RSS

ما هي -المادة- وكيف يُمْسَخ مفهومها ويُشوَّه؟

01 ديسمبر
 https://i2.wp.com/hospitality.tamu.edu/children_holding_hands_around_the_world.gif

أن تكون ( مادياً ) :

ما معنى أن تكون “مادِّياً” في تفكيركَ (الفلسفي والعلمي، وفي وجهات نظركَ، وفي تفسيركَ وفَهْمِكَ للأشياء والظواهر كافَّة، وفي أجوبتكَ)؟

ثلاثة أشياء ينبغي لنا معرفتها وفهمها جيِّداً، قبل، ومن أجل، أن نكون، أو أن نُحْسِن أن نكون، “مادِّيين” في تفكيرنا، وهي: “المادة”، أي إجابة سؤال “ما هي المادة؟”، و”اللامادة (الفكر)”، أي إجابة سؤال “ما هي اللامادة؟”، والصلة، أو أوجه الصلة، بين “المادة” و”اللامادة”.

إنَّنا “نميِّز” الأشياء؛ ولكن، كيف؟

“تمييز الشيء”، أي تمييز شيء من شيء، إنَّما هو تمييز الشيء من نقيضه، فأنتَ تميِّز “النور”، وتُعرِّفه، إذا ما قُلْتَ إنَّه “نقيض (أو ضد، أو ضديد) الظلام”؛ وتُميِّز “الظلام”، وتُعرِّفه، إذا ما قُلْتَ إنَّه “نقيض النور”، فالأشياء تتميَّز بأضدادها، أي من خلال أضدادها.

وفي العالَم الواقعي الحقيقي (اللاميتافيزيقي) لا وجود إلاَّ للأضداد الواقعية الحقيقية؛ فهل من وجود واقعي حقيقي لـ “نقيض (ضد، ضديد) المادة” حتى يصبح ممكناً تمييزه من “المادة”، وتمييز “المادة” منه؟

أجل، ثمَّة وجود واقعي حقيقي لـ “نقيض المادة (في معناها الفلسفي)”، ألا وهو “الفكر، وأشباهه”.

هذا “النقيض (لـ “المادة”)” موجود في العالَم الواقعي الحقيقي؛ ولكنَّ خاصيته الجوهرية تكمن في كونه “شيءٌ لا يُرى، ولا يُسْمَع، ولا يُلْمَس، ولا يُشَم، ولا يُذاق”، أي لا يُدرَك بالحواس الخمس جميعاً، ولا بأيٍّ منها.

أنتَ “تَشْعُر” بالحزن مثلاً؛ هذا الشعور ليس بالشيء الوهمي أو الذي لا وجود له في الواقع. إنَّه موجود بالفعل.. موجود في داخلكَ؛ ولكنَّك لن تدركه أبداً بأيٍّ من حواسِّكَ الخمس.

ضَعْ وردةً أمام مرآة، فترى “صورتها” في المرآة. في هذا المثال، لدينا ثلاثة أشياء: “الوردة”، و”المرآة”، و”صورة” الوردة في المرآة. والثلاثة أشياء هذه هي جميعاً موجودة في الواقع.

وجود “الصورة” إنَّما يؤكِّد وجود “الأصل (الواقعي)” لها؛ فنحن لن نرى في المرآة “صورة” الوردة إذا لم تكن الوردة نفسها موجودة في خارج المرآة، وأمامها. والمرآة لن ترينا أبداً إلاَّ الأشياء التي نريها إيَّاها، فأنتَ أرَيْتَ المرآة وردة (حقيقية واقعية) فأرَتْكَ “صورتها” فيها.

غَيِّر في الوردة (الحقيقية الواقعية الموضوعة أمام المرآة) كأنْ تَنْزَع منها بعض أوراقها فتتغيَّر (قليلاً أو كثيراً) صورتها في المرآة؛ فكلُّ تَغيُّرٍ في “الصورة” إنَّما “يَعْكِس” تغيُّراً اعترى أصلها الواقعي.

والآن، أُنْظُرْ (بعينيكَ) إلى الوردة (الواقعية الحقيقية) فتراها.. وترى كل تغيير يعتريها إذا ما ظلَلْتَ تَنْظُر إليها (بعينيكَ).

أُنْظُرْ إليها؛ ثمَّ أغمِض عينيكَ؛ فهل ترى شيئاً؟

إنَّكَ لن ترى الوردة (الواقعية الحقيقية) لكونكَ أغمضتَ عينيكَ؛ ولكنَّكَ تستطيع أن ترى “صورتها”.. ولكن، في “مرآة ذهنكَ”.

“العين (البشرية)”، “ترى” أوَّلاً، و”تُصوِّر” من ثمَّ؛ ويمكنها أن “تُخزِّن الصور”، أي أن تحفظها في ما يشبه “الألبوم”.

إنَّها “تُصوِّر”؛ ولكن “تفاصيل الصورة” ليست بالكاملة؛ ومع مرور الوقت، تتضاءل تفاصيل الصورة المخزَّنة في “الألبوم الذهني”، أي في “الذاكرة”؛ وقد تختفي الصورة نفسها، ونهائياً، من هذا “الألبوم”.

ماذا رأيْتَ عندما أغمضتَ عينيكَ؟

لقد رأيْتَ “صورة الوردة” في ذهنكَ، أي في “مرآة ذهنكَ”؛ ولو لم تَرَها عينيكَ، من قَبْل، لَمَا وُجِدَتَ لها “صورة” في ذهنكَ، ففي “رأس الإنسان” لا يُوْجَد، ولا يمكن أن يُوْجَد، من “الصور الذهنية” إلاَّ ما له “أصول”، أو “عناصر”، أو مكوِّنات”، في العالَم الواقعي الحقيقي.

أنتَ رأيتَ، إذ أغمضتَ عينيكَ، صورة الوردة في “مرآة ذهنكَ”؛ ولكنَّ “الوردة نفسها” لا وجود لها في داخِل ذهنكَ (أو في داخل رأسكَ). إنَّها موجودة، فحسب، في خارج ذهنكَ، أو في خارج رأسكَ. وإنَّها لا تتأثَّر أبداً بـ “صورتها الذهنية” في داخل رأسكَ، فأيُّ تغيير يعتري تلك الصورة لن يؤثِّر أبداً في الوردة نفسها. إنَّها، أي الوردة نفسها، موجودة في خارج ذهنكَ، ومستقلة، في وجودها وتغيُّرها، عن ذهنكَ، وعن صورتها في ذهنكَ.

“الوردة نفسها” موجودة بالفعل؛ ويمكننا أن نُدرك، ونعي، وجودها بحاسة البصر أو بحاسة اللمس..؛ و”صورتها الذهنية” موجودة هي أيضاً (في العالَم الواقعي الحقيقي). ولكنَّ وجودها لا يمكننا أن ندركه، أو أن نعيه، بحواسِّنا الخمس، أو بأيٍّ منها، فـ “صورة الوردة” في ذهنكَ لا يمكنكَ أن تراها بعينكَ، ولا أن تلمسها بيدكَ، ولا أن تشمها بأنفكَ.

إنَّ أحداً لا يجادِل، ولا يجرؤ على أن يجادِل، في أنَّ “الوردة نفسها” هي “مادة”، وفي أنَّ “الدماغ (البشري الحي)” مع الحواس الخمس هو أيضاً “مادة”.

وهذا الدماغ هو، لجهة عمله، ومن حيث المبدأ، وعلى سبيل التبسيط، يشبه “المرآة”، التي فيها “نرى” الصور الذهنية للأشياء الموجودة في خارِج الذهن، وفي استقلال تام عنه.

إذا كانت “الوردة” مادة، والدماغ (مع الحواس الخمس) مادة، فإنَّ “الصورة الذهنية” للوردة ليست بـ “مادة”. إنَّها “لامادة”، ومن ماهية “لامادِّية”؛ ولكنَّها لا تُوْجَد (في داخل الذهن) ولا يمكن أن تُوْجَد إذا لم تُوْجَد أوَّلاً (أي من قَبْل) الوردة الواقعية الحقيقية، الموجودة، في الأصل، في خارج الذهن، وفي استقلال تامٍ عنه، وعن صورتها فيه.

في هذا المثال، عَرَفْنا ما هي “المادة”، وما هي “اللامادة”؛ كما عَرَفْنا الصلة، أو أوجه الصلة، بين “المادة” و”اللامادة”.

“الفكر”، أي الصور الذهنية على وجه العموم، إنَّما يُوْجَد في (أي في داخل) ذهن الإنسان.. في داخل رأس الإنسان.

والسؤال، الذي إجابته، أو محاولة إجابته، في منتهى الأهمية الفلسفية، هو الآتي: هل يُوْجَد، أو يمكن أن يُوْجَد، في ذهن (في رأس) الإنسان فكرة لا وجود لها (من حيث أصولها أو عناصرها..) في العالَم المادي؟

إذا كانت تلك الفكرة هي الصورة الذهنية للوردة، أو أمثالها وأشباهها من الصور الذهنية، فإنَّ أصلها الواقعي، أي الوردة نفسها، موجود في العالم المادي، ويجب أن يكون له وجود فيه من قبْل.

أمَّا إذا كانت تلك الفكرة هي “عروس البحر”، أو أمثالها وأشباهها، فإنَّ “عناصرها (ومكوِّناتها)” يجب أن تكون موجودة، ومن قَبْل، في العالم المادي، فـ “عروس البحر”، وهي كائن خرافي، لا وجود له في العالم المادي، لا ماضياً ولا حاضراً ولا مستقبلاً، تتألَّف من عنصرين موجودين في العالم المادي، هما: رأس إنسان، وذيل سمكة.

وهذا إنَّما يعني أنَّ عليكَ أن تسأل دائما: من أين جاءت هذه الفكرة الموجودة الآن في ذهني أو رأسي؟ ما هو أصلها (الموجود، والذي يجب أن يكون موجوداً) في العالم المادي؟ ما هي عناصرها ومكوِّناتها (الموجودة، والتي يجب أن تكون موجودة) في العالم المادي؟

حتى الأفكار الغيبية والميتافيزيقية يجب أن تُفْهَم وتُفسَّر على أنَّها صورٌ ذهنية، لها أصول أو عناصر أو مكوِّنات في العالم المادي، فهذه “قاعدة لا تَعْرِف الاستثناء”.

وما يراه المرء في منامه هو خير دليل على أنَّ العالَم المادي هو وحده مَصْدَر أفكارنا؛ فهل كان ممكناً، قبل مئات السنين، أنْ يرى الإنسان، أيُّ إنسان، في منامه، شيئاً من الأشياء المُخْتَرَعة في القرن العشرين؟!

يتبع …

قلنا إنَّ الأشياء تتميَّز بأضدادها، أي من خلال أضدادها، فما هو ضديد (أو نقيض) المادة، بالمعنى الفلسفي؟

إنَّه “الفكر”، أو “الصور الذهنية” للأشياء الموجودة في العالَم المادي.

إذا كانت الوردة هي مادة فإنَّ نقيضها هو “صورتها الذهنية”، فلا نقيض للوردة، بصفة كونها مادة، إلاَّ صورتها في داخل الذهن (البشري).

وفي الذهن (البشري الحي) يُوْجَد الشيء، صورةً ومفهوماً..؛ فـ “الشجرة (الواقعية الحقيقية)” موجودة في ذهنكَ، على هيئة “صورة”، وعلى هيئة “مفهوم”.

و”المفهوم” إنَّما هو “صورة ذهنية عامة”، فيها يَظْهَر “المشترَك” من الخواص والسمات والصفات.. بين أشياء (واقعية) عدَّة، فـ “الشجرة العامَّة” لا وجود لها في العالَم الواقعي الحقيقي، الذي فيه تُوْجَد فحسب “شجرة التُّفاح هذه”، و”شجرة البرتقال هذه”، و”شجرة الرُّمان هذه”.

“الشجرة العامَّة”، أو “الشجرة على وجه العموم”، لا وجود لها إلاَّ في الذهن، وعلى هيئة “صورة ذهنية”، نسمِّيها “المفهوم”.

لولا وجود (أو الوجود القَبْلي لـ) شجرة التُّفاح “هذه”، وشجرة البرتقال “هذه”، وشجرة الرُّمان “هذه”، لَمَا وُجِد (في رأس الإنسان أو ذهنه) مفهوم “الشجرة”.

وأنتَ لا يمكنكَ “تعريف” الشيء، أيُّ شيء، إذا لم تَرُدَّه وتَنْسِبَه إلى ما هو أوسع منه وأعمَّ وأشمل، فأنتَ لا تُعرِّف “الأوكسجين” إذا لم تستهل تعريفكَ له قائلاً “إنَّه غاز..”، فكلُّ أوكسجين، غاز؛ ولكن ليس كل غاز، أوكسجين.

والآن، هل وصلت إلى أسماعكم صرخة التحذير المدوِّية التي أطلقها نيوتن؟

لقد حذَّر الفيزياء (أسئلةً وأجوبةً وطريقةً في التفكير..) من الاستخذاء للميتافيزيقيا وفسادها، فإنَّ بعضاً من “أزمة الفيزياء” لا يمكن فهمه وتفسيره إلاَّ على أنَّه الثمرة المُرَّة لاستخذائها للطريقة الميتافيزيقية في السؤال والجواب.

ومن ذلك، وعلى سبيل المثال، سؤال الفيزياء، أو الكوزمولوجيا، الشهير “من أين جاءت المادة؟”.

إنَّه سؤالٌ فاسِد فساد طريقة التفكير الميتافيزيقية الكامنة فيه، أو التي قادت إليه.

في العالَم الواقعي الحقيقي، أي في العالم المادي، لا وجود إلاَّ لـ “الأشياء”.. لا وجود، مثلاً، لـ “الشجرة العامَّة”؛ لأنْ لا وجود إلاَّ لـ “شجرة التُّفاح هذه”، أو لـ “شجرة البرتقال هذه”.

إنَّ “الشيء الفَرْد” هو، وحده، الموجود وجوداً مباشِراً، محسوساً، ملموساً، في العالم المادي.

وهذا الشيء الذي يشبه “بصمة الإبهام” هو وحده الذي يجيز لكَ أن تسأل “من أين (وكيف، ومتى) جاء (إلى الوجود)؟”.

الشيء، أي “الشيء الفَرْد”، “ينشأ”؛ ثمَّ “يزول (حتماً)”؛ وما بين “اللحظتين”، أي “لحظة نشوئه” و”لحظة زواله”، يُوْجَد هذا الشيء، ويعيش، وينمو، ويتطوَّر، ويتغيَّر.

ثمَّة “عُمْرٌ” لهذا الشيء، أي ثمَّة زمن يَسْتَغْرِقه وجود الشيء (أي بقاؤه على قيد الحياة). وفي “زمن وجوده” يتغيَّر الشيء؛ ولا بدَّ له من أن يتغيَّر. ولكنَّ “لحظة نشوئه” و”لحظة زواله” ليستا جزءاً من “التغيُّر” الذي يعتريه، فلا تغيُّر لهذا الشيء إلاَّ بعد نشوئه، وقبل زواله.

“اللحظتان”، أي “لحظة النشوء” و”لحظة الزوال”، هما ما يُساء فهمهما لدى كثير من الناس، ولدى كثير من الفيزيائيين.

ولسوف نوضِّح ذلك في المثال البسيط الآتي:

هذا مكعب من الجليد، سَخَن، فتحوَّل إلى ماء (سائل).

تأمَّل جيِّداً هذا المثال.

الجليد “يزول”، بعد (وبسبب) سخونته، فـ “ينشأ” الماء (السائل). إنَّ لحظة زوال الجليد هي نفسها لحظة نشوء الماء، فلا انفصال بين اللحظتين. لقد زال الجليد، فنشأ (من زواله) الماء.

اسْألْ الآن: “من أين جاء هذا الماء (السائل)؟”.

ليس من جواب سليم عن هذا السؤال السليم إلاَّ الجواب الآتي: “لقد جاء من الجليد (إذ سخن وزال). لقد جاء، أو نشأ، من زوال هذا الجليد”.

إنَّكَ يكفي أن تتأمَّل، وأن تُحْسِن تأمُّل، هذا المثال البسيط، حتى لا تَجِد من موجب إلى أن تجيب عن ذاك السؤال، قائلاً: “لقد جاء هذا الماء، أو نشأ، من لاشيء، أو من العدم”.

إنَّ كلَّ شيء ينشأ، ويجب أن ينشأ، من شيء آخر، أو من أشياء أخرى؛ من زوال شيء آخر، أو من زوال أشياء أخرى؛ وإنَّ كلَّ شيء يجب أن يزول، فنشوء الشيء إنَّما يعني، ويجب أن يعني، أنَّ الزوال هو نهايته الطبيعية والحتمية. ولكن، هل من شيء زال، فتمخَّض “العدم” عن زواله؟ هل من شيء يذهب بلا أثر؟

زوال الشيء، أيُّ شيء، إنَّما يعني نشوء شيء آخر، أو أشياء أخرى.

وفي العودة إلى المثال نفسه، يمكننا أن نقول أيضاً إنَّ الجليد “تحوَّل” إلى ماء (سائل).

وهذا إنَّما يعني أنَّ “لحظة النشوء”، أو “لحظة الزوال”، هي نفسها “لحظة التحوُّل”، أي لحظة تحوُّل شيء إلى شيء آخر، أو إلى أشياء أخرى.

وهذا التحوُّل إنَّما هو “تحوُّل مادة إلى مادة”، فالجليد مادة، والماء (السائل) مادة؛ فلا وجودة لمادةٍ لم تأتِ من مادة؛ ولا وجود لمادة لا ينشأ من زوالها مادة.

في الحياة نرى أشياء تنشأ، وأخرى تزول.. لقد رأيْتُ الماء (السائل) ينشأ، والجليد يزول، فإذا لم أفهم “النشوء” و”الزوال” كما يدعوني الواقع إلى فهمهما فربَّما، عندئذٍ، أُمكِّن الميتافيزيقيا (بأسئلتها وطريقتها في النظر إلى الأمور) من عقلي، فأسأل، بالتالي، السؤال الفاسِد الآتي: “من أين جاءت المادة؟”.

لو سألت “من أين جاءت الأرض؟”، أو “من أين جاءت الشمس؟”، أو “من أين جاء النظام الشمسي؟”، أو “من أين جاءت مجرَّتنا، مجرَّة درب التبانة؟”، أو “من أين جاء الكون الذي نعرف؟”، لكان سؤالك سليماً.

إنَّ “الشيء الفَرْد”، كالأرض، أو الشمس، أو النظام الشمسي، أو مجرَّتنا، أو الكون الذي نَعْرِف، هو “مادة” جاءت من “مادة” أخرى.. هو مادة نشأت من زوال مادة أخرى.

أمَّا إذا أصْرَرتَ على سؤالكَ الفاسِد “من أين جاءت المادة؟”، فالجواب هو “لقد جاءت المادة من مادة، جاءت هي أيضاً من مادة..”!

ثمَّ أين هو هذا الشيء الذي تستطيع الفيزياء أن تقيم الدليل على أنَّه قد جاء من لاشيء، أو من العدم، أو ذهب بلا أثر؟!

ويكفي أن ننظر إلى الأمور على هذا النحو حتى تنتفي الحاجة نهائياً إلى “العدم”، تفسيراً افتراضياً خرافياً.

والآن، دعونا نتأمَّل، ونُحْسِن تأمُّل، مثالاً آخر.

لقد أردتُ بناء منزلٍ لي. المنزل الذي ابتنيته لم يكن له من وجود من قبل. لقد كان “فكرةً” في رأسي قبل أن يصبح واقعاً، أو حقيقة واقعة.

أنا أوَّلاً “أردتُ” بناءه و”تخيَّلته” و”تصوَّرْتُه”.. ثمَّ بنيته، فـ “تجسدت الفكرة”.

ويكفي أن أسيء فهم هذا المثال حتى أقول مُسْتَنْتِجاً إنَّ الكون كالمنزل، كان فكرةً وإرادةً وتخيُّلاً وتصوُّراً.. قبل أن يغدو حقيقةً واقعة؛ وإنَّ العقل الذي خلق الكون لا بدَّ له من أن يكون أعظم، وأعظم كثيراً، من عقلي الذي خلق المنزل.

أوَّلاً، “فكرة” المنزل الذي بَنَيْت لم تنبثق في رأسكَ أو ذهنكَ من الفراغ، فأنتَ يكفي أن تمعن فيها النظر حتى تَجِد أصولاً لها، وعناصر ومكوِّنات، في العالَم الواقعي الحقيقي، أي في العالَم المادي.

وأنتَ، عن عمد أو عن غير عمد، عن سوء نية أو عن حُسْن نية، ضَرَبْتَ صفحاً عن حقيقة تفقأ العيون، فالمنزل، الذي هو مادة، لم يُخْلَق (أي يُبنى) من العدم، أو من لاشيء؛ فلقد خُلِق من مواد أوَّلية.. من أشياء أخرى كالحجر والطين والحديد والخشب..

“فكرة” المنزل إنَّما جاءت إلى ذهنكَ من العالم المادي الخارجي؛ أمَّا المنزل نفسه فهو المادة التي جاءت من مادة؛ فهل خُلِق الكون على هذا النحو؟!

“المادة”، فهماً وتعريفاً، ما زالت، وستبقى، مدار بحثٍ وجدلٍ وخلاف بين علماء الفيزياء والكوزمولوجيا.




ل يمكن أن تُخْلَق “المادة” من “العدم”، أي من “لاشيء”؟ وهل يمكن أن “تفنى”، أي أن “تعود إلى العدم”؟

الفيزياء، وبعد تجارب وأبحاث كثيرة، أجابت عن السؤالين قائلةً: كلاَّ، لا يمكن، فـ “المادة” لا تفنى، ولا تُخْلَق؛ إنَّها فحسب “تتحوَّل”. إنَّ الجليد، مثلاً، يتحوَّل إلى ماء؛ والماء إلى بخار؛ وإنَّ البخار يتحوَّل إلى ماء؛ والماء إلى جليد. لقد زال الجليد، فنشأ الماء، فزال الماء، فنشأ البخار، فزال البخار، فنشأ الماء، فزال الماء، فنشأ الجليد. في هذا المثال، نرى “المادة” في صورٍ ثلاث: الجليد، والماء، والبخار. ونراها باقية، لا تزول ولا تفنى، في كل صورة من الصور الثلاث، في هذا المثال.

الدِّين لم يرقه هذا القول الفيزيائي؛ لأنَّ الخلق الدِّيني هو كناية عن “مُثلَّث”، ضلعه الأوَّل هو “الخالِق”، والثاني هو “المخلوق”، أي “المادة”، والثالث هو “العدم”، فإذا قالت الفيزياء باستحالة خلق المادة من العدم، وباستحالة فنائها، أي “عودتها إلى العدم”، فهذا إنَّما يعني تقويضاً فيزيائياً لفكرة الخلق الدِّيني للكون.

ولتسوية هذا النزاع بين “الدِّين” و”الفيزياء” أضيفت إلى هذا القانون الفيزيائي الشهير عبارة دينية، فأصبح نصُّ القانون على النحو الآتي: “المادة لا تُخْلَق (من العدم) ولا تفنى، على أيدي البشر”، فالخالِق وحده هو الذي في وسعه جَعْل المستحيل ممكناً، أي خَلْق المادة من العدم، وإعادتها إلى العدم.

ولكنَّ الفيزياء نفسها سرعان ما شرعت تعيث فساداً ميتافيزيقياً في مفهوم “المادة”، وفي قانون “عدم خلقها، وعدم فنائها”، مؤسِّسةً لِمَا يمكن تسميته “فيزياء العدم”، فـ “العدم”، الذي كان القول به مُقْتَصِراً على الدِّين، أصبح، أو كاد أن يصبح، “مفهوماً فيزيائياً”!

ولقد بدأ السير في مسار “تديين الفيزياء”، وفَتْح أبواب قلعة الفيزياء في وجه الغزو الميتافيزيقي واللاهوتي، مع ظهور نظرية “الانفجار الكبير” Big Bang، ونظرية “الثقب الأسود” Black Hole.

حتى “الفضاء” يُفْهَم فيزيائياً الآن على أنَّه الموضِع، أو الحيِّز، الذي فيه، أو ضِمْنه، “نرى” ظاهرة أو ثلاثية “عدم ـ مادة ـ عدم”، أي “الخَلْق المستمر للمادة من العدم (مع الفناء “الفوري” لهذه المادة المخلوقة من العدم)”.

إنَّ “العدم”، أو “اللاشيء”، بحسب هذا التصوُّر “الفيزيائي”، والذي فيه من الميتافيزيقيا أكثر مما فيه من الفيزياء، هو جزء لا يتجزأ من “النسيج الفضائي”، ومِمَّا يسمَّى “الفضاء الفارغ”، أي الفضاء الذي يبدو لنا خالياً تماماً من “المادة”، كالفضاء بين المجرَّات، أو بين “عناقيد المجرَّات”.

ضِمْن هذا “النسيج الفضائي”، وعلى ما يزعمون، يمكن أن تَظْهَر بغتةً، ومن “العدم”، “مادة” على هيئة “جسيمين متضادين”.. إلكترون وبوزيترون مثلاً.

إنَّهما، أي الجسيمان المتضادان، يَظْهران (ينشآن) من “العدم”، ثمَّ يختفيان من الوجود، أي “يعودان إلى العدم”، في زمن متناهٍ في الصِغَر والضآلة حتى أنَّ قانون “حفظ المادة” يعجز عن “الإحساس” بهما، نشوءاً وبقاءً وزوالاً. وهذا “الانتهاك اللحظي” لقانون “حفظ المادة” لا يؤثِّر أبداً بـ “مقدار المادة الكوني”، أي لا يزيد، ولا يُنقِص، هذا المقدار.

لقد انتهكوا هُمْ هذا القانون الأهم في الفيزياء، وإنْ قالوا، في الوقت نفسه، إنَّ هذا “الخلق للمادة من العدم” لا يتسبَّب بأيِّ انتهاك لهذا القانون. انتهكوه؛ لأنَّم أقروا من حيث المبدأ بأنَّ المادة يمكن (ولا بدَّ لها من) أنْ تُخْلَق من “العدم”، وأنْ “تعود إليه”، فناءً.

الفيزيائي البريطاني الشهير ستيفن هوكينج Stephen Hawking اتَّخَذ من هذا القول الفيزيائي ـ الميتافيزيقي سنداً لنظرية أو فرضية تبخُّر “الثقوب السوداء” التي أنشأها وطوَّرها، والتي، وفقها، يمكن أن يتبخَّر “الثقب الأسود”، في آخر المطاف، أي أن يَفْقِد كتلته تماماً.

في تلك النظرية أو الفرضية أوضح هوكينج “الطريقة”، أي طريقة تبخُّر “الثقب الأسود”، فإذا ظَهَر (من العدم الذي يشتمل عليه نسيج الفضاء) إلكترون وبوزيترون، مثلاً، على مقربة من “ثقب أسود” فإنَّ أحدهما (وقبل أن يتصادما ويتبادلا، بالتالي، الفناء) يمكن أنْ يُشَدَّ إلى جوف هذا “الثقب الأسود”، بفضل جاذبيته الهائلة، فإذا حَدَثَ ذلك فإنَّ بعضاً من كتلة هذا “الثقب” يتبخَّر، في اللحظة عينها؛ وهذا “البخار” يذهب إلى الجسيم الآخر المنْتَظِر خارجاً (أي في خارج “الثقب الأسود”) محوِّلاً إيَّاه من جسيم (شبحي، طيفي، غير حقيقي) عديم الكتلة إلى جسيم ذي كتلة.

في زمنٍ متناهٍ في الصِغَر (أصغر من الثانية الواحدة ببلايين المرَّات) يُخْلَق من “العدم”، الذي يشتمل عليه الفضاء، و”الفضاء الفارِغ”، “زوجاً من الجسيمات (الشبحية، الطيفية، غير الحقيقية)”، أي من “المادة” و”المادة المضادة”، كجسيمي “الإلكترون” و”البوزيترون”؛ ثمَّ يتصادمان، فيفني كلاهما الآخر، أي “يعودان إلى العدم”. وهذا “الخَلْق” و”الفناء” يحدثان في استمرار؛ ولكن من غير أن يتأثَّر، زيادةً أو نقصاناً، “مقدار المادة الكوني”. وإذا حدث هذا على مقربة من “ثقب أسود” فإنَّ هذا “الثقب” يصبح عُرْضَةً للتبخُّر في الطريقة التي شُرِحَت من قبل، على نحو مختَصَر ومبسَّط.

لقد أسَّسوا لـ “العدم” مفهوماً فيزيائياً، متصوِّرين، أو مصوِّرين، “الفضاء”، و”الفضاء الفارِغ”، على أنَّهما “شيئان يشتملان على العدم”، وكأنَّهم أرادوا أن يقولوا “مِنَ العدم الفضائي تُخْلَق، أو يمكن أن تُخْلَق، مادة (مع مادة مضادة) ليست بمادة”!

قالوا بذلك، وأرادوا لنا أنْ نقول به نحن أيضاً، من غير أن يأتوا بأيِّ دليلٍ مُقْنِع على أنَّ هذا “الموضع” ـ من هذا الفضاء، الذي منه انبثق هذا الزوج، إذا ما افْتَرَضْنا أنَّ هذا الانبثاق نفسه حقيقة لا ريب فيها ولا يحتاج بالتالي إلى دليل ـ يَعْدِل “العدم” مفهوماً ومعنىً.

وهُمْ لن يتمكَّنوا من ذلك قبل أن يشرحوا ويوضِّحوا معنى “العدم”، أو معناه في الفيزياء، فهل لـ “العدم” من معنى إذا ما كان، على ما زعموا، جزءاً لا يتجزأ من “النسيج الفضائي”، الذي، بحسب نظرية “النسبية العامة لآينشتاين، لا وجود له إلاَّ بوصفه جزءاً لا يتجزأ من وجود المادة، فلا فضاء بلا مادة، ولا مادة بلا فضاء.

وإنَّه اللغو بعينه أن تقول إنَّ المادة تنبثق من العدم، الذي يشتمل عليه “نسيج الفضاء”، الذي لا وجود له إلاَّ مع المادة!
وأنتَ يكفي أن تقول ذلك، أو تقول به، حتى يتأكَّد أنَّ كل الذي قمتَ به لا يعدو كونه إعادة صياغة للمشكلة نفسها؛ وغنيٌّ عن البيان أنَّ إعادة صياغة المشكلة لا تعني حلها.

وفي نظرية “الانفجار الكبير”، أو في بعضٍ من أوجهها، تُمْسَخ “المادة” مَسْخَاً ميتافيزيقياً ولاهوتياً منقطع النظير حتى أنَّ “المادة” أصبحت “لامادِّية”، وأقرب إلى “الروحانية” منها إلى “المادية”، وإلى الميتافيزيقيا منها إلى الفيزياء.

وبهذا المسخ والتشويه، جزَّأوا غير القابل للتجزئة، فالكون ابتدأ من “مادة (أو من شيء ليس كمثله شيء)” لا وجود فيها للزمان والمكان والفضاء.. فـ “الانفجار”، أي انفجارها، هو “الخالِق الفيزيائي” للزمان والمكان والفضاء..

لقد قالوا بـ “البيضة الكونية”، التي منها، وبقوَّة “الانفجار الكبير”، وُلِدَ الكون (مع الزمان والمكان والفضاء..). وتصوَّروها على أنَّها شيء “عديم الحجم”، أو بحجم يقلُّ عن حجم نواة الذرَّة ببلايين المرَّات؛ ولكنه يشتمل على كل كتلة وطاقة الكون، أيَّ أنَّ كثافته لا نهائية (أو لا نهائية تقريباً).

وهذا الشي الذي ليس كمثله شيء (Singularity) ولا يُعْرَف من أين جاء، كما لا يُعْرَف شيءٌ عن ماهيته وخواصه، أُفْرِغ من “المادة”، ماهيةً وخواصَّاً، حتى أصبح من الصعوبة بمكان تمييزه من “العدم”، أو من “اللامادة”، أو من “الروح”.

حتى “الجاذبية”، في معناها الذي بسطته نظرية “النسبية العامة” لآينشتاين، لا وجود لها في ذلك الشيء، فكيف لها أن تُوْجَد حيث ينعدم وجود الفضاء والمكان والزمان؟!

و”الكثافة اللانهائية (أو المُطْلَقة)” تَفْقِد معناها، إذا ما افْتَرَضْنا أنَّها شيءٌ له معنى، إذا ما قلنا بانعدام الجاذبية والحجم والمكان. إنَّ “الكثافة المُطْلَقَة” هي خاصية لكائن خرافي، فليس في العالم المادي، أكان من “اللامتناهي في الكبر” أم من “اللامتناهي في الصغر”، من شيء يجتمع فيه وجود الكتلة مع انعدام الحجم، فتظهر فيه، بالتالي، خاصية “الكثافة المُطْلَقَة”.

وأنتَ يكفي أن تنظر إلى تلك “البيضة الكونية” على أنَّها شيء لا يختلف في شيء عن “العدم”، وأنْ تؤمِن بـ “الانفجار الكبير” على أنَّه الخالِق للزمان والمكان والفضاء.. ولسائر الأشياء، حتى لا يبقى لديكَ من الوازع العلمي ما يمنعكَ عن تصديق قصَّة الخلق التوراتية الشهيرة.

ومن ظاهرة “انهيار المادة على نفسها”، في نجم ضخم الكتلة مثلاً، أقاموا للميتافيزيقيا واللاهوت والتوراة.. خيمةً جديدة على أرض الفيزياء، فهذا الانهيار، والذي هو حقيقة فيزيائية لا ريب فيها، صوَّروه، في منتهاه، على أنَّه خالِق لشيءٍ (“الثقب الأسود” وجوفه) فيه من الخواص ما يجعله أقرب إلى الكائن الخرافي منه إلى الكائن المادي، فجوفه، أو باطنه، أو مركزه، Singularity، هو “شيءٌ كانطي”، لا يمكن أبداً إداركه؛ لأنْ لا ضوء، ولا أي شيء آخر، يمكن أن ينفذ منه إلى الفضاء الخارجي، لفرط جاذبيته.

ومع ذلك، قالوا، أو قال بعضهم، بـ “تبخُّره”، أي بانتقال الكتلة والطاقة منه إلى الفضاء الخارجي (عبر اكتساب جسيمات شبحية لها) وكأنْ لا تناقض في المنطق بين القولين، أي بين قولهم باستحالة أن تَفْلَت مادة من قبضة جاذبيته وقولهم بـ “تبخُّره”!

لقد شحنوا نظرية “الثقب الأسود”، التي تنطوي على كثيرٍ من الحقائق الفيزيائية، بكثير من الخرافة إذ تصوَّروا هذا الجسم الكوني على أنَّه شيء عديم الحجم، لانهائي الكثافة؛ ويمكن، لفرط الجاذبية في مركزه، أن يكون عديم الزمن أيضاً.

لولا الطريقة الميتافيزيقية في “تفكيرهم الفيزيائي” لَمَا تصوَّروا “انهيار المادة على نفسها” على أنَّه مسار ينتهي بـ “الحجم الصفري”، أي انعدام الحجم في هذه المادة المنهارة على نفسها؛ ولَمَا تصوَّروا “تباطؤ (أو تمدُّد) الزمن” حيث تشتد الجاذبية وتقوى، أو حيث يَعْظُم “انحناء الفضاء”، على أنَّه مسار ينتهي بـ “الزمن الصفري”، أي التوقُّف التام لسير الزمن.

ثمَّ شحنوا نظرية “الانسحاق الكبير” Big Crunch بخرافة “عودة الكون إلى العدم” إذ قالوا إنَّ كوننا المتمدِّد، والذي يتسارَع تمدُّداً، يمكن أن يشرع ينكمش ويتقلَّص، وأنْ تنهار مادته على نفسها، وصولاً إلى تلك “البيضة الكونية”، التي منها انبثق. وهذا “الانسحاق (الكوني) الكبير” فهموه على أنَّه سَحْقٌ للزمان والمكان والفضاء.. ولسائر الأشياء، فَمِنَ “العدم (بمعناه “الفيزيائي” هذا)” جاء الكون، وإليه يعود!

إنَّ المادة Matter هي كل شيء.. باستثناء شيء واحد فحسب هو “الوعي” وأشباهه؛ وهذا “اللامادي”، من حيث ماهيته وطبيعته، هو نُتاج لمادة (وليس لكل مادة) ولا يمكنه أبداً أن يستقلَّ بوجوده، وينفصل، عن العالم المادي.

والمادة، بمعناها هذا، تشمل، على سبيل المثال، المادة التي نراها على هيئة كوارك وإلكترون وبروتون ونيوترون ونواة ذرَّة وذرَّة وجزيء وكوكب ونجم ومجرَّة.. وفوتون وطاقة وضوء وحرارة وكتلة..؛ و”المادة المضادة”، و”المادة الداكنة (المظلمة)”، و”الطاقة الداكنة”؛ كما تشمل الفضاء والمكان والزمان والحركة (أي الانتقال في المكان) والجاذبية والقوى..

في تعريفها الفيزيائي الأوَّل، عُرِّفت المادة على أنَّها كل شيء يشغل حيِّزاً وله كتلة Mass. وعُرِّفت “الكتلة”، في الوقت نفسه، على أنَّها “مقدار ما في الجسم من مادة”. وفُهِمَ هذا المقدار على أنَّه مقدار البروتونات والنيوترونات والإلكترونات، فكتلة “جزيء الماء” هي مقدار ما في هذا الجسم، أي الجزيء، والذي يتألَّف من ذرَّتي هيدروجين وذرَّة أوكسجين واحدة، من بروتونات ونيوترونات وإلكترونات.

أمَّا خاصية “شغله حيِّزاً” فتعني أنَّ للجسم ثلاثة أبعاد (أبعاد المكان) هي الطول والعرض والارتفاع (أو العمق). والأبعاد الثلاثة تعني أنَّ له حجماً. والخاصية نفسها تعني أيضاً أنَّ الجسم يقتطع لنفسه جزءاً من الفراغ أو الفضاء.

عيوب عدة اعترت هذا التعريف للمادة، منها أنَّه انطوى على استثناء “الطاقة” من مفهوم “المادة”، وكأنَّ “المادة” هي الأشياء (الأجسام والجسيمات) التي لها “كتلة” فحسب. وهذا الاستثناء الخاطئ، أفضى إلى قولٍ خاطئ شهير هو “تحوُّل المادة إلى طاقة، وتحوُّل الطاقة إلى مادة”.

“والكتلة” نفسها فُهِمَت فهماً غير سوي إذ عُرِّفت على أنَّها مقدار ما في الجسم من مادة، أي من بروتونات ونيوترونات وإلكترونات.

إنَّني لا أرى في هذا التعريف للمادة من شيء جدير بالبقاء (لسلامته الفيزيائية والفلسفية) سوى عبارة “المادة هي كل شيء يشغل حيِّزاً”.

لقد تصوَّرنا “المادة” على أنَّها شيء في هيئة من هيئتين، فالمادة إمَّا أن تكون مادة ذات كتلة وإمَّا أن تكون مادة “عديمة الكتلة”.

ونحن ينبغي لنا أن نفهم “الكتلة” Mass على أنَّها خاصية لبعضٍ من المادة، بسببها لا يستطيع الشيء (الجسم أو الجسيم) أن يسير بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، هي سرعة الضوء (في الفراغ).

وفي مزيدٍ من الوضوح نقول ليس من وجود لمادة (على ما نَعْرِف حتى الآن) يمكنها أن تسير في الفراغ بسرعة تزيد (ولو بمترٍ واحدٍ) عن 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة. إنَّ المادة (أو الجسيم) عديمة الكتلة، كالفوتون، هي المادة التي تملك خاصية السير في الفراغ بسرعة 300 ألف كيلومترٍ في الثانية الواحدة؛ وإنَّ المادة ذات الكتلة هي المادة التي تملك خاصية تمنعها منعاً مُطْلَقاً من السير بسرعة 300 ألف كيلومترٍ في الثانية.

ثمَّة “مادة”، وثمَّة “مادة مضادة”. بعضٌ من “المادة” و”المادة المضادة” يمكنه السير في الفراغ بسرعة 300 ألف (لا أكثر) كيلومترٍ في الثانية الواحدة؛ وبعض من “المادة” و”المادة المضادة” لا يمكنه أبداً السير بهذه السرعة (القصوى في الكون).

كل جسيمٍ لا يظهر إلى حيِّز الوجود إلاَّ ومعه نقيضه، فالإلكترون، مثلاً، لا يظهر إلى حيِّز الوجود إلاَّ ومعه البوزيترون. إذا تصادما تبادلا الفناء، أي تحوَّلا إلى “طاقة خالصة”؛ وهذه الطاقة هي أيضاً متضادة، فثمَّة فوتون، وثمَّة فوتون مضاد، إذا تصادما هما أيضاً تحوَّلا، مثلاً، إلى إلكترون وبوزيترون.

وإنَّني لا أرى سبباً وجيهاً للقول بحتمية “التصادم”، فإنَّ (على سبيل المثال) إلكتروناً وبوزيتروناً ظهرا الآن معاً إلى حيِّز الوجود يمكن أن ينفصل كلاهما عن الآخر، محتفِظاً، بالتالي، بوجوده.
___________

الحوار المتمدن 

منتدى الملحدين العرب

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في ديسمبر 1, 2009 in Uncategorized

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: