اسطور الطير الابابيل

لا يخفى علينا أنّ السيرة النبويّة، بصحيحها وضعيفها، مكتوبة بعد أكثر من قرن ونصف من وفاة النبيّ محمّد، اعتمد فيها الإخباريّون على قناة شفويّة تمرّ من جيل إلى جيل، عبر قال فلان وقال فلتان وحدّثني علاّن.

وهذا النوع من الأخبار يدخل في باب الموروث الشعبيّ والإشاعات والأساطير أكثر ممّا يدخل في باب الحقائق التاريخيّة، ولا يُعتدّ بمعلومات كهذه في الأبحاث العلميّة التي تقوم على الأركيولوجيا أو على أقلّ تقدير تبحث في تنوّع النصوص. فينبغي ألاّ نعتمد على السيرة العربيّة وحدها، وأن نبحث أيضا في النصوص الأجنبيّة اليونانيّة والسريانيّة وغيرها، المعاصرة لتلك الفترة، حتّى يمكننا المقارنة بين الروايات واستخلاص بعض الحقائق التاريخيّة التي قد تتجاهلها السيرة العربيّة، بسبب الدوافع الدينيّة والسياسيّة، فتقدّم لنا مثالا أو صورة عن النبيّ محمّد كما ينبغي لها أن تكون وليس كما كانت حقيقةً.

تاريخ الولادة:

وصلتنا عن تاريخ ولادة النبيّ حزمة من الأخبار المختلفة، ومن ضمن هذه المعلومات التي دوّنها لنا الإخباريّون بغثّها وغثيثها:

1- عن سويد بن غفلة أنه قال‏ :‏ أنا لدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولدت عام الفيل‏.‏

2- عن أبي جعفر الباقر ‏:‏ كان قدوم الفيل للنصف من المحرّم، ومولد رسول الله بعده بخمس وخمسين ليلة‏.

3- والمقصود أنّ رسول الله ولد عام الفيل على قول الجمهور، فقيل‏ :‏ بعده بشهر، وقيل ‏:‏ بأربعين يوماً، وقيل‏:‏ بخمسين يوماً – وهو أشهر -‏.‏

هذا التاريخ هو الذي اتّفقت عليه الرواية الرسميّة، وهو أنّ النبيّ ولد عام الفيل، ونحدّده بحوالي 570 ميلادي، وصار هذا الأمر حقيقة مسلّمة، ولكنّ الإخباريّين، كما قلنا، ألقوا إلينا بحزمة من المعلومات :

4- وقيل‏ :‏ قبل الفيل بثلاث وعشرين سنة‏

5- وقال أبو زكريا العجلاني‏ :‏ بعد الفيل بأربعين عاماً‏.‏ رواه ابن عساكر.

6- عن ابن عباس قال‏ :‏ ولد رسول الله قبل الفيل بخمس عشرة سنة‏.‏

7- وقيل‏ :‏ بعد الفيل بثلاثين سنة‏.‏ قاله موسى بن عقبة عن الزهري.‏

فماذا تقول الأركيولوجيا؟

النقوش الأركيولوجيّة [وهي أصحّ من التاريخ المكتوب] وكذلك الأبحاث تشير إلى أنّ أبرهة قام بمهاجمة عرب جنوب الحجاز بين سنوات 540 و 552 ميلادي تقريبا، أي بين ثلاث وعشرين سنة وثلاثين سنة قبل مولد النبيّ، ولذلك فإنّ رواية موسى بن عقبة صحيحة [وبالمناسبة تُعتبر مغازي موسى بن عقبة أصحّ المغازي على حدّ قول أنس ولكن لم تصلنا كاملة] وتاريخ ولادة النبيّ لا علاقة له بسورة الفيل، إن اعتمدنا بعض سور القرآن كوثائق تاريخيّة أيضا، حيث يقول: “ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل” الخ… وهذا لا يعني أنّ النبيّ مولود عام الفيل، وذلك كما يقول: “ألم تر كيف فعل ربّك بعاد”، فهذا لا يعني أنّّ النبيّ مولود في زمن عاد، وإنّما القرآن يروي حادثة وقعت في مكان ما لأصحاب الفيل، كما أنّه غنيّ عن الإشارة أنّ سورة الفيل لا تذكر أبرهة ولا مكّة ولا مهاجمة الكعبة. فالقرآن لا يوثّق أيضا هذه الحادثة ولا يربطها بولادة النبيّ، وأبرهة لم يصل إلى مكّة ولم يهاجمها وإنّما توقّفتْ حملته في جنوب الحجاز وعادتْ، وقد تكون القصّة أصبحت أسطورة ودخلت في الموروث الشعبيّ بعد مائتيْ سنة، ثمّ ربطها الإخباريّون بوقت ولادة النبيّ محمّد لإضفاء بعض المعجزات عليه وعلى الكعبة قبل ولادته وربطها بسورة الفيل في القرآن.

وأبرهة لم يهاجم الكعبة وإنّما توقّف في جنوب الحجاز على مسافة أربعمائة كيلومتر من مكّة، ونحن نعرف نقوش أبرهة وهي ثلاثة نقوش، الأوّل تحت الرمز CIH 541 وهو نقش بتاريخ 549 ميلادي، والثاني تحت الرمز RY 506 بتاريخ 552 ميلادي، والثالث تحت الرمز Ja 544-547 بتاريخ 558 ميلادي، وعلى الأغلب فإنّ أبرهة توفّي قبل سنة 560 ميلادي، والنقش الذي يهمّنا هنا هو نقش بئر المريغان RY506 المؤرّخ بسنة 552 ميلادي ويشير النقش إلى أنّها الحملة الرابعة لتأديب القبائل العربيّة الثائرة، وكان ذلك في شهر أفريل إثر ثورة بني عامر، ويذكر الأماكن التي خرجت لأجلها هذه الحملة وهذا هو نصّ النقش :

بقوّة الرحمن ومسيحه الملك أبرهة زيبمان ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وقبائلهم (في) الجبال والسواحل، سطر هذا النقش عندما غزا [قبيلة] معد [في] غزوة الربيع في شهر “ذو الثابة” (أبريل) عندما ثاروا كل [قبائل] بنى عامر، وعيّن الملك [القائد] “أبا جبر” مع [قبيلة] علي [علا؟ علي؟] [والقائد] “بشر بن حصن” مع [قبيلة] سعد [وقبيلة] مراد، وحضروا أمام الجيش ـ ضد بنى عامر [وقد وجّهت] كندة وعلي في وادي “ذو مرخ” ومراد وسعد في واد على طريق تربن وذبحوا وأسروا وغنموا بوفرة وحارب الملك في حلبن واقترب كظل معد (وأخذ) أسرى وبعد ذلك فوّضوا [قبيلة معد] عمرو بن المنذر [في الصلح] فضمنهم ابنه (عروة) (عن أبرهة) [فعيّنه حاكماً على] معد ورجع (أبرهة) من حلبن بقوة الرحمن في شهر ’’ذو علان’’ في السنة الثانية والستين وستمائة [552 ميلادي] (1) وكما يذكر هذا النقش فإنّ أبرهة لم يذهب بنفسه وإنّما توقّف على مسافة أربعمائة كيلومتر جنوب مكّة وأرسل بعض الحملات المتفرّقة، هنا وهناك، وأقرب منطقة وصلتها حملته هي قوله : (في واد على طريق تربن) وهو أنّ (تربن) من الممكن أن تكون مكانا يقع على بعد 190 كيلومترا شرق مكّة (2) لكن تظلّ مكّة في كلّ الحالات بعيدة عن حملة أبرهة أركيولوجيّا وقرآنيّا أيضا، كما أنّ أبرهة عاد منتصرا ولم يتعرّض لا لطيور أبابيل ولم يصبح كالعصف المأكول.

وقد تتبّعت جذور هذه القصّة فوجدت أنّ مصدرها ابن اسحاق في السيرة، وقد نقل عنه الجميع فيما بعد وصارت القصّة مسلّمة بديهيّة. ولحسن الحظّ فقد وصلنا تفسير مقاتل بن سليمان -المتوفّى حوالي سنة مائة وخمسين للهجرة (3) وهو معاصر لابن إسحاق، لكنّ تفسير مقاتل لسورة الفيل يختلف تماما عن قصّة ابن إسحاق، ممّا يشير إلى أنّ القصّة لم تكن أخذت صورتها النهائيّة التي نعرفها اليوم، وإنّما كانت ضبابيّة في الذاكرة، ولنستمع ماذا يقول مقاتل: ألم تر (ألم تعلم يا محمد) كيف فعل ربك بأصحاب الفيل [ آية : 1 ] يعني أبرهة بن الأشرم اليماني وأصحابه، وذلك أنه كان بعث أبا يكسوم بن أبرهة اليماني الحبشي، وهو ابنه، في جيش كثيف إلى مكة، ومعهم الفيل ليخرب البيت الحرام، ويجعل الفيل مكان البيت بمكة، ليعظم ويعبد كتعظيم الكعبة، وأمره أن يقتل من حال بينه وبين ذلك، فسار أبو يكسوم بمن معه حتى نزل بالمعمس، وهو واد دون الحرم بشيء يسير، فلما أرادوا أن يسوقوا الفيل إلى مكة لم يدخل الفيل الحرم، وبرك، فأمر أبو يكسوم أن يسقوه الخمر، فسقوه الخمر ويردونه في سياقه، فلما أرادوا أن يسوقوه برك الثانية، ولم يقم وكلما خلوا سبيله ولّى راجعاً إلى الوجه الذي جاء منه يهرول، ففزعوا من ذلك، وانصرفوا عامهم ذلك.

فمقاتل يتحدّث عن ابن أبرهة وليس أبرهة نفسه بل ويؤكّد قائلا: (وهو ابنه) كما أنّ الفيل لم يفعل شيئا وعاد في ذلك العام، والقصّة طويلة حيث سيخرج بعد سنتين بعض تجّار قريش إلى الساحل وسيشعلون بعض النار لشواء بعض الأطعمة ثمّ يذهبون وينسون النار مشتعلة، فهبّت ريح وحملت بعض اللهب إلى كنيسة في ذلك المكان فاحترقت هذه الكنيسة فغضب النجاشيّ وأعاد إرسال بعثة أخرى لكنّ الله أرسل عليهم طيرا أبابيل وقضى عليهم، ثمّ لنستمع إلى ما يقول مقاتل في الأخير: (وكان أصحاب الفيل قبل مولد النبي بأربعين سنة، وهلكوا عند أدنى الحرم، ولم يدخلوه قط.) (4) فعند مقاتل فإنّ مولد النبيّ كان أربعين سنة قبل الفيل. وتجدر الإشارة إلى أنّ تفسير مقاتل يُعتبر ضعيفا ولا يُؤخذ به، ولكنّنا في البحث العلمي نضع كلّ الروايات جميعها بصحيحها وضعيفها سواسية على محكّ العلم، فما وافقه منها فهو صحيح.

وكما عدنا إلى أقدم تفسير للقرآن -وليس الطبري كما هو شائع- نعود أيضا إلى أقدم كتاب في الحديث وهو مصنّف عبد الرزاق المتوفّي سنة مائتين وإحدى عشرة للهجرة (5) ونقرأ هذه الرواية عن الزهريّ : إنّ أوّل ما ذكر من عبد المطلب جدّ رسول الله أنّ قريشا خرجت من الحرم فارّة من أصحاب الفيل وهو غلام شابّ (…) فرجعت قريش، وقد عظم فيهم بصبره وتعظيمه محارم الله، فبينا هو على ذلك ولد له أكبر بنيه، فأدرك، وهو الحارث بن عبد المطلب (6) فالفيل في هذه القصّة كان قبل ولادة ابن عبد المطّلب الأكبر، بينما عبد الله أبو النبيّ هو أصغر أبناء عبد المطّلب، حسب السيرة.

إذن، وللتلخيص، فإنّ أبرهة هاجم عرب شمال اليمن أربع مرّات ولم يصل أبدا إلى مكّة، وكان ذلك قبل مولد النبيّ بعشرين سنة على أقلّ تقدير فتناقل السكّان تلك الحادثة التي بقيت في الذاكرة وتداولوها شفويّا ثمّ ربطها الإخباريّون بسورة الفيل.

أمّا إن اعتمدنا الرواية الرسميّة، أي على قول الجمهور، وعلى الأركيولوجيا في الوقت نفسه وجعلنا النبيّ مولودا عام الفيل فعلا أي على أقصى تقدير سنة 552 ميلادي [مع التحفّظ] فإنّ النبيّ يكون قد توفّي عن سنّ تناهز ثمانين عاما.

وإذ نستطيع مقارنة الروايات الإسلاميّة مع الأركيولوجيا في تاريخ ولادة النبيّ فإننا نستطيع مقارنة تاريخ وفاته أيضا بالروايات الأجنبيّة، وإذا عدنا إلى بعض المخطوطات السريانيّة نجد أنّ حكم النبيّ كان سبع سنوات: (7)

1-تاريخ زقنون (مكتوب قبل سنة 140هجري) (8)

2-تاريخ يعقوب الأديسي (مكتوب قبل 75 هجري) (9)

3-تاريخ قصير (الكاتب مجهول، مكتوب قبل 80 هجري) (10)

وكلّ هذه المخطوطات مكتوبة قبل السيرة العربيّة، فهي أقرب إلى الأحداث، ولنأخذ مثلا هذا التاريخ القصير، وجاء فيه :

محمّد (مهمت) جاء إلى الأرض سنة 932 لإسكندر بن فيليبس المقدوني (620-621 ميلادي) وحكم سبع سنوات.

ثمّ حكم أبو بكر لمدّة سنتين.

ثمّ حكم عمر لمدّة اثنتي عشرة سنة.

ثمّ حكم عثمان لمدّة اثنتي عشرة سنة، وظلّت العرب طوال معركة صفّين (صافا) بلا أمير لمدّة خمس سنوات ونصف.

ثمّ حكم معاوية لمدّة عشرين سنة.

ثمّ حكم يزيد (إيزيد) بن معاوية لمدّة ثلاث سنوات ونصف.

[ومكتوب في هامش المخطوط: بعد يزيد ظلّت العرب لمدّة سنة بلا أمير]

ثمّ بعدهم حكم عبد الملك لمدّة واحد وعشرين سنة.

ثمّ تسلّم الحكم ابنه الوليد بداية من شهر تشرين للسنة العالميّة 1017 (يوافق شهر أكتوبر 705 ميلادي) (11)

فالسيرة تؤكّد أنّ النبيّ عاش عشر سنوات في يثرب بينما المخطوطات السريانيّة الثلاث المكتوبة قبل تدوين السيرة تشير إلى أنّ محمّدا لم يحكم إلاّ سبع سنوات، فيكون قد توفّي عن سنّ ستّين سنة – إن صحّ تاريخ مولده – وقد أشرنا إلى أنّ الإخباريّين ألقوا إلينا بحزمة من المعلومات ووصلنا هذا الأمر أيضا في الروايات الإسلاميّة :

أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي، حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك وهو يقول: توفّي رسول الله، وهو ابن ستين سنة.(12)

أخبرنا عبد الله بن عمر وأبو معمر المنقري، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، أخبرنا أبو غالب الباهلي أنه شهد العلاء بن زياد العدوي يسأل أنسا بن مالك قال : يا أبا حمزة سن أي الرجال كان رسول الله، يوم توفي؟ قال: تمت له ستون سنة يوم قبضه الله. (13)

أخبرنا الأسود بن عامر والحجاج بن المنهال قالا : أخبرنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن عروة قال: بعث النبي، وهو ابن أربعين سنة ومات وهو ابن ستين سنة. (14)

لكن الرواية الرسميّة اختارتْ أن تكون وفاة النبيّ في سنّ 63 سنة، (على أيّ أساس؟)كما اختارتْ أن يكون تاريخ ولادته عام الفيل.(على أيّ أساس؟) لكن تظلّ هذه التواريخ، من الجانبين، الإسلامي والأجنبي، تقريبيّة وغير دقيقة.

الهوامش:

1- Journal Asiatique/A.L.Premare/V.288/T2/2000/p261-367
2- Ibidem.
3- الذهبي/ سير أعلام النبلاء/ ج7/ص202/ تحقيق: بإشراف شعيب الأرناءوط/مؤسّسة الرسالة/1985
4- تفسير مقاتل بن سليمان/سورة الفيل/تحقيق أحمد فريد/دار الكتب العلميّة/لبنان/2003
5- الحافظ الذهبي/سير أعلام النبلاء/ج9/ص563، مصدر سابق
6- مصنّف عبد الرزاق/ج5/ص313/دار المكتب الإسلامي/بيروت/1982
7- Hoyland/Seeing Islam as others saw it/p395/The Darwin Press/USA/1997
8- Ibidem/p409
9- Ibid/p160
10- Ibid/p393
11- Ibid/p394
12- ابن سعد/الطبقات/ج2/ص301/تحقيق: علي محمّد عمر/مكتبة الخانجي/مصر/2001
13- المصدر السابق
14- المصدر السابق

انتهى.

اساطير أن النصر من عند الله وأن الكوارث الطبيعية احدى اسلحته العقابية )
الكاتب: سواح

لنعود ثانية إذا إلى ما نسبه القرآن وأخذت به بعض المصادر العربية المعتبرة ( المسعودي , ج2 ) إلى الطير الأبابيل التي كانت وراء فناء جيش أبرهة والذي يمكن ربطه على الأرجح بوباء الجدري ( لا بحجارة آتية من جهنم ؟؟!!) ذلك الوباء الذي ذكر المؤرخ ” بروكوبيوس” ظهوره في بيلوز “554 م” وفي القسطنطينية “569 م” ..

حيث يرى أ. يوسف أحمد ( المحمل والحج : ص 77) أن هذا الوباء قد جاء من منطقة مجاورة لبلاد العرب عن طريق بعض الطيور ..

وإذا أضفنا لذلك الوباء أن حملة أبرهة هذه قد وقعت في جو شديد الحرارة ربما كان في شهر يونيو ” إذا أخذنا برأي إبن كثير والمسعودي بترجيح ميلاد محمد بعد خمسين يوما من عام الفيل والذي يراه البعض موافقا ليوم 12 من ربيع الأول / 20 من أغسطس 570م ..
أمكن لنا عندئذ أن نتفهم الظروف الموضوعية لهزيمة حملة “أبرهة” على مكة , وعودة “أبرهة ” إلى اليمن مهزوما/ مريضا ليموت هناك ..وذلك بعيدا عما شاع بين العرب بعد ذلك عن قتال الله مع أهل البيت والذي كفاهم مؤونة عدوهم وردده القرآن بعد ذلك كصدى للدعاية الدينية السياسية لقريش وكعبتها .

كما أن جزيرة العرب قد شهدت حدثا مماثلا قبل حملة أبرهة بأكثر من 500 عام حين تعرضت اليمن لحملة فاشلة سيرها حاكم مصر الروماني “إيليوس جالوس” ( 24 ق.م)
بالإستعانة بوزير الملك النبطي “عبادة الثاني”(30_9 ق.م) المدعو “ساليوس”(صالح) وفشلت الحملة كذلك بفعل الأوبئة ووعورة الطريق والقيظ فامتنع الرومان عن غزو اليمن مكتفين بتحريض حلفائهم الأحباش عليها..

وهو ما يفهم منه أن القيظ ووعورة الطريق فضلا عن الأوبئة التي كانت تظهر بين حين وآخر هي ظروف معتادة في بيئة صحراوية قاسية كجزيرة العرب .

كما يحتفظ التاريخ بمثال أكثر قدما يكاد يكون مشابها لحد بعيد لما حدث لأبرهة وحملته على مكة..
فمن المعروف أن الملك الفارسي “قمبيز” لما غزا مصر حوالي “525 ق.م” قد وجه إحدى حملاته لهدم معبد الإله المصري”إمن” بواحة سيوة (الواقعة في بيئة صحراوية قاسية أيضا “صحراء مصر الغربية”) نظرا لما رآه قمبيز في هذا المعبد كمصدر لنبوءات لم تعجبه , ويذكر التاريخ أن حملة “قمبيز” هذه قد هبت عليها بالصحراء الغربية في مصر عاصفة رملية شديدة أفنت هذه الحملة عن آخرها وهو المعبد الذي ربما ذاع صيته بعدها (بعد أن حماه ربه “إمن”!!!) وحرص الإسكندر المقدوني على زيارته للتبرك به بعد غزوه لمصر(332 ق.م) !!!
( فهل كان لمعبد سيوة رب يحميه ؟؟؟)
من هذه الأمثلة نفهم أن عقلية الإنسان القديم كعرب القرن السابع الميلادي أو كهنة “إمن” في القرن السادس قبل الميلاد..الخ كانت تنظر للأمور العظيمة بحسبانها أعمالا جبارة من صنع آلهة خفية كالإله “إيل”/الله كبير المجمع الإلهي بمكة أو “إمن” الإله المصري القديم / إله الإمبراطورية المصرية المجيدة (1570 _ 1080 ق.م) ..

 

 

ذكرت كُتب السيرة أن أبرهة الحبشي كان نائباً للنجاشي على اليمن، فرأى العرب يحجون إلى الكعبة ويعظمونها، فلم يرق له ذلك، وأراد أن يصرف الناس عنها،فبني كنيسة كبيرة بصنعاء  ليحج الناس إليها بدلاً من الكعبة، فلما سمع بذلك رجل من بني كنانة دخل الكنيسة ليلاً، فبال وتغوط فيها، فلما علم أبرهة بذلك سأل عن الفاعل، فقيل له: صنع هذا رجل من العرب من أهل البيت الذي تحج العرب إليه بمكة، فغضب أبرهة وحلف أن يذهب إلى مكة ليهدمها، فجهَّز جيشاً كبيرا، وأنطلق قاصداً البيت العتيق يريد هدمه، وكان من جملة دوابهم التي يركبون عليها الفيل- الذي لا تعرفه العرب بأرضها- فأصاب العرب خوفٌ شديد،ٌ ولم يجد أبرهة في طريقه إلا مقاومة يسيرة من بعض القبائل العربية التي تعظم البيت، أما أهل مكة فقد تحصنوا في الجبال ولم يقاوموه.

 

وجاء عبد المطلب يطلب إبلاً له أخذها جيش أبرهة، فقال له أبرهة : كنتَ قد أعجبتني حين رأيتُك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مائتي بعير أخذتها منك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه ! قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت رباً يحميه، فقال أبرهة: ما كان ليمتنع مني ، قال عبد المطلب : أنت وذاك.وأنشد يقول:

 

لاهُمَّ إن العبد يمنع        رحله فامنع رحالك
لا يغلبنَّ  صليبهم       ومحالهم غدواً محالك
إن كنتَ تاركهم          وقبلتنا فأمر ما بدا لك

 

وأما قريش ففروا من أرض الحرم إلى رؤوس الجبال، يحتمون بها، ويترقبون ما الذي سيحل بأبرهة وقومه.

 

فلما أصبح أبرهة عبأ جيشه، وهيأَ فيله لدخول مكة ، فلما كان في وادي محسر-بين مزدلفة ومنى- برك الفيل، وامتنع عن التقدم نحو مكة، وكانوا إذا وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق انقاد لذلك، وإذا وجهوه للكعبة برك وامتنع، وبينما هم على هذه الحال، إذ أرسل الله عليهم طيراً أبابيل -ومعنى أبابيل يتبع بعضها بعضاً- مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجر في منقاره وحجران في رجليه، لا تصيب منهم أحداً إلا تقطعت أعضاؤه وهل

 

http://islamweb.net/ver2/archive/readArt.php?lang=A&id=13362

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ {1} أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ {2} وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ {3} تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ {4} فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ {5}‏

علي مر العصور والأزمنة  تمارس المجتمعات الإنسانية عامة والمجتمعات الإسلامية خاصة عملية فرز هائلة وانتقائية غير عادية للأفكار والروايات والأحداث التاريخية التي مرت بها وذلك بإبراز وتثبيت  كل ما يخدم معتقدها وتهميش ما يمكن أن يضعفه أو يفضحه من أقوال وأحداث من أجل الوصول لأيديولوجية ترضاها وتتوافق معها .
هذه الأيديولوجية يتم نقلها لأفراد المجتمع وصبها في قلوبهم وعقولهم لنجدهم في النهاية وقد تشابهت معتقداتهم وتوحدت أفكارهم وأساليب تفكيرهم وطريقة معيشتهم وحتى خيالهم وصاروا عاجزين عن الاعتراض والنقد والتمحيص وجاهزين تماما لتلقي كل ما يتفوه  به الشيوخ  حتي ولو كان خبلا وخرافات .
وللتأكيد علي الانتقائية المقصودة التي يمارسها المجتمع وعجز العقلية العربية والإسلامية عن القراءة الواعية للحدث التاريخي المرتبط بالعقيدة دعونا نقرأ حدثا مثل ( محاولة أبرهة لهدم الكعبة ) وكما جاء في سورة ( الفيل )
تواترت قصة أصحاب الفيل في شبه الجزيرة العربية ووردت في الكثير من كتب التفسير والتاريخ فهي قصة مشهورة سنعتمد في تلخيصها علي نص القرطبي ذلك المفسر العظيم وهي كالتالي :
(أبرهة) النصراني بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس ، وهي كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض
كتب إلى النجاشي ملك الحبشة : إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب
لما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ، غضب رجل من النسأة،  فأتى الكنيسة وأحدث فيها فأخبر بذلك أبرهة وعرف أن من صنعه رجل من أهل مكة فغضب وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه،
بعث رجلاً إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة، فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد أبرهة ذلك غضباً وحنقاً، ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، ثم سار وخرج معه بالفيل،
سمعت بذلك العرب، فأعظموه فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله الحرام، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ له أسيراً،
ثم مضى أبرهة حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم: شهران وناهس، ومنه تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيل أسيرا ثم سار حتى انتهى الى مكة فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم ، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك
. وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك يقول: إني آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا لي بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم، فإذا هو لم يرد حربي فأتني به. فلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له : عبدالمطلب بن هاشم، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة فانطلق معه عبدالمطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر،
فأذن له أبرهة. وكان عبدا لمطلب أوسم الناس، وأعظمهم وأجملهم، فلما رآه أبرهة أجله، ، فنزل عن سريره، فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه. ثم قال لترجمانه: قل له : حاجتك ؟ فقال: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. قال أبرهة لترجمانه: قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه؟ لا تكلمني فيه! قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني! قال أنت وذاك. فرد عليه إبله. وانصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب، تخوفاً عليهم معرة الجيش.
فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله، وعبأ جيشه، وكان اسم الفيل محموداً، وأبرهة مجمع لهدم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن. فلما وجهوا الفيل إلى مكة،برك فضربوه ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه، فبزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيراً من البحر، أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر منها ثلاثة أحجاز: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لاتصيب منهم أحداً إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي جاؤوا منها.
انتهي التلخيص
والآن علينا أن نرمي في أقرب سلة مهملات تلك الرؤية التقليدية الساذجة لهذا الحدث محاولين قراءته بعين أخري ومن زاوية وزوايا أخري طارحين العديد من التساؤلات فنحن أمام هذا المجتمع الكاذب لا نملك سوي طرح الأسئلة .
فمثلا يصور لنا الشيوخ ( عبدا لمطلب جد محمد )  رجلا حكيما لم يفكر إلا في أهله وإبله المسئول عنها وترك أمر الكعبة والبيت الحرام للرب يحميه ويدافع عنه مع أنه موقف متخاذل لرجل جبان يهرب من الدفاع عن معتقداته ومقدساته لا يهمه في هذه الدنيا سوي إبله التي يعيش علي لحومها وألبانها .
فإذا كان موقف عبدا لمطلب حكيما كما يزعم الشيوخ فلماذا يطالبونا بالدفاع عن المقدسات ؟
هل يمكن لوم الفلسطينيين حين يتركون القدس والمسجد الأقصى للإسرائيليين؟
وهل يمكن اتهام العرب بالتخاذل لو تركوا أمريكا مثلا تهدم الكعبة علي اعتبار الاقتداء بموقف جد الرسول وأن للبيت رب يحميه ؟
ومن زاوية أخري
لماذا يدافع الله عن الكعبة المدنسة بالأوثان ضد أبرهة المسيحي ؟
في ذلك الوقت كانت المسيحية هي الديانة الصحيحة التي يرضاها الرب وكانت قريش والكعبة تغوصان في أوحال الشرك والوثنية فكيف ينتصر الله لأهل قريش عبدة الأصنام الكافرين به ؟
وحتى لو قلنا أن الغرض الحقيقي من وراء بناء القليس وهدم الكعبة ليس الدين وإنما المال والوضع السياسي والاقتصادي الذي تمنحه الكعبة لقريش فإننا يجب أن نذكر أيضا الفتوحات الإسلامية فهي لم تكن كذلك خالصة لوجه الله بل شابها الكثير من الغرض والرغبة في الأموال والغنائم والنفوذ والتوسع والقوة .
إنه لغز من ألغاز الإله.
فلماذا هزم المسيحيين المؤمنين به وبدعوته وانتصر للكفار المشركين وهو الذي في كل كتبه المزعومة يؤكد كرهه لهم ويتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور بل والعذاب الأبدي في نار الجحيم ؟
يأتي الجواب من ابن كثير فيقول :
هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود فأبادهم الله وأرغم آنافهم وخيب سعيهم وأضل عملهم وردهم بشر خيبة وكانوا قوما نصارى وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كانت عليه قريش من عبادة الأوثان ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال ولسان حال القدرة يقول لم ننصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيريتكم عليهم ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثه النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء .

ونحن نقول لابن كثير لقد خابت رميتك هنا أيها العلامة الكبير فالمنطق يحتم نصر الإله للمؤمنين لا الكافرين به
وإذا كان السبب هو تعظيم البيت العتيق فلماذا ترك كفار قريش يدنسونه بالأصنام والقرابين والدماء وممارسات الشرك والوثنية ؟
وكيف يصون الله بيته ممن يعبدونه حق العبادة ؟
هل فضل أن يكون مزارا للحج والطواف حول الأوثان عن أن يكون كنيسة ؟
وإذا كان ثمة رابط بين بعثه محمد والبيت الحرام منذ البداية فلماذا ترك نبيه يتوجه للمسجد الأقصى في صلاته سنوات طوال ثم رجع في كلامه ووجهه ناحية الكعبة؟

ما علينا سنتجاوز ذلك كله محاولين عصر ليمون العالم علي عقولنا لنستطيع ابتلاع هذه الأفكار المتناقضة ولنقضي علي الحجج الواهية.
لقد وصلنا لتلك النقطة.
الكعبة مكان مقدس عند الله يدافع عنها ويحميها من أي كافر موتور يحاول هدمها أليس كذلك ؟ أنتفق علي ذلك ؟
لماذا إذن يحل صمت القبور ولا تذكر بحرف واحد قصة القرامطة ؟
هذه هي القصة كما جاءت في كتاب البداية والنهاية – للإمام الجليل الحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل ابن كثير وهو مكون من 14 جزء يغطى حتى 767 سنة بيروت لبنان 1994 م الناشر مكتبة المعارف بيروت دار أبن حزم بيروت الجزء 11 السنة  317 ص 159
خرج ركب العراق وأميرهم منصور الديلمي فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافدت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم واستباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقاً كثيراً، وجلس أميرهم أبو طاهر لعنه الله على باب الكعبة، والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام في الشهر الحرام في يوم التروية، الذي هو من أشرف الأيام، وهو يقول‏:‏ أنا الله وبالله أنا، أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا‏.‏
فكان الناس يفرون منهم فيتعلقون بأستار الكعبة فلا يجدي ذلك عنهم شيئاً، بل يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلون في الطواف، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف، فلما قضى طوافه أخذته السيوف، فلما وجب أنشد وهو كذلك‏:‏
ترى المحبين صرعى في ديارهم * كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة، أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، ودفن كثيراً منهم في أماكنهم من الحرم، وفي المسجد الحرام، ويا حبذا تلك القتلة وتلك الضجعة، وذلك المدفن والمكان، ومع هذا لم يغسلوا ولم يكفنوا ولم يصلِّ عليهم لأنهم محرمون شهداء في نفس الأمر‏.‏
وهدم قبة زمزم وأمر بقلع باب الكعبة ونزع كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه، وأمر رجلاً أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه، فسقط على أم رأسه فمات إلى النار‏.‏
فعند ذلك انكف الخبيث عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، فجاءه رجل فضربه بمثقل في يده وقال‏:‏ أين الطير الأبابيل‏؟‏ أين الحجارة من سجيل‏؟‏
ثم قلع الحجر الأسود وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردوه، كما سنذكره في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏
ولما رجع القرمطي إلى بلاده ومعه الحجر الأسود وتبعه أمير مكة هو وأهل بيته وجنده، وسأله وتشفع إليه أن يرد الحجر الأسود ليوضع في مكانه، وبذل له جميع ما عنده من الأموال فلم يلتفت إليه، فقاتله أمير مكة فقتله القرمطي وقتل أكثر أهل بيته وأهل مكة وجنده، واستمر ذاهباً إلى بلاده ومعه الحجر وأموال الحجيج‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 183‏)‏
وقد ألحد هذا اللعين في المسجد الحرام إلحاداً لم يسبقه إليه أحد ولا يلحقه فيه، وسيجاريه على ذلك الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد‏.‏

وجاء في صفحة 142  من كتاب ( من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام  )
لبندلي جوري أن أبو طاهر خرج وجماعته من مكة ينشدون :
فلو كان هذا البيت لله  ربنا                          لصب علينا النار من فوقنا صبا
لأنا حججنا حجة  جاهليـة                           محللة لم تبق شرقا ولا غربــــا
وإنا تركنا بين زمزم والصفا                       جنائز لا تبغي سوي ربها ربــا

كما ذكرت القصة  في مراجع أخري ومنها النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لجمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي حيث قال :
”   سير المقتدر ركب الحاج مع منصور الديلمي فوصلوا إلى مكة سالمين فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي فقتل الحجيج قتلا ذريعا في فجاج مكة وفي داخل البيت الحرام لعنه الله وقتل ابن محارب أمير مكة وعرى البيت وقلع باب البيت واقتلع الحجر الأسود وأخذه وطرح القتلى في بئر زمزم وفعل أفعالا لا يفعلها النصارى ولا اليهود بمكة ثم عاد إلى هجر ومعه الحجر الأسود فدام الحجر الأسود عندهم إلى أن رد إلى مكانه في خلافة المطيع على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وجلس أبو طاهر على باب الكعبة والرجال منشدا :
أنا لله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا
ودخل رجل من القرامطة إلى حاشية الطواف وهو راكب سكران فبال فرسه عند البيت ثم ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم اقتلعه وكانت إقامة القرمطي بمكة أحد عشر يومًا “
لم يحج أحد منذ سنة سبع عشرة وثلاثمائة إلى سنة ست وعشرين وثلاثمائة خوفا من القرامطة ‏”‏‏.‏
السنة الخامسة من ولاية أنوجور بن الإخشيد على مصر وهي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة‏:‏
وفيها رد الحجر الأسود إلى موضعه بعث به القرمطي مع أبي محمد بن سنبر إلى الخليفة المطيع للة وكان بجكم قد دفع فيه قبل تاريخه خمسين ألف دينار وما أجابوا وقالوا أخذناه بأمر وما نرده إلا بأمر فلما ردوه في هذه السنة قالوا‏:‏ رددناه بأمر من أخذناه بأمره وكذبوا فأن الله تعالى قال‏:‏ ‏”‏ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ‏”‏ وان عنوا بالأمر القدر فليس ذلك حجة لهم فالله تعالى قدر عليهم الضلال والمروق من الدين وقدر عليهم أن يدخلهم النار فلا ينفعهم قوله أخذناه بأمر ولما أتوا بالحجر الأسود أعطاهم المطيع مالا له جرم وكان الحجر الأسود قد بقي اثنتين وعشرين سنة وقال المسبحي وفيها وافى سنبر بن الحسن إلى مكة ومعه الحجر الأسود وأمير مكة معه فلما صار بفناء البيت أظهر الحجر وعليه ضباب فضة قد عملت من طوله وعرضه تضبط شقوقا قد حدثت عليه بعد انقلاعه وأحضر له صانعا معه جص يشده به فوضع سنبر بن الحسن بن سنبر الحجر الأسود بيده وشده الصانع بالجص وقال‏:‏ لما رده أخذناه بقدرة الله ورددناه بمشيئته‏.‏
لماذا لا نقرأ ؟
ولماذا لا نريد فهم ما نقرأ ؟
نحن مجتمع يخدع نفسه يهلل ويكبر حين يسمع الطير الأبابيل والعصف المأكول وحين ينقض حدث القرامطة ما آمن به يغمض عينيه ويسد أذنيه .
نحن مجتمع يخدع نفسه لا يعي ولا يريد أن يعي .
لقد سمع محمد قصة أصحاب الفيل كما سمعها غيره من أهل مكة و بتفصيل أكثر من غيره فجده كان أحد أبطالها ومن المؤكد أنه لم يفكر في تفسير آخر لما حدث لأبرهة ولجيشه مثل أن تكون الحرارة الشديدة وطول الرحلة قد أثرتا علي الفيل فنفق قبل اقترابه من الكعبة وبالتالي تجمعت الطيور حول الفيل الميت والجيش ولم بضع  في الحسبان أن أهل مكة الذين رأوا الحادثة وهم الأكثر قابلية ورغبة لهذا التفسير الأسطوري  كانوا يعتصمون بالجبال وبعيدون عن مكان الحدث .

لقد أخذها محمد كما هي وأدخلها ضمن قرآنه لأنها تدعم فكرة الإله القادر الذي يحمي بيته مع أننا لا ندري لماذا يفضل الله مكانا عن آخر ؟ والقصة بهذا السياق تعظم من وضعية مكة وترفع مكانة البيت العتيق كما أنها تصل بين إبراهيم الخليل الذي وضع القواعد للبيت وبناه وبين محمد المولود في نفس عام حادثة الفيل وهو ما حاول تأكيده  في آيات أخري بأن إبراهيم ليس يهوديا ولا نصرانيا بل حنيفا مسلما .
ومما يؤكد أن قصة أصحاب الفيل هي مجرد حدث تاريخي تم تفسيره علي هوي محمد واستغلاله لصالح دعوته دون أن يكون لله علاقة بها هو هذا الغياب الكامل للإله بعد وفاة محمد رغم تحقق شروط أكثر بكثير مما دعاه للتصدي لأبرهة ورغم الاحتقار الرهيب الذي أظهره القرامطة للإسلام ولمكة وللبيت العتيق .وتلك مشكلة لم يلتفت لها عامة المسلمين و من الموضوعية ذكر انتباه كبار المفسرين كابن كثير مثلا وتعرضه للمشكلة ومحاولة معالجتها فهو يقول :
وقد سأل بعضهم ههنا سؤالاً‏.‏ فقال‏:‏ قد أحلَّ الله سبحانه بأصحاب الفيل – وكانوا نصارى – ما ذكره في كتابه، ولم يفعلوا بمكة شيئاً مما فعله هؤلاء، ومعلوم أن القرامطة شرّ من اليهود والنصارى والمجوس، بل ومن عبدة الأصنام، وأنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد، فهلاّ عوجلوا بالعذاب والعقوبة، كما عوجل أصحاب الفيل‏؟‏
وقد أجيب عن ذلك‏:‏ بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهاراً لشرف البيت، ولمّا يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم، من البلد الذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها وإرسال الرسول منها أهلكهم سريعاً عاجلاً، ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله، فلو دخلوه وأخربوه لأنكرت القلوب فضله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 184‏)‏
وأما هؤلاء القرامطة فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع وتمهيد القواعد، والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة والكعبة، وكل مؤمن يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحاداً بالغاً عظيماً، وأنهم من أعظم الملحدين الكافرين، بما تبين من كتاب الله وسنة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معالجتهم بالعقوبة، بل أخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الأبصار، والله سبحانه يمهل ويملي ويستدرج ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر.
ونقول له مرة أخري لقد جافيت المنطق أيها المفسر النحرير فحماية الكعبة أسبق وأهم وأجدي من  معرفة قدرها فماذا يحدث لو لم يرجع الحجر الأسود إلي مكانه ؟ أي فضل للمكان سيتحدث الناس عنه وقد تزلزلت أركانه وتهدمت قوائمه واقتلع أقدس ما فيه ؟ أي حج سيكون ساعتها ؟ وأي كعبة مهدمة سيطوف حولها المسلمون ؟ وأي ذكر لها وقد انتهكت ونهبت ؟
إن الشرائع التي قررت والقواعد التي مهدت لم تمنع ولن تمنع أي مجنون عن مهاجمه الكعبة وإنما يمنعه تدخل الإله في كل حين وقطع يد كل من تساوره نفسه في هدم بيت الرب .
سيرد البعض بأن الدنيا تمتلئ بالموتورين الحاقدين علي الإسلام وأهله وقد ارتكب هؤلاء جرائم تماثل مهاجمة الكعبة كوطء القرآن بالأحذية ورسم الصور الكاريكاتورية الساخرة من محمد والإسلام ومع ذلك تركهم الله وأمهل عقابهم في الآخرة .
لكنا نقول هو حر في تعجيله عقابهم أو تأجيله . حر في الدفاع عن بيته أو تركه عرضة للهدم والنهب. لكنه ليس حرا في إيراد الوعود والعهود دون الوفاء بها .
فكيف يمكن تفسير الآيات التي  تعد الناس بالأمن والطمأنينة في مكة والحرم وقد قتل أمير مكة وردمت بئر زمزم بجثث الحجيج ؟

http://www.alzakera.eu/fardiga/Ijaz-0037.htm

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s