريخية . فالواقع أنه يؤكد أن البشرية لها ” طبيعة ” واحدة ، أن الإنسان … بقدر ما أنه قد خلقه الرب ، ابن الرب ، هو من ثم أخٌ للبشر الآخرين ومثلهم … ، لكنه يؤكد أيضا أن ذلك كله لا ينتمي إلى هذا العالم ، بل إلي عالم آخر (اليوتوبيا ) . وهكذا فإن أفكار المساواة والإخاء والحرية تنبجس بين البشر… وهكذا فإن هذه المطالب قد طرحت دائما في كل تحرك جذري للجماهير ، علي نحو آخر ، بأشكال خاصة وبأيديولوجيات خاصة ” كما أكد علي التمايزات الداخلية للكنيسة وفقا للتوجهات الإيديولوجية – تيارات ليبرالية ويسوعية وأصولية داخل الثقافة الكاثوليكية – ووفقا للطبقات الاجتماعية المختلفة :
” إن كل دين … هو في الواقع عديد من الأديان المختلفة والمتناقضة غالبا : فهناك كاثوليكية للفلاحين وكاثوليكية للبرجوازية الصغيرة وعمال المدن وكاثوليكية للمرأة وكاثوليكية للمثقفين …. ”

وتتصل معظم ملاحظاته بتاريخ ودور الكنيسة الكاثوليكية الحالي في إيطاليا : تعبيرها الاجتماعي والسياسي من خلال جماعة العمل الكاثوليكي وحزب الشعب ، وعلاقتها بالدولة وبالطبقات التابعة ، إلخ . وقد اهتم علي نحو خاص بأسلوب تجنيد المثقفين التقليديين واستخدامهم كأدوات للهيمنة من جانب الكنيسة :
” مع أنها قد نظمت آلية مثيرة للاختيار ” الديموقراطي” لمثقفيها ، فإنهم قد اختيروا كأفراد فرادى وليس كتعبير تمثيلي عن الجماعات الشعبية ” .

بلوخ

إن تحليلات جرامشي ثرية ومحركة للتأمل ، لكنها ، في التحليل الأخير ، لا تجدد في منهج تناول الدين . وإرنست بلوخ هو الكاتب الماركسي الأول الذي غير الإطار النظري جذريا – دون أن يتخلي عن المنظور الماركسي والثوري . وبأسلوب مماثل لأسلوب إنجلز ، ميز بين تيارين متعارضين من الناحية الاجتماعية : من جهة ، دين الكنائس الرسمية الثيوقراطي ، أفيون الشعب ، جهاز تضليلي يخدم الأقوياء ، ومن الجهة الأخرى ، الدين السري ، الهدام والخارج الذي عرفه الألبيجينسيون ( شعبة دينية ظهرت في فرنسا بين عامي 1020- 1250 ، وتعرضت للقمع بتهمة الهرطقة – المترجم ) والهوسيون ( أتباع يان هوس (1369؟- 1415) المصلح الديني في بوهيميا ، والذي احرق بتهمة الهرطقة – المترجم ) ويواقيم الفلوري وتوماس مونزر وفرانتس فون بادر ، وفيلهيلم فايتلينج وليو تولستوي . علي أن بلوخ ، خلافا لإنجلز ، رفض اعتبار الدين مجرد ” ستار ” لمصالح طبقية – وقد انتقد هذا المفهوم بشكل صريح ، وإن كان قد رده إلي كاوتسكي وحده … فالدين في أشكاله الاحتجاجية والمتمردة هو أحد أهم أشكال الوعي الطوباوي ، أحد أغنى التعبيرات عن مبدأ الأمل . واللاهوت اليهودي – المسيحي عن الموت والخلود – الكون الديني الأثير لدى بلوخ – إنما يرمز ، من خلال قدرته علي التوقع الإبداعي ، إلي الفضاء الخيالي لما لم يأت بعد .
واستناداً إلي هذه التصورات ، يطرح بلوخ تفسيرا غير أرثوذكسي وخارجا علي الأعراف التقليدية للكتاب المقدس – بعهديه القديم والجديد – مقدما إنجيل الفقراء ، الذي يدين الفراعنة ويدعو الجميع إلي الاختيار بين قيصر والمسيح .

والواقع أن بلوخ، وهو ملحد ديني – يرى أن الملحد هو وحده الذي يمكنه أن يصبح مسيحيا صالحا وأن المسيحي الصالح وحده هو الذي يمكنه أن يصبح ملحدا. ولاهوتي الثورة ، لم يقدم مجرد قراءة ماركسية للنزعة الألفية (مقتفيا أثر إنجلز في ذلك ) بل قدم أيضا – وهذا هو الجديد ، تفسيرا ألفيا للماركسية ، حيث يجرى اعتبار النضال الاشتراكي من أجل مملكة الحرية وريثا مباشرا لهرطقات الماضي الأخروية والجماعية .

وبطبيعة الحال فإن بلوخ ، شأنه في ذلك شأن ماركس الشاب الذي كتب فقرة 1844 الشهيرة ، قد ميز الطابع المزدوج للظاهرة الدينية ، جانبها القهري وكذلك قدرتها علي التمرد . ويتطلب الجانب الأول استخدام ما يسميه ب ” تيار الماركسية البارد ” : التحليل المادي الذي لا يكل للأيديولوجيات والأوثان والوثنيات . علي أن الجانب الثاني يتطلب ” تيار الماركسية الدافئ”، الذي بسعي إلي استنقاذ الفائض الثقافي الطوباوي في الدين ، قوته الانتقادية والتوقعية . وبعيدا عن أي ” حوار”، كان بلوخ يحلم باتحاد حقيقي بين المسيحية والثورة، مثلما حدث في حرب الفلاحين في القرن السادس عشر .

وإلي حد ما ، كان بعض أعضاء مدرسة فرانكفورت يتقاسمون آراء بلوخ . فقد رأى ماكس هوركهايمر أن ” الدين هو سجل رغبات وأشواق واحتجاجات أجيال لا حصر لها”. وفي كتابه “عقيدة المسيح” ( 1930 ) ، استخدم إيريك فروم الماركسية والتحليل النفسي لتوضيح جوهر المسيحية الأولى الخلاصي والشعبي والمساواتي والمعادي للتسلط. وقد حاول فالتر بنيامين أن يؤلف ، في تركيب فريد وأصيل ، بين اللاهوت والماركسية ، بين الخلاصية اليهودية والمادية التاريخية .

جولدمان

ويعتبر عمل لوسيان جولدمان محاولة رائدة أخرى لتجديد التناول الماركسي للدين. ومع أن مصادر إلهام جولدمان تختلف اختلافا بينا عن مصادر الهام بلوخ ، إلا أنه قد اهتم هو إيضاً برد الاعتبار إلى القيمة الأخلاقية والإنسانية للتراث الديني . وقد طور في كتابه ” الرب المحتجب ” ( 1955 ) تحليلا سوسيولوجيا جد مرهف ومبتكر للهرطقة اليانسنية ( بما في ذلك مسرح راسين وفلسفة باسكال ) بوصفها فلسفة مأساوية ، تعبر عن الوضع الخاص لشريحة اجتماعية ( نبلاء الرداء ) في فرنسا في القرن السابع عشر.علي أن الجزء الأكثر إثارة للدهشة والأكثر أصالة في هذا العمل هو المحاولة الرامية إلي المقارنة بين الإيمان الديني والإيمان الماركسي – دون دمجهما : فكلاهما يرفضان النزعة الفردية الخالصة ( العقلانية أو التجريبية ) وكلاهما يؤمنان بقيم فوق فردية – الرب بالنسبة للدين والجماعة الإنسانية بالنسبة للاشتراكية . ويوجد تناظر مماثل بين الرهان الباسكالي علي وجود الرب والرهان الماركسي علي تحرر الإنسانية : إن كليهما يفترضان المجازفة ، وخطر الفشل وأمل النجاح . وكلاهما ينطويان علي إيمان أساسي معين لا يمكن إثباته علي مستوى الأحكام الواقعية وحده . وبطبيعة الحال فإن ما يفصل بينهما هو الطابع فوق الطبيعي أو فوق التاريخي للتسامي الديني. ودون أن يهدف بأية حال إلى ” إضفاء طابع مسيحي على الماركسية ” أدخل جولدمان أسلوبا جديدا للنظر إلى العلاقة الصراعية بين الإيمان الديني والإلحاد الماركسي .
لقد رأى ماركس وإنجلز أن الدور الانتقادي الذي لعبه الدين هو شيء ينتمي إلى الماضي ، لم تعد له أية أهمية في عصر الصراع الطبقي الحديث . وقد تأكد هذا التوقع من الناحية التاريخية إلى هذا الحد أو ذاك علي مدار قرن – فيما عدا استثناءات مهمة قليلة (خاصة في فرنسا) : حركة الاشتراكيين المسيحيين في الثلاثينيات ، حركة القساوسة العمال في الأربعينيات ، يسار النقابات المسيحية (الاتحاد الفرنسي للعمال المسيحيين) في الخمسينيات ، إلخ . إلاَّ أنه لفهم ما كان يحدث خلال السنوات الثلاثين الماضية في أمريكا اللاتينية – وفي الفلبين أيضا وبدرجة اقل في قارات أخري – فإننا بحاجة إلي أن ندمج في تحليلنا رؤى بلوخ (وجولدمان) الثاقبة حول الطاقة الطوباوية للتراث اليهودي – المسيحي .
يناير 1994

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=16425

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في سبتمبر 1, 2010 in مقالات منقولة

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: